يرتبط فهم الحياة بالوجود والحضور، وكثير ما يتم فهم الحياة على أنها الحصول على كل ما هو مفضل لدينا، فوعي الحياة غير تشكيلها، لأن الوعي خاص بالفرد وفهمه لها، أما تشكيل صورة الحياة خاص بالمجتمع وشركات الإنتاج والايديولوجيات، فالحياة ليست كما نظن بأنها وليدة اللحظة أو الظروف لوحدها، بل هي مجموع من المعاني والأهداف الوجودية، والقيم الاجتماعية، والضروريات المعيشية التي تهدف لإيجاد معنى للحياة.
فمعنى الحياة يرتبط بما يمكن أن تتشكل الحياة منه، فكل مجتمع أو أيديولوجيا او سلطة له رؤية لمعنى وجودنا في الحياة، فالفلسفة ترى المعنى في التفكير والفهم، والدين يرى المعنى بالطاعة، والسلطة ترى المعنى بالالتزام، والمجتمع يرى المعنى بالعرف والتقاليد، وشركات الإنتاج ترى المعنى في الاستهلاك، فكل سياق له صورة عن الحياة، وهذا هو السبب في اختلاف وجهات النظر في فهم الحياة، لأن كل واحد من هذه السياقات الوجودية تطرح رؤية لكيفية عيش حياتنا.
فالمفاهيم كالحب والكره، والجيد والسيء، والخير والشر، والجميل والقبيح، وما يقع تحت وصاية هذه المفاهيم من لطف وحقد وحسد وشجاعة وكرم وتقبل...الخ. من تلك المفاهيم هي التي تشكل حياتنا وتعيننا على فهم ذواتنا والاخر، إلا أن إخضاع تلك المفاهيم لسياق معين هو الذي يرسم حياتنا ويشكل صورة وجودنا للذات والآخر، وما هي الاشياء المفضلة لدينا؟. فمعنى الحياة مفهوم لا يخضع لسياق واحد، بل فهم متشعب من سياقات متعددة منها النظرة الدينية، والفلسفية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وهذه طبيعية تشكيل الحياة، إلا أن وعي الحياة هو الجانب الإنساني الذي يجب أن نتعامل به مع الحياة، لأن الحياة معادلة تضم صنفان باتجاهات مختلفة الله والإنسان، الأنا والآخر، المرأة والرجل، الذات والسلطة.
وبحسب قول الطبيب النفسي النمساوي ألفريد آدلر في معنى الحياة: إن الحياة البشرية تعتمد على الحركة، ولكنه من غير الكافي للإنسان أن يتطور جسمانيا فقط، لأن الحركة في حد ذاتها تتضمن معنى التحكم في الذكاء، اي التحكم في العقل. والا فإن النبات يتطور وينمو لكنه غير قادر حماية نفسه أو القيام بردة فعل عند مواجهة خطر ما، ففي ابسط الأحيان لا معنى للحياة الواعية دون أن نتحرك، كما يقول شكسبير في هاملت " بالتأكيد لديك عقل، وإلا ما تمكنت من الحركة ". وعليه إن معاني الحياة هي التي تحركنا وتوجهنا نحو أهدافنا، وحماية أنفسنا، والعمل على تطوير ذواتنا، وتحقيق أمنياتنا، ففهم الحياة ليس بمعزل عن طريقة عيشنا، فالفهم الخاطئ لصورة الحياة يعني عيش حياة وفق تلك الصورة سواءً كانت جيدة أو بائسة.
فالبشرية بمختلف توجهاتها تبحث عن افضل الصور لمعنى الحياة، فمنذ الحكماء قديما والبحث عن صورة الحياة المُثلة، فمنهم من وجدها في الزهد وبعضهم في الضروري وآخرين في الترف واختبار اللذات، وآخرين في الطاعة والعبادة، أما حديثاً فقد تشكلت للحياة معاني اخرى غير الزهد والترف والضروري، بل ما يمكن تسميته بالرفاهية، وهي العيش في لين وراحة، وهذا ما تسعى إليه الشركات والمؤسسات والمنظمات والهيئات لغرض توفيرها للأفراد.
وعليه تم الانتقال من سيطرة وجهة نظر السلطة، والدين، والمجتمع، لمعنى الحياة، إلى سيطرة الشركات والمؤسسات الاقتصادية لتشكيل وعي جديد لدينا للحياة، لأن الرفاهية تتطلب توفير وعرض واستهلاك، فإذا كان الزهد والضروري منخفض التكلفة، فإن الترف والرفاهية مرتفعة التكاليف، لأنها تقوم على حب الظهور وزيادة في المتطلبات. وهذا الأمر يجعل الافراد في رحلة لا متناهية من البحث عن الرفاهية، والبحث عن كل ما هو جديد يؤمن لنا الراحة، لأنها أصبحت هدفاً، وليس وسيلة للحصول على السعادة. فالزهد روحي، والضروري ما هو مفيد، والترف كل ما هو خارج عن حاجتنا، إلا أن الرفاهية ترتبط بتوفير سهولة العيش وهو أمر يرتبط بكل ما هو اصطناعي، فالفكرة من الحياة اليوم، لا تنشأ من داخلها وطبيعتها، بل محاولة لصناعة حياة أخرى غير حياتنا كبشر.
***
كاظم لفتة جبر








