عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الهادي المظفر: النزعة الإنسانية للدين.. منهجية الرفاعي ومركزية الإنسان

دراسة مقارنة مع الاتجاهات الحداثية وموقفها من التراث الإسلامي

يقول الرفاعي في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه الدين والنزعة الإنسانية: " أن المجتمعات الغربية التي عملت منذ فترة طويلة على نفي الدين وتعبيراته من عالمها، لم تستطع اجتثاث رموزه المكتظة بها القلائد والحلي والألبسة والتماثيل واللوحات الفنية"

أصبح تجديد الخطاب الديني من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي المعاصر، نتيجة التحولات المعرفية والاجتماعية والسياسية التي أظهرت الحاجة إلى مراجعة طرائق فهم الدين، والتمييز بين النص الديني والقراءات البشرية التي تشكلت حوله، وقد اتخذت محاولات التجديد اتجاهات مختلفة؛ فمنها ما ركّز على البعد الإنساني والأخلاقي للدين، ومنها ما اهتم بتحليل النص القرآني وآليات تفسيره، ومنها ما اتجه إلى نقد البنى المعرفية للتراث وإعادة النظر في التصورات المتعلقة بالوحي.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ولا سيما في كتابه الدين والنزعة الإنسانية، الذي يضم موضوعات تتصل بحاجة الإنسان إلى الدين، وعلاقة الدين بمعنى الوجود، ونقد اختزاله في الأيديولوجيا، وتجديد الفكر الديني.(١)

وتتمثل أهمية هذا المقال في دراسة منهج الرفاعي ومقارنته بمشروع نصر حامد أبو زيد في قراءة النص الديني ونقد الخطاب الديني، مع الإشارة إلى اتجاهات معاصرة أخرى شغلت الساحة البحثية في موضوعات الحداثة و تجديد الخطاب الديني.

إشكالية البحث

في هذا المقال نسعى للإجابة عن السؤال الآتي: ما أبرز ملامح منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني، وما أوجه الاتفاق والاختلاف بينه وبين بعض الاتجاهات الحداثية في التعامل مع النص والتراث الإسلامي؟

وسنعتمد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص، والمنهج المقارن في بيان نقاط الالتقاء والاختلاف، مع التمييز بين ما يصرّح به المؤلفون في كتبهم وبين ما نستنتجه من أفكارهم إجمالا.

منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني

أولًا: النزعة الإنسانية في الدين

يمنح الرفاعي البعد الإنساني مكانة أساسية في مشروعه، وينطلق من ضرورة استعادة القيم التي تربط التدين بكرامة الإنسان والمودة والتراحم والتعاطف. ويؤكد في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه أن الدين ظل من منابع المحبة والشفقة واحترام الكائن البشري، وأن إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين يرتبط بنقد أشكال التعصب والكراهية التي تُمارس باسم الدين.(٢)

ويُفهم من هذا التصور أن تجديد الخطاب الديني لا ينبغي أن يقتصر على معالجة المصطلحات أو إعادة ترتيب المسائل النظرية، بل يحتاج إلى مراجعة أثر الفهم الديني في سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين. فالمعيار الإنساني والأخلاقي يصبح عنصرًا مهمًا في تقويم الخطاب الديني، ولا سيما حين يؤدي الخطاب إلى الإقصاء أو إضعاف العيش المشترك.

ولا يعني ذلك أن الرفاعي يدعو إلى إلغاء البعد الاعتقادي للدين، بل يركز على إبراز الوظيفة الإنسانية والأخلاقية للتدين، وعلى ضرورة عدم السماح للتوظيفات المتعصبة بأن تحجب هذه الوظيفة

ثانيًا: نقد اختزال الدين في الأيديولوجيا

يعالج الرفاعي قضية "اختزال الدين في الأيديولوجيا"(٣) الفرق بين الدين بوصفه تجربة إيمانية وأخلاقية، وبين توظيفه ضمن أنظمة فكرية مغلقة تسعى إلى تفسير المجتمع والتاريخ وفق نتائج محددة مسبقًا، فالدين عند الرفاعي "حياة في أفق المعنى، تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية" فهو لا يرى الدين بمعزل عن التجربة الوجودية للإنسان وهو ليس خطابا جامدا أو نصوصا معزولة عن سياقها، وهو تعريف شاعري لتجاوز قلق الإنسان الوجودي بالعودة إلى الحياة الروحية التي أخذت المادية منه مأخذها.

