عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: العنف التربوي.. من التعليم الي الترويض

وجهه نظري أن المعلم الذي يضرب تلميذه لا يمارس سلطة تعليمية بقدر ما يكشف، في لحظة انفعاله، عن عجزه عن ممارسة السلطة الأكثر رقيا: سلطة العقل

و قد تنجح العصا في إسكات الطفل، لكنها تفشل في تربيته.

وقد تصنع جسدا مطيعا، لكنها لا تصنع عقلا حرا

ومن يثق في نفسه وفي قيمة ما يقول لا يحتاج إلى أن يجعل جسد الآخر مساحة لإثبات قوته.

التربية في جوهرها ليست عملية إخضاع، وإنما عملية تحرير.

ولهذا كان سقراط يرى أن المعرفة لا تزرع في الإنسان من الخارج، بل تستخرج منه بالحوار والسؤال

أما الضرب فيفعل العكس تماما.

إنه لا يصنع إنسانا منضبطا بقدر ما يصنع إنسانا يتعلم كيف يتجنب العقوبة.

والفرق هائل.

فالطفل الذي يتصرف خوفا من الضرب لم يتعلم الصواب؛ لقد تعلم الخوف وفقد الثقه بنفسه3310 ibt

الإنسان الذي يشعر بأن مكانته مهددة، وأن الآخرين لا يستجيبون له إلا بالقوة، فقد يلجأ إلى العنف بوصفه تعويضا نفسيا عن شعور داخلي بالعجز.

ولهذا يمكن أن نفهم بعض صور العنف التربوي بوصفها لغة شخص فقد ثقته في قدرته على التأثير

وفي كل مرة يرفع فيها المدرس يده، يكون قد أعلن، من حيث لا يدري، إفلاسه التربوي

ميشيل فوكو لفت الانتباه إلى العلاقة العميقة بين السلطة والجسد، وكيف يمكن للسلطة أن تستخدم الانضباط والسيطرة على الأجساد لإنتاج الطاعة

والمدرسة، حين تتحول من فضاء للمعرفة إلى فضاء للخوف، تصبح نموذجا مصغرا لهذه السلطة.

كيف نطلب منه ألا يمارس العنف، بينما الشخص الذي يفترض أن يكون قدوته يمارس العنف أمامه؟

كيف نقنعه بأن الحوار وسيلة لحل الخلاف ثم نغلق باب الحوار ونفتح باب الضرب؟

أخطر ما في الضرب ليس الألم الذي يشعر به الطفل في لحظته. لا تنتهي الصفعة عندما يعود الطفل إلى منزله.

إنها قد تستمر داخله سنوات كجرح داخلي لكرامته

الأخطر هو المعنى الذي قد يستقر داخله.. وقد يخشى السؤال حتى لا يبدو جاهلا.

وقد يخفي رأيه حتى لا يتعرض للسخرية والضرب

ربما نحتاج إلى إعادة النظر في تصورنا القديم للتربية.

فالطفل ليس حيوانا ينبغي ترويضه، ولا عقلا ينبغي كسره حتى يستقيم، ولا جسدا ينبغي إخضاعه حتى يصبح مؤدبا

إنه كائن في طور اكتشاف العالم.. يخطىء ويعترض ويتمرد

المعلم الحقيقي هو من يملك القدرة على إدارة الاختلاف.

أن يضع الحدود دون إهانة.

أن يعاقب الخطأ، إن لزم الأمر، بطريقة تربوية تحفظ كرامة الطفل

نحن نحتاج إلى مدارس يشعر فيها الطفل أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن السؤال ليس جريمة، وأن الاختلاف ليس عصيانا، وأن كرامته لا تسقط أمام سلطة أحد.

احتضنوا أولادكم...

فالعالم قاس بما يكفي، فلا تجعلوا البيت والمدرسة امتدادا لقسوته.

احتضنوا أبناءكم قبل أن يبحثوا عن حضن في مكان آخر، واسمعوا أسئلتهم قبل أن يبحثوا عن إجابات عند من لا يعرفونهم، وامنحوهم الأمان قبل أن تطالبوهم بالطاعه

الطفل لا يحتاج إلى يد تهوي عليه، بقدر ما يحتاج إلى يد تمسك بيده.

لا يحتاج إلى صوت يصرخ في وجهه، بل إلى صوت يقول له: أنا أراك، أفهمك، وسأساعدك على أن تصبح أفضل

احتضنوا أولادكم.

ليس لأنهم دائما على حق، وإنما لأنهم ما زالوا يتعلمون كيف يعيشون.

احتضنوا أولادكم...

فربما كانت بعض الأخطاء التي نعاقبهم عليها صرخات صامتة يطلبون بها أن نراهم.

وربما كان بعض عنادهم خوفا لا يعرفون كيف يعبرون عنه.

وربما كان بعض غضبهم بحثا عن أمان فقدوه.

صححوا أخطاءهم، لكن لا تكسروا أرواحهم.

ضعوا لهم الحدود، لكن لا تهينوا كرامتهم.

كونوا حازمين، لكن لا تكونوا قساة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم