العلم نور والجهل ظلام.. تداعي افكار
وأنا أتابع أخبار جائزة نوبل لهذا العام في علم وظائف الأعضاء أو الطب، التي مُنحت لثلاثة علماء حوّلوا الضوء إلى مفتاح للتحكم في خلايا الدماغ، استوقفتني قصة العلماء الثلاثة: الأمريكي كارل دايسروث بالاشتراك مع الألمانيين بيتر هيغمان وجورج ناغل الذين نالوا الجائزة تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية الحساسة للضوء، وتطويرهم تقنية البصريات الوراثية إذ أتاح هذا الإنجاز العلمي للباحثين استخدام نبضات الضوء للتحكم في نشاط خلايا عصبية محددة، وفتح آفاق جديدة لدراسة الدوائر العصبية التي تسهم في تشكيل الذاكرة والمشاعر والسلوك. بدأت القصة من دراسة بروتين حساس للضوء اكتُشف في طحلب وحيد الخلية، ثم تطورت عبر بحوث متراكمة حتى أصبح الضوء أداة دقيقة لاستكشاف بعض أسرار الدماغ ووظائفه.
تداعت إلى ذاكرتي رمزية العلم والتعليم والضوء والتنوير، واستعدت عبارة مدرسية قديمة ظلت ترافقني منذ طفولتي، وكأنها لم تكن جملة عابرة تعلمنا كتابتها في حصة تعليم الخط العربي، بل كانت بذرة سؤال فلسفي لم تتكشف معانيه إلا بعد عقود من القراءة والتجربة والتأمل: «العلم نور والجهل ظلام» تلك العبارة التي أضاءت عقلي وقلبي وكنت أتمثلها بوصفها حالة وجودية وليست عبارة شائعة لتعلم الخط العربي: العلم نور والجهل ظلام! من يتذكرها منكم؟ عبارة تختصر تاريخاً طويلاً من الصراع الإنساني بين المعرفة والجهل، وبين الوعي والوهم، وبين حرية العقل وسلطان الأوثان التي يصنعها العقل نفسه، ثم ينسى أنها من صنعه.
لم أكن آنذاك أعرف شيئاً عن تاريخ التنوير، ولا عن فلسفة المعرفة، ولا عن الصراع الطويل الذي خاضه العقل الإنساني في مواجهة الخرافة والأوهام والسلطات التي احتكرت لنفسها حق تفسير العالم. كنت طفلاً يتعلم الكلمات، واليوم تداعت إلى ذهني مع اخبار جائزة نوبل عن الضوء والدماغ.
إنها ليست دعوة إلى الحنين وحده، وإنما إلى استعادة المسافة بين الكلمة ومعناها، وبين حفظ الحكمة والعيش بمقتضاها. فما أكثر ما نحفظ من العبارات الجميلة، ثم نمارس في حياتنا ما يناقضها! وما أكثر من يحملون الشهادات والألقاب العلمية، لكنهم يعجزون عن مراجعة أفكارهم، أو الاعتراف بأخطائهم، أو الإصغاء إلى من يختلف معهم! إن العلم الذي يستحق أن يسمى نوراً ليس مجرد امتلاك المعلومات، بل القدرة على الفهم والتمييز والنقد، والاستعداد لمراجعة ما نعتقد أننا نعرفه. أما الجهل فليس دائماً نقصاً في المعلومات؛ فقد يكون وفرة من المعلومات بلا فهم، أو معرفة بلا بصيرة، أو يقيناً متضخماً يغلق أبواب العقل أمام كل سؤال جديد.
النور، في معناه الفيزيائي، هو ما يتيح لنا رؤية الأشياء وتمييز حدودها وألوانها وعلاقاتها. لكنه تجاوز حدود الظاهرة الطبيعية ليصبح إحدى أعمق الاستعارات في تاريخ الوعي الإنساني. نقول: أنار عقله، واستنار فكره، وأضاءت المعرفة طريقه، وتبددت عتمة الجهل عن بصيرته. وفي المقابل، نقول: أظلم العقل، وغابت الحقيقة، واستبدت الأوهام، وضاع الإنسان في متاهات الخرافة. وهكذا لم يعد النور مجرد ظاهرة نراها، بل أصبح رمزاً لما نطمح إليه من وعي وحرية وقدرة على الفهم، فيما غدا الظلام رمزاً لما يحجب عنا الحقيقة ويعوق قدرتنا على الاختيار.
ولعل جائزة نوبل لهذا العام تقدم مثالاً بالغ الدلالة على انتقال النور من الاستعارة إلى التجربة العلمية. فالضوء الذي استخدمه الإنسان منذ القدم لإضاءة الكهوف والطرقات، والذي أصبح في اللغة رمزاً للعقل والمعرفة، صار اليوم أداة يستخدمها العلماء لاستكشاف بعض الآليات العصبية التي يقوم عليها التفكير والسلوك. إن العقل الذي ابتكر أدوات الكشف أصبح قادراً، بواسطة الضوء، على دراسة بعض الآليات التي يعمل بها الدماغ نفسه. أليست هذه مفارقة تستحق التأمل؟ إننا لا نستخدم الضوء لنرى العالم فحسب، بل أصبحنا نستخدمه لفهم بعض العمليات التي تجعلنا قادرين على الإحساس والتذكر والتعلم والتفاعل مع العالم.
وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لأنه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي (أعرف نفسك) إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لأنني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا.
وهنا تكمن قيمة العلم بوصفه تاريخ تجاوز الاخطأ: يعلمنا كيف نبحث، وكيف نختبر الفرضيات، وكيف نميز بين الاعتقاد والدليل، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. فالاستنارة ليست ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما القدرة على الاقتراب منها من دون أن نغلق الطريق أمام مراجعتها.
لكن هل يكفي العلم وحده لتحرير الإنسان من الظلام؟ وهل يؤدي التقدم التقني بالضرورة إلى التقدم الأخلاقي والحضاري؟ إن الفرق بين العلم والتنوير يكمن، في أحد أبعاده الأساسية، في أن العلم يوسع قدرتنا على معرفة العالم والتأثير فيه، بينما يقتضي التنوير أن نمتلك القدرة على مساءلة أنفسنا ومعتقداتنا ومصالحنا، وأن نستخدم المعرفة في خدمة الحرية والكرامة والعدالة. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، لكنه ضيق الأفق؛ وقد يكون المجتمع متقدماً في التكنولوجيا، لكنه متخلف في احترام حقوق الإنسان. وعندئذ لا يكون النقص في الضوء الذي تنتجه المختبرات، بل في الوعي الذي ينبغي أن يوجه استخدامه.
وبهذا المعنى تتعين وظيفة الفلسفة، بوصفها حكمة العقل ودهشة السؤال، وبوصفها إحدى أهم الممارسات الإنسانية التي تعلّمنا ألا نأخذ الأشياء على ظاهرها، وألا نخلط بين المألوف والحقيقي، أو بين الموروث والمبرهن عليه. إن صرخة سقراط: «اعرف نفسك» ليست مجرد دعوة إلى التأمل في الذات، بل هي دعوة إلى اختبار أفكارنا ومعتقداتنا، والتعرف إلى حدود معرفتنا، ومساءلة المسلمات التي نعيش في ظلها من دون أن ننتبه إلى أنها تشكل طريقة رؤيتنا للعالم والخروج من الكهف (كهف أفلاطون) أكثر الرموز الفلسفية قدرة على تفسير علاقة الإنسان بالأوهام. فالسجناء الذين اعتادوا رؤية الظلال على جدار الكهف يتصورونها الواقع كله، لا لأنهم اختاروا الخداع عن وعي، بل لأن خبرتهم المحدودة لم تمنحهم سبباً كافياً للشك فيما اعتادوا رؤيته. إن قوة الكهف لا تكمن في جدرانه، بل في اعتياد العقل على حدوده، وفي تحوله إلى سجين لما ألفه من تصورات وأحكام.
إذ تلازم أوثانُ العقل الإنسانَ كظله؛ فالعقل الذي ينتج الأفكار قد يتحول إلى أسير لها حين يتوقف عن مساءلتها، ويعاملها بوصفها حقائق نهائية. لقد نبّه فرانسيس بيكون إلى الأوهام التي تحجب الرؤية، وجعل ديكارت الشك المنهجي وسيلة لاختبار المعتقدات، وخاض الغزالي رحلة مراجعة الموروث بحثاً عن اليقين، فيما كشف نيتشه الجذور التاريخية والاجتماعية لكثير من القيم والمفاهيم التي نعدّها بديهية. وعلى اختلاف مناهجهم، يذكروننا بأن تحرير العقل يبدأ من شجاعة السؤال.
