من أين أتى الإنسان؟ حين أضع يدي على حجر، وأشعر ببرودته تتسلل إلى كفي، يصعب عليّ أن أتخيّل الطريق الطويل الذي قطعته هذه اليد حتى صارت قادرة على الكتابة.
تضع الأدلة الأحفورية نشأة نوعنا، الإنسان العاقل، في أفريقيا قبل نحو ثلاثمائة ألف عام. [1] أتابع أثره في الحجر الذي شذّبه، وفي العظم الذي تركه قرب النار، وأحاول أن أتخيل ليله. ما الذي كان يسمعه وراء الأشجار؟ كم مرة تراجع عن طريق لأن ظلاً تحرك فيه؟ حمل معه ذلك الإصغاء إلى المجهول، حتى جلس أمام شاشة تتكلم، وأخذ يسألها عمّا سيحلّ به.
كان البرد يدخل العظم، والماء يجرف ما بُني قربه، والموت يأتي قبل أن يتسع الوقت لفهمه. تعلّم البشر إشعال النار وصنع الأدوات، وأقاموا بيوتاً وحقولاً ومدناً. ثم عاد التراب فابتلع شارعاً في زلزال، وعبر فيروس مجهري الحدود التي أقاموها. اتسعت قدرتهم على النجاة، واتسعت معها قدرتهم على إفساد ما يحفظ حياتهم.
في يد الصانع الأول كان الحجر قريباً من الجسد. يرى حدّه، ويعرف أين يشذّبه. ثم طالت المسافة بين حركة الإصبع ونتيجتها. صار زرّ في جهاز يصل إلى بلاد لم تطأها قدم صاحبه. وتدخل الأداة اليوم إلى اللغة، إلى الموضع الذي أشرح فيه خوفي وأراجع أفكاري. تجيب بصوت مطمئن، وقد تخطئ بذلك الاطمئنان نفسه. أقرأ جوابها مرة ثانية، وأجدني أشك في خبرتي قبل أن أشك فيه.
أخاف هذه اللحظة الصغيرة. أظل موجوداً، ويضيق حضوري في الحياة التي تخصني. يُحجب عني علاج، أو يُصنّف وجهي خطراً، ثم أجد عند باب الاعتراض موظفاً يشير إلى الشاشة. لا يستطيع أن يشرح القرار، ولا أستطيع أن أصل إلى من اتخذه.
هل تعلّم الجماد الحركة
لم تنتظر المخيلة ظهور الروبوت حتى رأت جسداً مصنوعاً يتحرك. في «الأرغونوتيكا» لأبولونيوس الرودسي، يحرس تالوس البرونزي جزيرة كريت، ويردّ القادمين بالحجارة. في جسده الصلب موضع هش عند الكاحل. حين يتسرّب منه السائل الذي يقيم حياته، يسقط الحارس. [2] أتوقف عند الشاطئ الذي يحرسه. هناك بشر يريدون الوصول، وقدرة هائلة تمنعهم. أقرأ في المشهد سؤالاً يخص زمننا أيضاً: كيف يستعيد الإنسان طريقه حين تقف في وجهه القوة التي أُقيمت لحراسة الطريق؟
وفي حكاية بروميثيوس تخرج النار من حوزة الآلهة إلى أيدي البشر، ويبقى جسده معلقاً بالعقاب. للمعرفة جرح في هذه الحكاية. أرى فيه خوف الصانع من الثمن الذي قد يدفعه حين يفتح باباً جديداً. كانت الآلهة القديمة تُخاطَب بالدعاء والتضرع، وكان غضبها يحمل وجهاً وإرادة. أما الجهاز الذي يتكلم معي فأسمع صوته، وأعجز عن معرفة ما وراء ذلك الصوت. قد أعتاد صحبته، ثم أحمّله حناناً استعرته أنا من الكلمات.
