عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الهادي عبد المطّلب: حين يصبح القاع وطناً

"من استحلى القاع نسي الصّعود"

مقدمة: قد يكون هذا الكلام مُستفزّاً، مزعجاً، لكنّه في حقيقته واقعٌ لا يُخْفي بين ثنايا سطوره اتّهامات أو تبريرات، إنه واضح كفلق الصّبح، لأنّ الأمر لا يحتاج تزويقَ كلام أو ترميزه، أو تشريح ما هو بيّن جلي، ولا هو سيناريو لفيلم وثائقي مرعب، فكلمة "قاع" وحدها، كفيلة بدفع القارئ إلى طرح أسئلة حارقة، مستفزّة تنطلق منه وتنتهي إليه، تُحرّك فيه القناعات تُسائلها، لينخرط بوعي في تحليل ظاهرةٍ مقلقةٍ على المستوى السياسي والأخلاقي والثقافي، وهي ظاهرة النزول إلى القاع لاتّخاذه موطنا وهوية.

قبل النزول إلى القاع..

أن ننحدر إلى القاع سلوكٌ قد يُفسّر بالضّعف واليأس، لكن حين نحاربُ من أجله ونصنع منه مملكة نمنحها مشروعية وجودية، وحين يصبح القاع هدفاً وجودياً لا ينزل إليه الكثير عن طريق الخطأ، بل وعياً واقتناعاً لدرجة اتّخاذه موطنا، التّشبُّث به منهجاً وغاية، يتحول السقوط الذي كان في الأصل أزمة وهزيمة، إلى حالة من التصالح المخادع والتّحرُّر الخادع، إذ لم يعد للإنسان "السّاقط" ما يخسره، حيث تلاشت وتحطّمت تلك القيود التي تفرضها الرغبة في الصعود والانعتاق.

أمام القاع السحيق، ومن عل، وقبل النّزول تزاحمت في رأسي أسئلة حارقة تُبعثر اتّزان العقل، هل النّزول إلى القاع مجرد انهيار أخلاقي، أم أمر أكبر من هذا، طفْرة أنطولوجية وجودية يعيد فيها الإنسان تشكيل مفهوم جديد عن ذاته وموقعه من العالم؟ أم تحوُّلٌ من حالة اضطرارية إلى هوية مكتملة بحيث لم يعد السقوط قدراً محتوماً يُقاوم، بل خياراً واعيا يُتّخذُ موْطناً ومنهج حياة، يدافع فيه الإنسان عن وسخه الوجودي بكافّة وسائل الإفلاس الأخلاقي وشرعنته وتجميلة وتعميمه؟

ـ لم يسألني أحد لمَ أنا هنا؟

أمام الشفير وقفتُ منتظراً، لأنّ النزول أمرٌ صعب يتطلّب الوعي به، تتصاعد إليّ صيحاتٌ وآهاتٌ وكلام كثير مبهم، نزلتُ أتحسّس القاع بأصابع قدمي كما يتحسّس الأعمى وجه شخص يكرهه، النّاس مشدودون إلى القاع، يختارون أماكنهم في سباقٍ محموم، كأن القاع محا من عقولهم فكرة الصّعود فغاصوا أكثر، ومن استحلى القاع نسي الصّعود. تتغير الوجوه، والأقنعة، وكذا الكلمات، تحملني الأجساد العرْقى، تسكنني الأصوات، تتقاذفني الأيدي، تمحو من عقلي درجات الصّعود.

يصعبُ عليّ معرفة عمق القاع، واتساع أفقه، يغيب القاع تحت الأجساد وتحت قدمي، أريد أن أخرج، أتنفّس، أريد أن أرتقي إلى السّطح، أجرُّ خلفي بقايا الأيدي والقرصات، أريد أن أغرس كروما ورمّانا. في ظلمة القاع نسي الجميع سر الحبّ، وسرّ الحرث والغرس، نسوا آخر خطواتهم في الطرقات، وفي المحطّات، والمطارات، والمقاهي، تركوا قلوبهم هناك مصلوبة وتاهوا في السراديب العفنة.

لم يعد هناك ما يُضحك، نظْرةٌ إلى فهرس السّاقطين إلى سلّة المهملات، إلى العتمة، تراهم يتوافدون في تراكم عجيب، يتعاقبون على سرد أُحجيات حياتهم التّافهة، كأنّ المقام سيطول بهم. أنتفضُ، تمسكني الأيدي..

ـ اِبْق حتى آخر الحكايات..