وما أكثر الكهوف التي نبنيها حول أنفسنا في هذا العصر! فقد تحولت وسائل الاتصال الحديثة أحياناً إلى جدران تعيد إلينا أفكارنا ذاتها، وتضاعف أوهامنا بالتكرار، حتى نرى العالم كما نحب أن نراه، لا كما هو. وهكذا قد يعيش الإنسان في عصر المعلومات، بينما يظل أسير الجهل المتخفّي في ثوب اليقين. فليست المأساة أن نجهل، بل أن نعجز عن إدراك جهلنا؛ وليست حرية العقل في امتلاك الأفكار، بل في امتلاك الشجاعة لمساءلتها والتحرر من أوثانها.
لعل المعنى الفلسفي للاكتشاف الطبي الجديد، أن النور ليس مجرد استعارة للحقيقة، بل أداة علمية للكشف عن أسرار الدماغ وفهم آلياته. وهنا يلتقي العلم بالفلسفة في غاية إنسانية مشتركة: تحرير الإنسان من الجهل، وتوسيع قدرته على الفهم، وفتح آفاق جديدة أمام المعرفة. فإذا كان العلم يستخدم الضوء للكشف عن خفايا الدماغ، فإن الفلسفة تستخدم السؤال لكشف خفايا العقل، وتفكيك أوهامه، ومساءلة المفاهيم التي تتحكم في أحكامنا من دون أن نشعر. فالعقل الذي يحتاج إلى أدوات علمية لفهم العالم يحتاج أيضاً إلى النقد كي يفهم نفسه، ويميز بين الحقيقة والوهم، وبين الدليل والمعتقد، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. ومن هنا تتجلى الوظيفة التنويرية للفلسفة؛ فهي لا تعادِي التراث ولا تقدّس الجديد، وإنما تخضع الأفكار للاختبار، وتبحث في أصولها وسياقاتها، وتمنح الإنسان شجاعة مراجعة يقينياته. كما أن التعليم الحقيقي ليس تكديساً للمعلومات، بل تدريب على السؤال والاستدلال والتحقق، ولا تزدهر المعرفة إلا في فضاء يحمي حرية البحث ويصون حق الاختلاف. وحين أستعيد عبارتي المدرسية القديمة: «العلم نور والجهل ظلام»، أدرك أن معناها أعمق مما تصورت يوم كتبتها؛ فالنور لا يقتصر على كشف ما يحيط بنا، بل يمتد إلى كشف أوهامنا وحدود معرفتنا. وليس التنوير أن نزعم امتلاك الحقيقة، بل أن نظل مستعدين للبحث عنها، وأن نراجع أفكارنا كلما ظهرت أدلة جديدة. فالعلم يضيء لنا دروب العالم، والفلسفة تعلّمنا كيف نبصر؛ وباجتماعهما يتحرر العقل من أوثانه، ويصبح الإنسان أقدر على الفهم والاختيار، وأقل استعداداً لأن يحوّل جهله إلى يقين، أو اختلافه مع الآخرين إلى عداوة. ذلك، في تقديري، هو المعنى الأعمق للنور: أن نعرف أكثر، وأن نتوهم أقل، وأن نجعل المعرفة قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.
ختاما: يمكن القول إن اكتشاف إمكانية التحكم في نشاط خلايا الدماغ باستخدام الضوء، عبر تقنية البصريات الوراثية يُعد ثورةً علميةً في علم الأعصاب وعلم النفس العصبي؛ إذ أتاح للباحثين الانتقال من مراقبة النشاط العصبي إلى التحكم الدقيق في خلايا عصبية محددة، وفهم علاقتها بالذاكرة والتفكير والانفعالات والسلوك. وتكمن أهميته في فتح آفاق جديدة لفهم الاضطرابات التي تصيب الدماغ والجهاز العصبي، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، والصرع، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وبعض حالات الإدمان. كما يتيح دراسة الآليات العصبية المرتبطة بمرض ألزهايمر واضطرابات الذاكرة، بما قد يساعد على تطوير علاجات مستقبلية أكثر دقة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإنجاز البحثي وإمكاناته العلاجية؛ فالتقنية لا تزال في معظم هذه التطبيقات أداة بحثية، ولم تصبح علاجًا سريريًا معتمدًا لهذه الأمراض. إننا أمام تحول في فهم الدماغ، حيث لم يعد الضوء وسيلة لرؤية العالم فحسب، بل أصبح أداة لاستكشاف أسرار العقل، والعلاقة المعقدة بين النشاط العصبي والحياة النفسية للكائن البشري.
***
د. قاسم المحبشي