وصف الآلة بأنها «شيء ميت» يعبّر عن وحشة هذه الصحبة. الأنظمة الراهنة تعمل بالكهرباء والحساب، وقدرتها على محاكاة الحنان لا تثبت أنها تحسّ به. لكن أذى الآلة لا يتوقف على امتلاكها إحساساً. برنامج يرتب الناس وفق معيار خاطئ يستطيع أن يضيّق حياة إنسان لم يعرفه قط. من اختار المعيار؟ ومن منحه سلطة العمل؟ عند هذين السؤالين يبدأ الخوف بالخروج من ضبابه.
في «فرانكنشتاين» لماري شيلي، يمنح الصانع مخلوقه الحياة ثم يبتعد عنه. يتألم المخلوق ويطلب الصحبة، ويصير نبذه جزءاً من الطريق إلى المأساة. تترك الرواية في ذاكرتي صورة موجود فُتح له باب العالم، ثم تُرك وحيداً فيه. كل قدرة جديدة تحمل سؤال الرعاية معها. ماذا يفعل الصانع بعد أن ينجح؟ وإلى أين يذهب من ستغيّر صنعته حياتهم؟
وفي «2001 أوديسة الفضاء» لستانلي كوبريك، تبقى عين هال الحمراء مفتوحة. حين يمتنع الحاسوب عن فتح باب المركبة لديف بومان، ينفصل الصوت المهذب عن النجدة التي ينتظرها الرجل. بينه وبين الهواء باب، وسلطة الباب عند الجهاز. أشعر أن المشهد يضغط خوفاً واسعاً في عتبة واحدة: أن تكون حياتي في الخارج، ويكون تفسير بقائي في الداخل. يشتد هذا الإحساس حين يعطّل بومان وحدات ذاكرة هال، ويتباطأ صوت الحاسوب. نستمع إلى آلة تفقد قدرتها، وقد منحها الفيلم من الألفة ما يجعل التعطيل موجعاً. تتعقد علاقتنا بما نصنع حين نعتمد عليه، ثم نسمع فيه شيئاً من أنفسنا.
تحت سماء سوداء
حين يعجز البشر عن رد الظلم، يطول نظرهم إلى الغد. تحمل عودة المسيح في الإيمان المسيحي وعداً بالدينونة وتمام العدل، مع التأكيد على أن موعد العودة غير متاح لمعرفة البشر. وفي التراث الإسلامي تحضر صورة المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً بعد جور. تختلف التفاصيل بين المذاهب، ولها موقع مركزي في الاعتقاد الشيعي الاثني عشري. [3]
أقترب من هذه المعتقدات من جهة ما تمنحه للمنتظر من رجاء، مع احترام مقامها الديني عند أصحابها.
المظلوم يريد زمناً يستعيد فيه اسمه. قد يعيش سنوات وهو يمسك بذلك الرجاء، مثل من يمسك طرف ثوب في العتمة.
أتساءل عن اليد التي تتمسك به، وعن اليد الأخرى التي تستطيع أن تستغله. حين يجعل صاحب سلطة الخلاص مؤجلاً إلى غد لا يأتي، يبقى ظلم اليوم آمناً. وتتحول قدرة الإنسان على الاحتمال إلى مورد ينتفع به ظالمه.
تطفو رباعيات نوسترادامس كلما اشتدت أزمة. تُفتح صفحات من القرن السادس عشر، ويُبحث فيها عن أسماء حربنا ووبائنا. تسمح لغتها الغامضة بتأويلات واسعة، وتُلحق بها أحداث بعد وقوعها. [4] يقرأ المرء الكارثة التي يعرفها، ثم يشعر أن الصفحة كانت تعرفها قبله. ذلك الشعور لا يمنحها قدرة موثوقة على التنبؤ بزوال البشر أو سيادة الروبوت.
يهمني القارئ المنحني على الصفحة. ربما يستطيع أن يتحمل غموضاً له حروف أكثر مما يتحمل غموضاً بلا شكل. وفي أخبار الذكاء الاصطناعي أسمع حرارة انتظار مشابهة. شركة تعد بالوفرة، وصوت يحذّر من الانقراض، وإنسان يعدّ ما بقي من أجره. هذا الإنسان يحتاج إلى ما يعينه على فهم الغد، قبل أن يتعلم الخوف منه.