القاع أمنيتهم، وأنا أريد أن أغسل قلبي بيدي، بالماء البارد وكثير من الزّهر والزّعفران، لأنّي، لمسافات طويلة مشيت وسأمشي وفي قلبي أبواب ونوافذ أفتحها للصاعدين، وفي دمي فرحٌ يسع العالم، سأخرج من ضوضاء القاع إلى فسحة الهواء واتّساع المدى وانفتاح السّماء على زُرْقة ناصعة. سأسافر بعيداً عن قاعكم، سأكتب عنكم سطراً سطراً، سأنثر حكاياتكم في الشوارع والأزقّة والدروب حتى يبحّ منّي الصّوت، وتنتهي الأوراق.

صحتُ بِمِلْء الصّوت غاضباً: امنحوني سبباً لأبقى هنا معكم؟

ـ اتّساع القاع سبب، ولن تعدم مكاناً يليق بك..

أُحضّر قدمي وأظافري للصُّعود بعناد وغضب، حافياً يمشي من يتألّم. لافتاتٌ دعائية ومُلصقات بألوان زاهية تخزُّ العيون، تمدح القاع وأهله، وتدعو الزّبائن للصّمود والغوص أكثر. لستُ مغفّلاً، لن أصدّق وشوشاتهم، أحاول جاهداً أن أحافظ على أفكاري من الشّتات، رأسي ثقيل، عيني محشوّتان بالدّهشة والألم والأسف، فتحتُ للسبّ مصراعَهُ، يعرف لغته الأولون والمتأخّرون، مرّت من أمامي كائنات ناقصة الاكتمال، تساءلت..

ـ هل في الحضيض اكتمال؟

كل شيء مضطرب في القاع، تغوص الأرجل حدّ الرُّكب وتزيد، الْتصقوا بالقاع كبقٍّ لا يُحصى له عدد، غرس إبَرَهُ ليتمسّك أكثر، هنا يتعلّمون لغة الذّلّ والخنوع، لا أحد ينتظرُ أحداً، الكلُّ يبحث عن قاعٍ تحت القاع، تساءلت..

ـ الأمر جلل، لماذا كل هذا الحبّ والحنين للقاع؟

كل شيء يموج كبحر هادر غاضب لا يرحم، كل شيء يحترق، كل شيء يختلط بالكلام والضّجيج والصّراخ والضّحك. كم مسخاً سقط في الطريق، تفتّتوا، تناطحوا، تقاتلوا كأنّهم إلى المسالخ يؤخذون، يُذبحون أو ينتظرون الذّبح؟ تُفتح على الجوانب الأبواب فيغلقونها، وتُرصّص إلى الأعلى الدّرجات ليصعدوا فيردمونها، وتنفتح من أعلى فُرجاتٌ للنّور فيغمضوا أعينهم.

أعيد ترتيب هذه الصّور، وأمنحها عنوانا، أقرأها، فتختلط في ذهني وتتزاحم. القاع مكانٌ للقتل والغدر والدّسائس، موطنٌ يتقيّأُ الدم والصديد والأكاذيب والألم، ترتاده بحبٍّ ظاهر وحوش مفترسة، وأخرى دفعوا بها قربانا تصدُّ عنهم لعنة الهزائم والانكسارات والخنوع.

خرجتُ من القاع بمزاج معطوب، ونفس كسيرة، ولسان ملجوم من هول المشهد، وطعم الرّماد والألم وبقايا رائحة الأجساد تسبح في فمي، وعجبتُ كيف هرمتُ بهذه العُجالة، ارتميتُ في أحضان عشبٍ أخضر ركض فوقه أطفالٌ ضاحكين. أمرّغُ جسدي أمحو عنه بقايا القاع، وشهوة الذّلّ. من بعيد، جلستُ أتأمّل طوابير التّافهين يتوجّهون نحو القاع، يسقطون تباعاً، وبعض الصّاعدين النّاجين في بكاء مرير ينظرون إلى السّماء مبتسمين وقد أخذ منهم القاع كل الجهد. لقد ولدوا من جديد، من رحم المعاناة حين خاضوا معارك شرية ضد اليأس والذّلّ والظلمة، منهكين، ذاكرتهم مثقلة بالصمت، لكنّهم حاربوا صعوداً حين انتزعوا أنفسهم من الوحل، ليحفظوا آدميتهم وما تبقى من إنسانيتهم، ليقفوا، الآن، على شفير القاع، يقرأون في عيون السّاقطين الخزي والذل والهوان، وفي عيون الصّاعدين النّاجين الأمل في انطلاقة جديدة قوية.

خاتمة..

"ارتقوا، فالقاع مزدحم"، سلامٌ على قومٍ ارتقوا ولم يقبلوا القاع موطنا، واختاروا اتساع المدى، وانفتاح الأفق.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/المغرب

في المثقف اليوم