وفاة النبي ﷺ وبداية السؤال السياسي
تتمثل إحدى إشكاليات قراءة التاريخ الإسلامي في التركيز المفرط على الانتصارات والفتوحات، وتجاهل الهزائم والانكسارات وما تستحقه من تحليل. فقد مالت بعض السرديات التاريخية إلى تصوير الماضي كمسار مستمر من التقدم، متجاهلة لحظات الضعف والتراجع، الأمر الذي أدى إلى قراءة التاريخ من زاوية المنتصرين فقط. وهنا يبرز دور المجتزئين الذين يكتفون بقطف ثمار القوة، متناسين أن الأزمات هي ما يحدث التحولات الحقيقية في البنية السياسية والدينية.
وإذا ما حاولنا إعادة قراءة هاتيك السرديات عبر غرابيل التحليل الفلسفي والاجتماعي، نجد أن الانتصار والهزيمة يتركان أثراً بالغاً في الوعي الجمعي. فالانتصار يعزز ثقة الجماعة في أي نهج تسير عليه، بينما تضع الهزيمة هذا النهج أمام اختبار حقيقي، وتكشف عن تناقضاته التي لم تكن ظاهرة وقت الاستقرار.
ومن هنا، تمتد الهزيمة لتسائل الأفكار ومدى قدرتها على استيعاب المتغيرات، لا سيما حين تتعدد نهوج التفكير داخل المجتمع الواحد. إذن، السؤال الأهم ليس كم انتصر المسلمون أو انهزموا، بل كيف أثرت هاتيك الأحداث في تشكيل الوعي؟. وكيف حوّلت مفاهيم كالخلافة والجهاد والفتنة إلى مرجعيات؟. إن البحث في هذه التحولات يمنع الانزلاق في متاهات التجديف التاريخي، حيث يعمد بعض المجدفين إلى تشويه السياقات لتلائم أهواءهم، متجاوزين حقيقة أن الجماعة أعادت تفسير تجاربها لتؤثر في ممارساتها اللاحقة.
فالهزيمة، في جوهرها، لحظة كاشفة تزيل القناع عن الفجوة بين المثال النظري والواقع العملي، مما يدفع الجماعة للتساؤل عن صلاحية أفكارها في الوقت المعيش. غير أن بعض الجماعات تتهرب من هذه المراجعة؛ فتتشبث بأفكارها السابقة، وتلقي باللائمة على الأغيار، ناهيك عن تأثير ذلك في توجيه شبيبة الأمة نحو الانغلاق بدلاً من النقد.
ولعل وفاة النبي ﷺ سنة 11هـ تمثل أعمق اللحظات لفهم العلاقة بين الحدث التاريخي وتشكّل الوعي. فقد انقطع الوحي، ووجدت الجماعة نفسها أمام أسئلة غير مسبوقة؛ كيف تُدار شؤون المسلمين؟، وعلى أي أساس تقوم الشرعية؟، فلم يكن الأمر مجرد اختيار حاكم، بل كان تأسيساً لطبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والاجتهاد البشري.
وقد كشفت صدمة الوفاة عن ضرورة التمييز بين بقاء الرسالة وانتهاء حياة الرسول-صلى الله عليه وسلم-. وهنا بدأ الانتقال للبحث عن صيغة بشرية لتنظيم السلطة، وتجلى ذلك في (سقيفة بني ساعدة). حيث انتقلت القيادة من مرجعية نبوية إلى سلطة تتطلب التوافق والمواءمة السياسية. ولذلك، حري بنا قراءة هذه الواقعة في ظروفها التاريخية الحساسة، بعيداً عن تأويلات المتأولين التي تسعى لفرض رؤية نسقية مكتملة على حدث كان يغلب عليه طابع الاجتهاد والتفاوض.
ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الواقعة موضوعاً للتنظير المستمر حول الإمامة والخلافة. وقد عبّر الماوردي لاحقاً عن هذا التحول بمحاولته تنظيم السلطة السياسية بعد انقطاع الوحي، مما يؤكد أن مسألة الخلافة كانت اختباراً حقيقياً لأي نسق سياسي إسلامي يعتمد على القواعد البشرية والتنافس المفتوح.
وإذا ما انتقلنا إلى الفتنة الكبرى، نجد أن النقاش تجاوز التفاوض إلى الصراع المسلح. وهذه الهزيمة الداخلية أشد قسوة، لأنها تضرب شرعية الجماعة وتفرض أسئلة معقدة حول الفتنة والطاعة والخروج. وفي هذا السياق، يبدوا جلياً كيف اختلط الدين بالسياسة، وكيف ارتبطت المفاهيم الفقهية بذاكرة من النزاع، لتتخذ طابعاً جديداً في المراحل اللاحقة. ومع قيام الدولة الأموية، أصبح الحكم أقرب إلى الملك والتوارث، مما أعاد صياغة أسئلة الشرعية. فخوفاً من تكرار الفتنة، جرى تعظيم قيمة الطاعة للحفاظ على وحدة الجماعة.
وتكمن الإشكالية هنا في تعميم هذه التجربة الاستثنائية على كل العصور، حيث يسعى بعض المتأسلمين إلى استدعاء هذه القوالب وإسقاطها على حاضرنا المعيش لتبرير سياسات أو إدانة خصوم. ولذلك فإن الهزائم تعيد ترتيب أولويات الوعي الجمعي؛ ويبرز منهج ابن خلدون في دراسة العمران وأطوار الدولة لفهم أسباب التراجع بعيداً عن التفسيرات السطحية. ورغم ذلك، تصر بعض الخطابات الدينية على حصر الهزيمة في الانحراف الأخلاقي، أو تحميلها للمؤامرة الخارجية. وحين يتحول أي من هذه التفسيرات إلى حقيقة مطلقة، فإنه يعطل العقل ويدعم مواقف المجترئين الذين يرفضون مراجعة المؤسسات وموازين القوى. وفي الفكر الحديث، قدم مالك بن نبي عبر مفهوم "القابلية للاستعمار" خطوة مهمة لفحص الشروط الداخلية التي تمهد للهزيمة، بدلاً من الاكتفاء بإدانة المعتدي.
فقراءة الهزائم يجب ألا تكون إخفاءً للحقائق حفاظاً على الصورة، لكي لا نقع فريسة في شباك المشككين، بل هي دعوة لمراجعة التصورات التي فقدت فاعليتها. فاستعادة التاريخ لا تعني استنساخه، بل فهم تحولاته. لأن المعاني القديمة للمفاهيم تُستدعى وتُوظف بحسب مصالح الفاعلين وحاجات الحاضر. ومن هنا تبرز خطورة الخطابات الراديكالية التي تنتقي من الماضي سرديات تعبوية تتجاهل سياقها الأصلي، وهو انتقاء متعسف يقودنا إلى زيغ فكري يبتعد بنا عن فهم التجربة الحقيقية.
وهنا تتعاظم مسؤولية المتفقهين والمثاقفين وقادة الرأي؛ إذ لا يكفي تكرار الموروث، بل يجب فحص الظروف التي أنتجته، والتمييز بين الحدث وبين المعنى الذي أُسبغ عليه لاحقاً. فقراءة التاريخ الإسلامي عبر انكساراته لا تعني تضخيم الفشل، بل تعني التوازن والموضوعية في فهم السياقات.
وختاما نقرر أن الهزيمة ليست مجرد حدث يقع للجماعة، بل هي ما تفعله الجماعة بهذا الحدث. فدراسة الانكسارات ليست انشغالاً منفصلاً عن الواقع، بل هي المفتاح الأهم لفهم كيف تشكلت أسئلتنا المعاصرة حول الدين والسياسة والسلطة والآخر.
وللحديث بقية
***
د. بدر الفيومي