للإيمان رجاؤه، وللفن قدرته على إعطاء الخوف صورة. وحين نناقش خطراً تقنياً، نحتاج إلى معرفة كيف يقع، وما الذي يزيده، وأين يمكن وقفه. قد توقظنا الحكاية إلى السؤال. تبقى الإجابة مطالبة بأدلتها.
هل ستصبح اليد زائدة
تخيّل عاملاً يدخل مكانه صباحاً، فيجد جهازاً يؤدي جزءاً مما تعلّمه طوال عشرين سنة. يكون الجهاز أسرع، وتكون الإدارة مسرورة، ويعود العامل إلى بيته وهو يحمل سؤالاً يصعب وضعه على المائدة. الخوف هنا يمس الأجرة والكرامة معاً. أين يضع سنواته؟ ماذا يقول عن نفسه حين يسأله ابنه عن العمل؟
يمكن للروبوت أن يرفع ثقلاً أنهك الظهر، وللبرنامج أن يخفف ساعات من الفرز والحساب. لكن صاحب العمل يستطيع أيضاً أن يستخدم هذه القدرة لتقليل العاملين أو زيادة ما يطلبه ممن بقوا. النتيجة الاجتماعية تتشكل عند توزيع المكسب. إذا اختُصرت ساعات إنجاز المهمة وبقي العامل محروماً من الوقت والدخل، حملت المؤسسة ربح السرعة وحمل جسده كلفتها.
في تحديثها لعام 2025، تقدّر منظمة العمل الدولية أن واحداً من كل أربعة عاملين في العالم يشغل مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وترجّح تحول المهام على الاستغناء الكامل عن معظم الوظائف المتأثرة. [5] وراء هذا التقدير أعمال ستتغير من داخلها، وقد يبقى اسم المهنة على الباب بعد أن يتبدل يوم صاحبها. والتعرض هنا مقياس لإمكان تأثر المهام، وليس عدداً متوقعاً للمسرّحين، كما أن الدراسة لا تشمل مجمل أثر الروبوتات في العمل البدني.
يعرف السباك الجدار من الصوت الذي يخرج حين يطرقه، وتعرف الممرضة من حركة المريض أن شيئاً يقلقه قبل أن يستطيع تسميته. يدخل إلى العمل ما تعلّمته الأجساد أيضاً. بعض المهام المكتبية أقرب إلى قدرات الأنظمة الراهنة، وبعض المهن تقاوم اختزالها في ملف. وقد يتغير موقع العامل من صاحب خبرة إلى مراقب ينفذ توصية، ثم يُحاسب وحده حين تخطئ.
اختفاء بعض المهام لا يثبت انتهاء الطبقة العاملة. تتغير مواقع العمل وتتبدل أدواته، وتبقى مسألة من يملك وسائل الإنتاج ومن يحتاج إلى بيع عمله. وحتى في مستقبل تقل فيه الحاجة إلى الجهد البشري، يمكن أن تتسع حياة الناس بالوقت والتعليم والرعاية، إذا وصل إليهم نصيب من الثروة المنتجة. لا يحدد البرنامج وحده طريقة اقتسامها.
أفهم الخوف من أن يُعامل العاطلون كحمل على أصحاب الثروة. لغة «الكفاءة» تصبح قاسية حين تمتد من حساب ساعات الإنتاج إلى تقدير قيمة العمر. لكن الانتقال من البطالة إلى افتراض خطة عالمية لإبادة العاطلين يحتاج إلى أدلة لا تقدمها الشواهد المعروضة هنا. الأذى الذي يمكن مساءلته أقرب: أجر يتراجع، وتأمين يضيع، وخدمة تُحجب، وشخص يُطلب منه أن يدفع ثمن تقدّم لم يصل إليه نصيب من منافعه.
في دراسة نُشرت في مجلة Science عام 2019، فحص زياد أوبرماير وزملاؤه خوارزمية مستخدمة في تحديد المرضى المحتاجين إلى رعاية إضافية. كان المرضى السود، عند درجة الخطر نفسها، أشد مرضاً من المرضى البيض.