ويظهر في مناقشته للأيديولوجيا، عند تحليله تجربة علي شريعتي، أن هيمنة الأيديولوجيا قد تؤثر في وعي الباحث وتوجه تفسيره، وتدفعه إلى تسخير المعرفة والتاريخ لخدمة مواقف جاهزة.(٤) ويكشف هذا التحليل عن إشكالية أوسع، هي احتمال تحوّل الخطاب الديني من مجال للتفكير والنقد إلى وسيلة لتثبيت اليقينيات وإقصاء الرأي المخالف.

وتبرز أهمية هذا النقد في التمييز بين الدين نفسه وبين الاستخدامات البشرية والسياسية له؛ فوجود توظيف أيديولوجي للدين لا يعني أن كل أشكال التدين أيديولوجية، كما أن نقد الأيديولوجيا لا يكفي وحده للحكم على صحة المعتقدات الدينية أو بطلانها.

ثالثًا: تجديد التفكير الديني وقراءة التراث

يرى الرفاعي أن تجديد الفكر الديني يقتضي مراجعة الموروث ونقده وتقويمه،وعلى أهمية النقد في تجديد الفكر الديني، وضرورة مراجعة الموروث وغربلته واستبعاد العناصر والمفاهيم التي تعوق التحديث والبناء.(٥)

وتقوم هذه الرؤية على التمييز بين الدين بوصفه مرجعية إيمانية، وبين الفهم البشري الذي يتشكل في سياقات تاريخية ومعرفية محددة. فالموروث الديني يتضمن اجتهادات وتفسيرات بشرية قابلة للدراسة والمراجعة، ولا يلزم من نقدها رفض التراث كله أو القطيعة معه.

ومن هنا يمكن وصف منهج الرفاعي بأنه يتجه إلى تجديد التفكير الديني من الداخل، من خلال إعادة فحص المفاهيم والمقولات التي تؤثر في فهم الدين ووظيفته الإنسانية. غير أن تحديد ضوابط هذه المراجعة يظل سؤالًا أساسيًا؛ إذ ينبغي التمييز بين نقد تفسير تاريخي وبين إعادة تعريف أصل ديني وهنا تكمن أهمية دراسة منهجية الرفاعي التي تعتمد غربلة التراث ومراجعته مراجعة نقدية فاحصة ليتلاءم مع المدوّنات العصرية للإنسان؛ لا أقل أن تكون القراءة الواعية النقدية هي الطريق لفهم التراث بروح العصر لا القطيعة معه.

نصر حامد أبو زيد وقراءة النص الديني

أولًا: النص والثقافة

يعالج نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن العلاقة بين النص والثقافة، ويجعل موضوع «النص في الثقافة: التشكل والتشكيل» مدخلًا لبناء دراسته. يناقش مفهوم الوحي والمتلقي الأول للنص، والمكي والمدني، وأسباب النزول.(٦)

ولا ريب أن أبو زيد كان مهتما بالسياق الذي يتلقى فيه النص، وبالعلاقة بين النص ومتلقيه وعمليات تفسيره وتأويله. ولا يقتصر مشروعه على البحث في القارئ أو المفسر، بل يتناول أيضًا مكونات النص وآلياته، ويحاول دراسة العلاقة بين النص والتأويل من دون إغفال أحد الطرفين.(٧)

ومن الناحية المنهجية، يساعد هذا الاتجاه على إدراك أهمية السياق واللغة وتاريخ التلقي في دراسة النصوص. لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول الحدود الفاصلة بين استخدام السياق لتوضيح المعنى وبين بناء نتائج فلسفية تتجاوز مجرد التحليل اللغوي أو التاريخي، فالمنهج السياقي وحده قد يكون عائقا عندما يتعلق الأمر بالاستئنافات القرآنية وحتى الحديثية عند المتقدّمين وهو ما تحدثنا عنه في صياغة لغة جديدة للخطاب، لغة مختلفة، لغة يفهمها الجيل الجديد، لا إغلاق فيها ولا طلاسم، لا خلط فيها ولا إدراج، وهي بلا شك لا تستقيم دائما مع السياق، يركز أبو زيد على البنية النصية دون البعد الجمالي، الرفاعي ينظر الى الدين كقوة جمالية يمكن أن تواكب الحداثة من زاوية جمالية روحية إذا ما تم التركيز على جانبه الروحي والجمالي والأخلاقي.

