في المسافة الخفية بين ما نريده وما صنع فينا
يعتقد معظم الناس أنهم يعرفون ما يريدون. هذا الإعتقاد لا يحتاج منهم إلى برهان، لأنه يسبق التفكير ويأتي قبل الأسئلة. نحن نختار أعمالنا وعلاقاتنا وآراءنا، ونتحمل نتائج ما اخترناه، ونلوم أنفسنا حين يسوء الأمر. هذا يبدو كافيا كدليل على الحرية.
لكن لنتأمل، حين نتخذ قرارا "بإرادتنا الحرة"، ما الذي كان موجودا في داخلنا قبل تلك اللحظة؟ الخوف من الفشل؟ الرغبة في رضا الأب؟ مثلا، الصورة التي رسمها الآخرون لنا عن أنفسنا قبل أن نكون قادرين على رسمها وحدنا؟ التوقعات التي استقرت في أعماقنا حتى صارت تشبه الرغبة؟
المسألة أعمق من مجرد "هل نحن أحرار أم لا". هي أقرب إلى هذا السؤال المزعج، ماذا لو أن جزءا مما نسميه "اختياراتنا" لم ينشأ فينا، بل تشكل فينا؟
لا أحد يختار البلد الذي يولد فيه. ولا اللغة التي يفكر بها. ولا العائلة التي ستعلمه أي شيء يستحق الحب وأيها لا. نحن نصل إلى العالم ومكاننا فيه محجوز سلفا، والتوقعات منا جاهزة، والقواعد مكتوبة قبل أن نمسك القلم، فالطفل لا يجبر على شيء في أغلب الأحيان، لكنه يتعلم بسرعة ما يجلب الحب وما يجلب الإعراض. يتعلم أن بعض الأسئلة لا تطرح وأن بعض الرغبات "لا تليق" وبعض الطرق "ليست لأمثالنا". وعندما يكبر، لا يشعر بأن هذه الأشياء فرضت عليه، بل يشعر أنها هو. وهذا هو الأذكى في ميكانيزم عمل المجتمع، لا يحتاج إلى أن يمنعك من شيء، إذا نجح في جعلك لا تريده أصلا.
فكر معي في إنسان أمضى عمرا في مهنة لا يحبها لكنه يصفها بـ „الاستقرار". أو في امرأة بقيت في زواج ينهكها لأن "هذا ما تفعله النساء الجيدات". أو في شاب يخفي ما يفكر به حقا، ثم يبرر صمته لنفسه بأنه "حكمة". هؤلاء لم يجبروا على هذا السلوك، لكن هل اختاروه؟السؤال الحقيقي حول إمكانية أن يفعلوا خلاف ذلك هو: هل كانت الخيارات الأخرى متاحة لهم نفسيا بنفس القدر؟ أم أنها كانت محاطة من الداخل بالذنب والخوف والعار؟ ومع هذا لا ينبغي أن نقلب المسألة ونجعل من المجتمع والثقافة شيطانا خالصا. فلا أفكار بدون اللغة التي تلقيناها، وبدون العلاقات التي احتضنتنا، لا شخصية. المشكلة ليست في كوننا تشكلنا داخل عالم مشترك، بل أن يظل الإنسان أسيرا لما تشكل فيه، عاجزا عن تمييز ما يمنحه الحياة مما يسد عليه أبوابها.
الخوف ليس دائما شيئا نراه. أخطره هو الذي لا نعرف أنه موجود، فالخوف من الفشل مفهوم، لكن ماذا عن الخوف من الخروج عن المألوف؟ أو من أن تكتشف في منتصف عمرك أنك أمضيت نصفه الأول في الدفاع عن صورة لا تشبهك؟ هذا الخوف لا يصرخ، يهمس، وهمسه يشبه الحكمة والواقعية والنضج.
يستطيع الإنسان أن يبني حجة عقلانية لأي قرار يريد تبريره. مثلا: "لم أغير مساري المهني لأن الظروف لا تسمح."، "لم أعترض لأن الوقت لم يكن مناسباً."، وكل هذا قد يكون صحيحا تماما. لكنه قد يكون أيضاً ثوبا نظيفا يلبس على خوف لا نملك الشجاعة على الإعتراف به حتى لأنفسنا.
الفيلسوف الدنماركي كيركغارد رأى في الحرية مصدرا للدوار لا للبهجة. الإختيار الحقيقي يغلق أبوابا لن تفتح، ويضعك أمام مسؤولية لا تستطيع توزيعها على أحد. من هنا يفهم المرء أن بعض الناس لا يهربون من الحرية لعجزهم عنها، بل لأنهم يدركون في مكان ما من وعيهم، أن امتلاكها سيسلب منهم الأعذار المريحة التي اعتادوا الإحتماء بها، وبين اعتقادين خاطئين تقع الحقيقة: الإعتقاد بأن كل شيء ظرف خارج سيطرتنا، وهذا يريحنا من مسؤولية القرار لكنه يسلمنا لها تماما، والإعتقاد بأن كل شيء يتوقف علينا، وهذا يفضي إلى نوع من العذاب الأخلاقي الذي لا يطاق. وفي المساحة بين هذين الوهمين يقع ما يمكن تسميته بالحرية الواقعية، فهي لست سيدا مطلقا على حياتك، لكنك لست ضحية مطلقة لها.
جان بول سارتر مزعج. ليس لأن فلسفته صعبة، بل لأنها لا تمنحك مكانا تختبئ فيه. فالإنسان عنده لا يأتي إلى العالم مزودا بهوية جاهزة تنتظر منه أن يكتشفها. هو يوجد أولا، ثم يصنع نفسه عبر ما يفعله ويرفضه، وما يقدم عليه وما يتراجع عنه. فهويتك ليست جوهرا تبحث عنه، هي مسار تصنعه. والجملة الأشهر عنده: "الإنسان محكوم عليه بالحرية." وهذا لا يعني أنك ستكون سعيدا لأنك حر، بل لأنك لا تستطيع أن تتهرب من الإختيار. فالصمت اختيار، والتأجيل اختيار، والقبول اختيار. حتى قولك "ليس بيدي شيء" هو نفسه موقف تتخذه.
لكن سارتر يشكل خطرا إذا قرئ بشكل انتقائي: يمكن لهذا المنطق أن يتحول إلى أيديولوجيا تلوم الفقراء على فقرهم وتطالب المقهورين بأن "يختاروا" غير ما يعيشون. إنسان لا يملك ما يأكله لا يحتاج محاضرة عن المسؤولية الوجودية.
لذلك ثمة مستويان لا يمكن الفصل بينهما: مستوى الفرد الذي يملك وعيا ودوافع وقدرة على إعادة النظر في موقفه. ومستوى الشروط المادية والإجتماعية والسياسية التي تجعل هذا الوعي ممكنا أو تجعله ترفا. الحرية الداخلية ليست بديلا عن العدالة. والعدالة وحدها لا تصنع إنسانا قادرا على استخدامها.
الأصعب ليس أن تقاوم سلطة تعرف أنها تقيدك، بل هو اكتشاف السلطات التي لا تراها. فالإنسان قد ينجح في التخلص من شيء فرض عليه صراحة، ثم يكتشف أنه ما زال يحمل تصورا عن النجاح أو الرجولة أو الكرامة صيغ بالأدوات نفسها التي أراد التخلص منها. خلع الثوب القديم ولبس ثوبا آخر مصنوعا من الخيط ذاته.
ميشيل فوكو أرانا كيف تعمل السلطة حين لا ترى لها وجها. فهي ليست دائما قوة تمنع وتأمر، بل معايير تتسرب حتى تصبح طريقة نرى بها أنفسنا. "الطبيعي" و"المقبول" و"الناجح" من قرر هذه التعريفات؟ وحين استبطنها الفرد، لم يعد بحاجة إلى رقيب خارجي. صار رقيب نفسه ولننظر حولنا: كم شخص يقيس قيمته بحجم إنجازاته، ويشعر بالذنب حين يستريح؟ يعتذر عن أنه يحتاج إلى وقت؟ يختار مساره وفق ما سيثير إعجاب الآخرين؟ هذه ليست مشاعر فردية طارئة، بل هي ثمرة ثقافة تربط الإنسان بالإنتاج ربطا وثيقا حتى صار يشعر بأنه يتخلف حين لا ينتج.
معرفة الذات ليست قائمة بنقاط قوة وضعف. هي استعداد لمواجهة التناقضات التي نفضل تجاهلها، لأن بعض فضائلنا تخفي رغبة في التحكم وبعض تضحياتنا تغذيها حاجتنا إلى الإعتراف، وبعض قناعاتنا التي ندافع عنها بحرارة لم تخضع قط لاختبار حقيقي.