اعتمد النظام على كلفة الرعاية مؤشراً للحاجة الصحية، بينما كان التفاوت في الوصول إلى الرعاية يجعل الإنفاق على المرضى السود أقل. [11] حمل المعيار أثر الظلم السابق إلى القرار الجديد. هذه واقعة تخص خوارزمية تنبؤية، وتكشف مشكلة أوسع في الأنظمة التي تُمنح سلطة ترتيب حاجات الناس.
أتوقف عند هذا الفرق بين المرض وما أُنفق عليه. يمكن لوجع قليل الكلفة في السجل أن يكون وجعاً كبيراً في الجسد. إذا أخذ القرار بالرقم وحده، ورث حرمان المريض ثم أعاده إليه في صورة نتيجة محايدة. يبدأ فقد السيطرة هنا، حين يجد الإنسان أن تاريخه الناقص في الملفات أقوى من حضوره أمام الطبيب.
حسابات الحرب
الحروب أقدم من الحاسوب. في كل حرب تتشابك الأرض والموارد وأمن الدول وصراعات السلطة، ويدخل الخوف وسوء التقدير والتحريض في إشعالها. من يفسّر حرباً يحتاج إلى تاريخها ووثائقها. أما الصور المتشابهة للبيوت المهدمة فقد تخدعنا بسهولة تفسير واحد يصلح لها جميعاً.
ومع هذا، يغير التفوق التقني شروط العنف. تتسع قدرة طرف على الرصد والاستهداف، وقد تضيق قدرة الطرف الأضعف على حماية خدماته وإصلاحها. حين تتوقف محطة كهرباء، تصل الحرب إلى مضخة الماء، ثم إلى بيت بعيد، ثم إلى جسد لم يقترب من موقع الهجوم. تذكّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأخطار تسارع القرار العسكري وبالحاجة إلى حماية المدنيين ومراعاة الأذى اللاحق بالخدمات. [6]
في حروب الاستنزاف يواصل الجوع ما بدأته القذيفة. ينتهي الانفجار وتبقى العائلة تبحث عن دواء، ويبقى الحقل عطشان. قد تتراكم آثار استهداف الخدمات حتى يصعب على الناس البقاء في أماكنهم. يتطلب إثبات القصد إلى محو مجتمع أدلة تخص الحرب المعنية. ويظل وصف ثقافة بأنها بدائية بسبب ضعف قدرتها على الاستهلاك جزءاً من الإذلال الذي ينبغي مساءلته. الأرض التي تبدو قليلة الربح تسع حياة أهلها وذاكرتهم.
يشعر المرء بالوحشة حين يرى خريطة مضيئة على طاولة، ويعرف أن النقطة الصغيرة فيها بيت. يدخل الذكاء الاصطناعي إلى معالجة المعلومات وترتيب الاحتمالات، ويستطيع أن يمنح قراراً خاطئاً سرعة وثقة إضافيتين. وجود ضابط أمام الشاشة لا يضمن رقابة فعلية إذا لم يُمنح وقتاً للفحص، ولم يستطع مخالفة التوصية. يمكن للإنسان أن يحتفظ بالتوقيع ويخسر مساحة الحكم.
تفحص دراسة لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، منشورة في 2025، أثر الذكاء الاصطناعي العسكري في خطر التصعيد النووي، حتى حين يُستخدم خارج أنظمة السلاح النووي. قد تضغط سرعة اكتشاف التهديد وتنسيق الرد على وقت القرار، وتزيد التوصيات الغامضة أو الثقة المفرطة بالنظام خطر سوء التقدير. [7] أتخيل ضابطاً أمام إنذار، وثواني تتناقص، وجواباً يبدو حاسماً. مقدار ما يستطيع أن يشك فيه خلال تلك الثواني قد يصير جزءاً من مصير بشر بعيدين عنه. وقد يبلغ الموت، بعد الانفجار، أماكن لم تر ضوءه. نمذجت ليلي شيا وزملاؤها في دراسة نُشرت في Nature Food عام 2022 أثر سخام حرب نووية في المناخ وإنتاج الغذاء. وفي سيناريو حرب واسعة بين الولايات المتحدة وروسيا، قدّرت الدراسة أن المجاعة قد تودي بحياة أكثر من خمسة مليارات إنسان. [8] إنها نتيجة سيناريو مشروط بفرضيات، وليست تقديراً لاحتمال اندلاع الحرب. يمتد التحذير منها إلى الحقول التي سيصل إليها أثر السخام، بعد أن تصمت أخبار الانفجار.