ثانيًا: نقد الخطاب الديني

في كتابه نقد الخطاب الديني، ينتقل أبو زيد من تحليل النص إلى دراسة آليات الخطاب الديني المعاصر ومنطلقاته الفكرية.(٨) وأن نقد الخطاب الديني لا يقتصر على مناقشة النتائج التي يصل إليها أصحاب الخطاب، بل يتناول كذلك الآليات والمقدمات التي تنتج تلك النتائج. وهو يناقش تعدد الاتجاهات التي تعاملت مع ظاهرة المد الديني، ويحذر من الخلط بين تفسير الظاهرة وتبريرها.(٩)

وهو بلا شك يحتمل النظر في أن الظواهر التي لا يمكن تفسيرها لا يمكن تبريرها بالضرورة ولا يمكن سحب النص الى الاعتقادات للتبرير، ويختلف هذا التركيز عن مشروع الرفاعي من حيث الأولوية المنهجية؛ فالرفاعي يضع النزعة الإنسانية وأثر التدين في الإنسان والمجتمع في مركز مشروعه، بينما يمنح أبو زيد مساحة واسعة لتحليل النص وآليات الخطاب والتأويل. ومع ذلك، يلتقي المشروعان في الدعوة إلى عدم الاكتفاء بتكرار الموروث من دون فحص مقدماته وطرائق إنتاج المعنى، ولا يصح عدّ المشروعين متطابقين لمجرد اشتراكهما في نقد بعض أنماط التفكير الديني. فالرفاعي ينطلق من سؤال يتعلق بإنسانية الدين ووظيفته الأخلاقية، في حين يتناول أبو زيد قضايا النص والتأويل وآليات الخطاب. وبناءً على ذلك، ينبغي أن تميز المقارنة بين موضوع كل مشروع وأدواته والنتائج التي يصل إليها، كما ينبغي التمييز بين دراسة السياق التاريخي للنص وبين اتخاذ موقف محدد من مصدره أو طبيعته. فالأولى مسألة منهجية يمكن بحثها في الدراسات القرآنية، أما الثانية فتحتاج إلى حجج كلامية وفلسفية مستقلة، ولا تنتج تلقائيًا من مجرد تحليل السياق.

محمد أركون ونقد العقل الإسلامي

يمثل مشروع محمد أركون اتجاهًا يهتم بنقد البنى المعرفية التي تشكل الفكر الإسلامي، وبإعادة دراسة التراث ضمن شروطه التاريخية والمعرفية. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه لا يكتفي بتكرار الآراء التراثية أو عرضها، بل يسعى إلى مساءلة المقدمات التي حكمت إنتاج المعرفة الدينية وحددت ما يدخل في مجال التفكير المقبول وما يُستبعد منه.

وعند المقارنة بين أركون والرفاعي، يظهر اختلاف في مركز الاهتمام؛ إذ يركز الأول على نقد العقل الإسلامي وآليات تشكله، بينما ينطلق الثاني من ضرورة استعادة النزعة الإنسانية في الدين وتجديد التفكير الديني. ومع ذلك، يلتقي الاتجاهان في أهمية مراجعة المسلمات الفكرية وعدم التعامل مع الموروث بوصفه كتلة واحدة مغلقة، لكنهما يختلفان في المركزية الفكرية، الرفاعي لا ينظر لقيمة الدين والرسل و التراث إلا من خلال الإنسان، والكُبرى عند الديانات هو الخطاب الأخلاقي الموجه لهذا الإنسان، ولذلك فالمركزيات الفكرية الحداثية غير ناظرة لهذه المركزية بوصفها كبرى قضايا التجديد، فالإنسان هو محور الرسالات وهو المعني الأول بفهم النص، هو الركيزة في الإحياء والنماء وهو المنطلق للمجتمع السعيد، فكيف يكون صغرى تجاه الخطاب ومسائل تجديده!.

ويمكن تحديد أبرز نقاط القوة في مشروع الرفاعي في ثلاثة أمور:

إبراز البعد الإنساني والأخلاقي للدين:

إذ يجعل كرامة الإنسان والتراحم ونقد التعصب قضايا أساسية في تقويم الخطاب الديني.(١٠)

نقد التوظيف الأيديولوجي للدين:

إذ يلفت النظر إلى أثر المواقف المسبقة في توجيه التفكير والتفسير، وإلى خطر تحويل المعرفة إلى وسيلة لتبرير نتائج جاهزة.(١١)

الدعوة إلى مراجعة الموروث:

وهنا يؤكد أهمية النقد والتقويم في تجديد الفكر الديني، بدل الاكتفاء بتكرار المقولات الموروثة من دون فحص.(١٢)

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن تجديد الخطاب الديني في الفكر الإسلامي المعاصر يتخذ مسارات متعددة، تختلف بحسب موضوع الدراسة والمنهج المعتمد والنتائج المراد الوصول إليها، حيث يبرز مشروع الرفاعي محورية الرفاعي في خطابه الموجه للإنسان، المركزية العامة للرسالات في الخطاب الديني الأخلاقي، الرفاعي يرى أن الحاجة إلى الدين حاجة فطرية لصيانة الطمأنينة والسلام في الروح وهذه الطمأنينة لا يمكن توجيهها بقبليات غير قابلة للنقد والفحص، فأدران المسلّمات غير القابلة للنقاش تشبه إلى حد ما أدران نسف التراث وغياب التراث الروحي للإنسان كإغراق متعمّد في القطيعة.

"مركزية الإنسان في الأرض ومركزية الله في الوجود"

يقول الرفاعي: أن الاستخلاف في الآية الكريمة " إني جاعل في الأرض خليفة" (١٣)يعني استثمار المستثمِر للخلافة ما في الأرض وتسخيرها بتفويض كامل من الله عز وجل، هكذا يرى الرفاعي بعد أن أهمل بعض المفسرين مركزية الإنسان في الأرض، الأرض التي تعتبر جزءا من هذا الوجود الذي مركزيته الله عز وجل، كما أهمل المفكّر حسن حنفي في تفسيره مركزية الله - على حد قوله - فالاهتمام بمركزية الإنسان لا تعني إلغاء مركزية الله عز وجل(١٤)، هاتان المركزيتان لا انفكاك لهما فعندما يموت صوت الله داخل الإنسان يموت الإنسان، فماﻻ لم يتحسس صوت الله في داخله فلن يتخلص من اغترابه الوجودي.(١٥)

هذه المركزية في الأرض هي في حاجة دائمة للمركزية الأعلى، ويخبرنا القرآن الكريم عن طبيعة الإنسان الملأى بالهشاشة والضعف في قوله تعالى: " : إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(١٦) وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا،(١٧) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ،(١٨)  فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ،(١٩) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ،(٢٠)  قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ،(٢١)  بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ"،(٢٢)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا،(٢٣)  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا،(٢٤)  خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ،(٢٥)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا،(٢٦) وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا،(٢٧) أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ،(٢٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا،(٢٩)  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ،(٣٠)  كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى،(٣١)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ،(٣٣)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، (٣٣) وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا،(٣٤ )اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً،( ٣٥) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ،(٣٦) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ،(٣٧) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا،(٣٨)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا،(٣٩)  لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ،(٤٠ ) نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ، (٤١) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي(٤٢)

إن القرآن الكريم ليس في مقام توبيخ وازدراء الإنسان، بل في مقام تبيان طبيعته الهشّة المحتاجة إلى ما يخلصها من قصورها وهشاشتها، إلى من يخلصها من قلقها الوجودي و اغترابها، بالإيمان، بصوت الله.

للإنسان في القرآن الكريم بعدين: الإنسان ببعده الأنطولوجي الوجودي وهذا البعد هو ما يكون موضوعا للقيم والأخلاق الكونية ,والإنسان بوصفه هوية متحوّلة وهذا الإنسان هو ما يكون موضوعا للأحكام الظرفية المتغيّرة، فكثير من الكتابات تخلط بين هذين البعدين، فقلّما نجد تفسيرا يميز تمييزا دقيقا بين الإنسان الذي يعيش ظرف الرسالة والإنسان الآخر الذي لم يعش ظرفها، بل يعيش في زمان ومكان مختلفين، هناك من يتعاطى مع الإنسان ككائن لا يتغيّر وهناك من يرى أن الشيء الوحيد الثابت هو المتغيّر، وأن الحقيقة والأخلاق والقيم نسبية، فيختزل الإنسان في كلا النظريتين ببعد واحد، فأما ثابت لا يتغيّر بمختلف الظروف فهو فهم متحجّر للإنسان، أو متغيّر على الدوام وتنتهي إلى نسبية كليّة.(٤٣) ومن صور هذه المركزية في الأرض في القرآن الكريم:

١- يتفرَّدُ الإنسانُ في خلقِه فِي أَحْسَنِ صورةٍ يُمكِن أن يُخلَق فيها مخلوق، كما تقول الآية: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. التين، ٤.

٢- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي نفخ اللهُ فيه من روحه عند خلقه، فصارت هذه الروحُ مكوِّنًا أساسيًّا لكينونته الوجودية، مما تسامى بمقامه إلى مرتبة لن يبلغها مخلوقٌ سواه في مكانته، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٣- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي استحق أن تسجد له الملائكة، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق، كما جاء في الآية: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. (الإسراء، ٧٠).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تسخير الله له كلَّ ما في السَّمواتِ والأرض، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. (لقمان، ٢٠).

٥- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. (البقرة، ٣٠).

٦- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليمه البيان، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. (الرحمن، ٤).

٧- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية حمل الأمانة الإلهية، وهذا الضربُ من التكريمِ الوجوديِّ هو الذي استحق الإنسانُ بسببه أن تُناط به مسئوليةٌ عظمى. حملُ الأمانة الإلهية مهمةٌ جسيمة لا يقوى عليها إلَّا الإنسان، كما تقول الآية: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. (الأحزاب، ٧٢).

٨- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية الخلافة الأرضية نيابةً عن الله، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. (البقرة، ٣٠).(٤٤)

***

عبد الهادي المظفر

دراسات عليا - كلية الفقه - جامعة الكوفة

.....................

* القرآن الكريم مصدرا:

الهوامش

١. عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، مؤسسة هنداوي، 2025،، الصفحات ٤٣- ٦٧ -٩٧ و٢١٧.

٢. عبد الجبار الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١١و١٢.

٣. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٩٧ وما بعدها.

٤. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١٠٢–١٠٤.

٥. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٨-٩.

٦. نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣ ص ٣٥.

٧. أبو زيد، مفهوم النص، المصدر نفسه، ص ٦-٧.

٨. نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٤، ص ١٥و١٨و١٤١

٩. أبو زيد، نقد الخطاب الديني، المصدر نفسه، ص ٩-١٠

١٠. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١١و١٢

١١. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١٠٢و١٠٤.

١٢. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ٨و٩

١٣. البقرة، الآية٣٠

١٤. الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مقطع صوتي من محاضرة له في ألمانيا بعنوان" مركزية الله في الأرض امتداد لمركزية الله في الوجود"

١٥.اريك فروم، حب الحياة، نصوص مختارة، ترجمة حميد لشهب،ص ٩٨

١٦. إبراهيم، ٣٤.

١٧ الإسراء، ٦٧.

١٨ الحج، ٦٦.

١٩ الشورى، ٤٨.

٢٠ الزخرف، ١٥.

٢١ عبس، ١٧.

٢٢ القيامة، ٥.

٢٣ الإسراء، ١٠٠.

٢٤ المعارج، ٢١.

٢٥ الأنبياء، ٣٧.

٢٦ الإسراء، ١١.

٢٧ الأحزاب، ٧٢.

٢٨ يس، ٧٧.

٢٩ المعارج، ١٩.

٣٠ البلد، ٤.

٣١ العلق، ٦.

٣٢ العاديات، ٦.

٣٣ العصر، ٢.

٣٤ النساء، ٢٨.

٣٥ الروم، ٥٤.

٣٦ هود، ٩.

٣٧ النحل، ٤.

٣٨ الإسراء، ٨٣.

٣٩ الكهف، ٥٤.

٤٠ فصلت، ٤٩.

٤١ التوبة، ٦٧.

٤٢ يوسف، ٥٣.

٤٣. ينظر: الدين والكرامة الإنسانية، عبد الجبار الرفاعي.

٤٤. المصدر نفسه.

 

في المثقف اليوم