نقيس الحرية عادة بالخيارات المتاحة: العمل، المكان، العلاقات، الآراء. لكن ماذا لو أن الخيارات تتسع بينما تبقى معايير الإختيار ضيقة كما هي؟
الفرق بين حرية الإختيار وحرية التفكير هو الفرق بين أن تختار من قائمة جاهزة، وبين أن تسأل: من أعد هذه القائمة؟ ولماذا هذه الخيارات بالذات دون سواها؟
التفكير النقدي لا يعني رفض كل شيء أو التشكيك في كل فكرة. التفكير النقدي يبدأ حين نتوقف عن التعامل مع المألوف كما لو كان طبيعيا أزليا: لماذا أؤمن بهذا؟ من أين جاءت هذه القناعة؟ هل أتمسك بها لأنها تصمد حين تفحص، أم لأن التخلي عنها يهدد انتمائي إلى جماعة أحتاجها؟ وهذه الأسئلة لا توصل دائما إلى يقين. لكنها تغير علاقتك بأفكارك، فمن يراجع قناعاته لا يصبح بالضرورة أكثر ثقة، لكنه يصبح أقل خضوعا للثقة الموروثة. ومن يدرك أن هويته قابلة للمراجعة لا يضطر إلى الدفاع عن كل موقف سابق وكأنه يدافع عن وجوده.
هناك صورة شائعة للحرية: الإنسان الحر هو من لا أحد يمنعه من شيء، من يستطيع أن يفعل ما يشاء متى شاء. هذه الصورة مغرية جدا، لكنها مخادعة. فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة أي رغبة عاجلة ليس أكثر حرية ممن يرفضها عن وعي. والذي يقيس قيمة كل فعل بمدى إعجاب الآخرين به ليس حرا، بل محتاج، وهذه الحاجة هي قيده الفعلي. في المقابل، الإنسان الذي يقبل التزاما اختاره بوعي، ومسؤولية، عهدا وقيمة، لم يفقد حريته، بل اختار حدودا تمنح حياته معنى، فالمسألة ليست في عدد القيود، بل في طبيعتها وفي علاقتك بها. قيد تختاره غير قيد يفرض عليك. ورغبة تعبر عن حاجة حقيقية غير رغبة تتغذى على المقارنة والحرمان المصطنع وصراع التنافس الدائم.
الحرية لا تبدو بالشكل نفسه لكل الناس ولا في كل الأوقات. قد تعني لشخص أن يخرج من الفقر. ولآخر أن يعبر عن رأيه دون خوف. ولثالث أن يتوقف عن قياس نفسه بمعيار لا علاقة له به. وقد تتعارض هذه المعاني أحيانا، فبعض أشكال الحرية لها ثمن في أشكال أخرى منها. والسؤال الأصدق ليس "هل أنا حر؟" كأن الحرية مكان تصل إليه وتجلس. الأصدق هو: أين تبدأ قدرتي على الإختيار وأين تضيق؟ ما الذي أستطيع تغييره؟ وما الذي يحتاج إلى تغيير في الشروط المحيطة بي لا في إرادتي وحدها؟ أي من قراراتي هو اختيار حقيقي، وأيها استجابة لضغط لم أتعلم بعد كيف أسميه؟ الحرية، إذن، ليست أن تبدأ من نقطة نقية لا تلوثها الظروف. هي أن تتعلم كيف ترى القوى التي شكلتك. أن تفرق بين ما قبلته عن اقتناع وما استسلمت له خوفا. أن توسع تدريجيا المساحة التي تتخذ فيها قرارات أكثر وعيا. وقبل كل شيء: أن تكف عن الإقتناع بأن مجرد شعورك بأنك تختار يكفي دليلا على أنك حر.
لكن يبقى السؤال الذي لا راحة معه: ماذا لو أن رغباتنا تتشكل قبل أن نعيها؟ وماذا لو كانت قدرتنا على مراجعتها تتأثر هي الأخرى بما صنعنا؟ ليست الحرية في العثور على ذات نقية في انتظارنا تحت طبقات التأثيرات. هي في قدرتنا على إعادة النظر في أنفسنا من داخل هذا التاريخ الذي نحمله، وتحويل ما تلقيناه إلى مادة للتفكير بدلا من أن يظل قدرا صامتا يوجه حياتنا.
هل نريد ما نريد حقا؟ أم أننا تعلمنا على امتداد حياتنا، أن نرغب فيما ينتظر منا أن نرغب فيه؟
هذا سؤال لا يحتمل جوابا سريعا، وربما لا يحتمل جوابا نهائيا أصلا. يكفي أن يظل مقلقا حين يطرح؟.
***
عبد الرحيم الجرودي