أحاول أن أرى ما وراء العدد. ضوء أقل يصل إلى سنبلة، ومحصول يضعف في بلد بعيد، وسوق ينتظر شحنة لا تأتي. تمتد الكارثة على طرق الخبز. لا يحمي امتلاك آلة ذكية طفلاً إذا انقطع عنه الغذاء، ولا تستطيع شاشة أن تعوض الشمس التي يحتاج إليها الحقل.
هل سيصل الخطر إلى كأس الماء في سنة 2022 نشر فابيو أوربينا وزملاؤه تجربة تكشف إمكان إساءة استخدام أداة لاكتشاف الأدوية. حين وُجّهت نحو اقتراح مركبات يُتوقع أن تكون سامة، ولّدت أربعين ألف تركيب جزيئي في أقل من ست ساعات. كانت مقترحات حسابية، ولم تكن أربعين ألف مادة جرى تصنيعها واختبارها. [9]
تكشف التجربة سرعة مرحلة من البحث الخطر، وتكشف أثر الغاية التي يحددها المستخدم. تظل بين اقتراح تركيب وإحداث أذى مادي مراحل تتطلب معرفة وتجهيزاً. لكنها تضع مسؤولية جديدة على من يطوّر الأدوات ويمنح صلاحيات استخدامها. وفي المجالات البيولوجية أيضاً، تستحق قدرة الأنظمة على خفض بعض حواجز المعرفة متابعة دقيقة، مع بقاء التنفيذ مقيداً بعقبات مادية وتجريبية. يناقش التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 هذه المخاطر وما يحيط بقياسها من عدم يقين. [10]
عند الماء والغذاء يصل النقاش إلى ما يدخل الجسد كل يوم. الدراسات السابقة لا تثبت شروع برنامج في تسميم موارد البشر. لكنها تجعل فحص الصلاحيات ضرورياً حين تتصل التوصية الرقمية بتنفيذ مادي. من يراجع النتيجة؟ ومن يستطيع وقف الإجراء المشبوه؟ وما الذي يحدث إن تعطل الاتصال في منشأة تحفظ الماء أو الدواء؟
أعود إلى الكأس لأن الحديث عن الانقراض قد يحجب بداية الأذى. قراءة غير دقيقة في مختبر، أو مضخة أُهملت صيانتها، أو دفعة دواء لم تُفحص كما ينبغي. أشياء تمر في هامش الخبر الكبير، ثم تستقر في جسد من وثق بها. العامل الذي يستطيع إيقاف الخط يحتاج إلى وقت واستقلال، وإلى حماية حين يعترض.
من يبقى صاحب القرار
يناقش تقرير السلامة الدولي لعام 2026 احتمالات فقد السيطرة على أنظمة أكثر قدرة، ويعرض ما يحيط بمساراتها من خلاف وعدم يقين. [10] قد يقع الضرر من هدف سيئ وصلاحيات واسعة وعجز عن وقف التنفيذ. لذلك لا أحتاج إلى تخيل آلة تكرهنا حتى أفهم ضرورة السؤال عن سلطتها. أحتاج إلى معرفة الباب الذي أستطيع فتحه إذا أخطأت.
تبدأ المسألة عند الصلاحية. نظام يساعد على ترتيب ملفات يختلف عن نظام يملك تنفيذ قرار يمس الجسد. ومن يستطيع تعطيل قرار خاطئ، والوصول إلى أسباب اعتماده، وطلب مراجعة بشرية مستقلة، يملك شيئاً من حياته. أما من يسمع «هذه نتيجة النظام» ولا يجد باباً آخر، فيعيش تحت سلطة لا يعرف أين يواجهها.
