عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: ماذا لو؟ تأمل الحال والمآل والكشف عن الممكنات

وأنا أقرأ في مدرسة التاريخ الجديدة، وما أحدثته من تحولات في فهم الماضي وطرائق الكتابة التاريخية، استوقفني سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالاته، ومقلقًا في نتائجه: ماذا لو؟ سؤال يفتح أبواب التاريخ المغلقة، ويعيد إلى الوقائع التي انقضت شيئًا من احتمالاتها المفقودة، ويحرر العقل من الاعتقاد بأن ما حدث كان الطريق الوحيد الذي كان على التاريخ أن يسلكه. إنه سؤال لا يستدعي الماضي رغبةً في تغييره، فالماضي لا يعود، بل يستدعيه كي نفهمه على نحو مختلف، ونكتشف ما أخفته الوقائع من إمكانات، وما استبعدته القرارات من بدائل، وما تركته اختيارات البشر من آثار في مصائر المجتمعات والأمم.

لقد اعتدنا أن نقرأ التاريخ كما لو أنه نهر لا يعرف إلا مجرى واحدًا، وأن الحاضر الذي نعيشه هو النتيجة الطبيعية والضرورية لكل ما سبقه من أحداث. وحين ننظر إلى الماضي من موقع الحاضر، تبدو الوقائع متصلة بعضها ببعض في سلسلة من الأسباب والنتائج، حتى يخيل إلينا أن كل ما وقع كان مقدرًا له أن يقع، وأن كل ما لم يقع لم يكن ممكنًا أصلًا. لكن هذه النظرة، على ما تمنحه من شعور باليقين، تنطوي على مغالطة منهجية؛ إذ إنها تعرف النتيجة، ثم تعود إلى الوراء لتجعل الطريق المؤدي إليها طريقًا وحيدًا، متجاهلةً أن الفاعلين التاريخيين، وهم يعيشون لحظاتهم، لم يكونوا يعرفون ما نعرفه نحن اليوم، وأن أمامهم كانت تقف بدائل متعددة، بعضها ممكن، وبعضها عسير، وبعضها لم يخطر لهم على بال.

من هنا تنبع القيمة النقدية لسؤال «ماذا لو؟». فهو لا يطلب منا أن نختلق تاريخًا من الأوهام، ولا أن نستبدل الوقائع بحكايات متخيلة، وإنما يدعونا إلى إعادة بناء أفق الإمكان الذي كان مفتوحًا أمام البشر قبل أن تحسم الأحداث مسارها. إنه ينقلنا من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا حدث على هذا النحو، لا على نحو آخر؟ وما الشروط التي جعلت احتمالًا بعينه ينتصر، بينما تراجعت احتمالات أخرى أو أُجهضت قبل أن ترى النور؟

وتحضرني هنا عبارة الاستاذ مدني صالح التي تصف الكائن الانساني بوصفه اعتباطيا تبريريا؛ تحركه الرغبات والأهواء والانفعالات والمصالح، بوعي أو من دونه، ثم يستدعي العقل لتبرير سلوكه وإضفاء مسوغات منطقية عليه. فالعقل، في هذا التصور، لا يكون دائمًا مصدر القرار، بل قد يتحول إلى أداة لتسويغه بعد اتخاذه، وإظهاره بمظهر العقلانية أمام الذات والآخرين. ومن هنا، فإن فهم الإنسان لا يكتمل بتحليل أقواله وحججه المعلنة، بل يقتضي النفاذ إلى دوافعه الخفية، والكشف عن المسافة الفاصلة بين ما يفعله فعلًا وما يقدمه من تبريرات لما فعله.

أسهمت مدرسة الحوليات الفرنسية من تأسيسها عام 1929م على يدي مارك بلوخ (Marc Bloch) ولوسيان فيفر (Lucien Febvre).وازدهرت مع فرناند بروديل وجاك لوغوف، في تحرير الكتابة التاريخية من اختزال الماضي في أخبار الحكام والمعارك، وفتحت المجال لفهم البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والذهنيات الجماعية وتعدد الأزمنة التاريخية. ومن هذا التحول يكتسب سؤال «ماذا لو؟» قيمته النقدية؛ إذ لا يكتفي باستعادة ما حدث، بل يبحث في الإمكانات التي كانت متاحة، والخيارات التي أُهملت، والشروط التي جعلت مسارًا تاريخيًا ممكنًا دون غيره. ماذا لو اتُّخذ قرار مختلف، أو تغير عامل حاسم في لحظة مفصلية؟ ليست الغاية اختراع ماضٍ متخيّل، بل اختبار حدود الحتمية وكشف دور الإنسان في صناعة التاريخ. فليس كل ما يمكن تخيله ممكنًا تاريخيًا، ولا كل ما وقع كان ضرورة لا مفر منها. إن النتيجة التي نعرفها اليوم لم تكن قدرًا مكشوفًا لفاعلي الماضي؛ ولذلك فإن فهم التاريخ لا يكتمل بتفسير ما حدث فحسب، بل بمساءلة ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.