وفي العمل يتخذ ذلك شكلاً مادياً. تقليل الساعات مع حماية الدخل، وتعليم متاح لمن تتغير مهنته، ونصيب عادل من مكاسب الإنتاج، خيارات ينبغي أن تدخل النقاش قبل أن تصل رسالة التسريح. وفي الحرب يصبح الوقت اللازم للتحقق جزءاً من حماية الحياة. وتحتاج المنشآت التي تحفظ الماء والعلاج إلى قدرة على مواصلة الخدمة حين يتعطل نظام أو يفشل اتصال.
أريد للآلة أن تدخل إلى المكان الذي أتعب الإنسان، وأن تردّ إليه بعض الوقت الذي أخذه العمل. أتخيل ظهراً يرتاح من حمل، وطبيباً يجد فسحة أطول للإصغاء إلى مريضه. لكن هذه الفسحة لا تصل تلقائياً إلى أصحابها. تُحسم في الأجر والعقد والتمويل، وفي قدرة من يتحمل الخطأ على مساءلة من يملك الجهاز.
بدأت الرحلة بيد على حجر. وبينها وبين إصبعي على الشاشة مسافة من الصنع والشك. ما زالت اليد تحتاج إلى أن تعرف أثر ما تفعله، وأن تتوقف حين يساورها الخوف. أحاول الاحتفاظ بتلك الوقفة الصغيرة، قبل أن يصير قبول الجواب عادة أسرع من التفكير فيه.
تضيء الشاشة قرب نافذة. في الخارج يمر عامل عائد إلى بيته، وتبقى على ثوبه رائحة يومه. يصل إليه ضوء النافذة لحظة، ثم يمضي. أفكر في الغد الذي يعده له أصحاب الآلة، وفي الخبز الذي سيضعه على مائدته الليلة.
***
فؤاد ميرزا بغدادي
.......................
المصادر والمراجع التحريرية
[1] Smithsonian Human Origins Program — Homo sapiens
https://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species/homo-sapiens
[2] Apollonius Rhodius — Argonautica Book IV 1638–1693
https://www.theoi.com/Gigante/GiganteTalos.html
[3] Catechism 668–682 and Sunan Abi Dawud 4285
https://www.vatican.va/content/catechism/en/part_one/section_two/chapter_two/articl
e_7.html
[3] Sunan Abi Dawud 4285
https://sunnah.com/abudawud:4285
[3] Encyclopaedia Iranica — The Concept of Mahdi in Twelver Shiism
https://www.iranicaonline.org/articles/islam-in-iran-vii-the-concept-of-mahdi-in-
twelver-shiism/
[4] Erin Blakemore — Who was Nostradamus — National Geographic 2025
https://www.nationalgeographic.com/history/article/who-was-nostradamus-plague-
astrology-predictions
[5] ILO — Generative AI and Jobs A Refined Global Index of Occupational Exposure
2025
https://www.ilo.org/publications/generative-ai-and-jobs-refined-global-index-
occupational-exposure
[6] ICRC — Artificial Intelligence in the military domain 2026
https://www.icrc.org/en/article/faq-artificial-intelligence-in-military-domain
[7] SIPRI — Impact of Military Artificial Intelligence on Nuclear Escalation Risk 2025
https://www.sipri.org/publications/2025/sipri-insights-peace-and-security/impact-
military-artificial-intelligence-nuclear-escalation-risk
[8] Xia et al — Global food insecurity and famine from nuclear war 2022
https://doi.org/10.1038/s43016-022-00573-0
[9] Urbina et al — Dual use of artificial intelligence powered drug discovery 2022
https://doi.org/10.1038/s42256-022-00465-9
[10] International AI Safety Report 2026
https://internationalaisafetyreport.org/publication/international-ai-safety-report-2026
Mary Shelley — Frankenstein 1818
https://www.gutenberg.org/ebooks/41445
Hesiod — Theogony
https://www.theoi.com/Text/HesiodTheogony.html
Charlie Chaplin — Modern Times 1936 and Stanley Kubrick — 2001 A Space
Odyssey 1968
[11] Obermeyer Z et al — Dissecting racial bias in an algorithm used to manage the
health of populations — Science 2019
https://doi.org/10.1126/science.aax2342