ولعل هذا ما يجعل سؤال «ماذا لو؟» أكثر إلحاحًا حين نقترب من تاريخنا العربي واليمني، حيث تتجاور الثورات والتحولات الكبرى مع الإخفاقات والانقسامات والحروب، وحيث كثيرًا ما جرى التعامل مع الأحداث بوصفها نهايات مغلقة، لا تجارب إنسانية قابلة للفهم والمراجعة والنقد. إننا نحتاج إلى هذا السؤال لا لكي نعيش أسرى الندم، ولا لكي نحاكم الماضي بمعايير لم تكن متاحة لأهله، بل لكي نكتشف أين أخطأنا في قراءة الواقع، وأين ضاعت فرص التسوية، وكيف تحولت خلافات سياسية كان يمكن إدارتها إلى صراعات وجودية دفعت المجتمعات أثمانًا باهظة من دمائها وأمنها ومستقبلها.

تكتسب ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر أهميتها الحقيقية حين نتأملها بمنظور عقلاني نقدي جديد، لا يكتفي باستعادة أمجاد الماضي، بل يسائل مساراته وإمكاناته والخيارات التي صنعت نتائجه. فالتاريخ العربي واليمني ليس سلسلة من النهايات الحتمية، بل تجارب إنسانية كان يمكن لبعض منعطفاتها أن تسلك طرقًا مختلفة لو اختارت النخب الحوار بدل الإقصاء، والتوافق بدل المغالبة، وبناء المؤسسات بدل إخضاعها للأشخاص والجماعات. ماذا لو تحولت الثورات إلى مشاريع لبناء دولة تحمي الجميع، وتصون الحقوق، وتضمن المساواة والكرامة؟ وماذا لو أدركت القوى السياسية أن امتلاك السلطة لا يعني امتلاك الوطن، وأن انتصار طرف لا يعني بالضرورة انتصار المجتمع؟ إن استحضار هذه الأسئلة ليس محاكمة للماضي بمعايير الحاضر، بل محاولة لفهم إخفاقاته واستعادة دروسه. فالثورة التي لا تراجع تجربتها تفقد قدرتها على تجديد ذاتها، والاستقلال الذي لا يصون حرية الإنسان وحقوقه يظل منقوصًا، والدولة التي يخضع فيها القانون للقوة تعجز عن حماية مواطنيها.

إن ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر لا تستمد معناها من استعادة أمجاد الماضي وحدها، بل من قدرتنا على مساءلته بعقل نقدي يميز بين عدالة البدايات ونتائج التجارب، وبين الوفاء للتضحيات وتقديس الخيارات السياسية. لقد مثّلت الثورة لحظة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني، لكنها تفتح أمامنا سؤالًا أعمق: ماذا لو استطاعت إرادة التحرر أن تتحول إلى مشروع مكتمل لبناء دولة مدنية ديمقراطية، تحمي الحقوق، وتصون التعدد، وتجعل القانون أقوى من الأشخاص والجماعات؟ لا نستطيع تغيير ما وقع، ولا الجزم بما كان سيحدث لو اتُّخذت قرارات مختلفة، لكننا نستطيع فهم الأسباب، واستخلاص الدروس، والكشف عن الفرص التي أُهدرت، بدل الاحتماء بتبريرات تعفي أصحاب القرار من المسؤولية. فالتاريخ ليس قدرًا مغلقًا، والثورات ليست صكوك براءة دائمة، والاستقلال لا يكتمل ما لم يشعر الإنسان بحريته وكرامته ومساواته أمام القانون. ومن هنا، فإن سؤال «ماذا لو؟» لا ينبغي أن يحبسنا في ندم الماضي، بل أن يوقظ فينا مسؤولية الحاضر: ماذا لو تعلمنا أخيرًا أن الوطن أكبر من أحزابه، وأن السلطة مسؤولية لا غنيمة، وأن المواطنة حق وليست مكرمة؟ إن الحنين وجع الذاكرة، لكن النقد يحوّل الوجع إلى معرفة، والمعرفة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل. فلنكرم ثورة أكتوبر دون أن نقدس تجربتها، ولنقرأ إخفاقات تاريخنا دون أن نهين تضحيات أبنائه؛ فالماضي الذي لا نستطيع تغييره نستطيع أن نفهمه، والحاضر الذي نعيشه نستطيع أن نعمل فيه، والمستقبل الذي لم يُحسم بعد لا يجوز أن نتركه أسيرًا لأخطاء نعرفها وبدائل ما زالت ممكنة. فليس السؤال الأهم: ماذا لو تغير الماضي؟ بل: ماذا لو امتلكنا اليوم شجاعة ألا نكرر أخطاءه؟

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم