عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سعد عبد المجيد: اختيار شريك الحياة

بين حسن الاختيار واستقرار الأسرة

من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته اختيار شريك الحياة؛ لأنه الشخص الذي سيشاركه تفاصيل الحياة بحلوها ومرّها، ويسهم معه في بناء أسرة مستقرة.

لقد كتبت أكثر من مرة عن مشكلات الطلاق التي أصبحت ظاهرة مقلقة في مجتمعاتنا. فلم تعد تحيط بالطلاق الوصمة الاجتماعية التي كانت تلازمه في الماضي، ولم تعد خشية المرأة من نظرة المجتمع أو القلق على الأبناء تحول دون اتخاذ قرار الانفصال. ولو تأملنا بعض حالات الطلاق، لوجدنا أن سوء الاختيار من أسبابها المهمة. فكثيراً ما ينشغل الشباب والفتيات بالمظهر الخارجي أو المستوى المادي أو المكانة الاجتماعية، في حين أن نجاح الحياة الزوجية يعتمد على أسس أعمق وأكثر استدامة. إن حسن اختيار شريك الحياة المناسب هو أساس استقرار الأسرة وديمومة الشراكة.

كيف كان العراقيون يختارون شريك الحياة في الماضي؟

لم يكن اختيار شريك الحياة في العراق، حتى منتصف القرن العشرين وما بعده بقليل، يشبه ما نعرفه اليوم من وسائل التعارف والتواصل. فقد كان الزواج المرتّب عن طريق الأهل هو الأكثر شيوعاً، وكان زواج الأقارب منتشراً في المدينة والريف، وإن تفاوتت العادات بين البيئات الاجتماعية. كانت فرص اللقاء بين الشباب والفتيات محدودة بحكم التقاليد السائدة، فلم يكن من السهل أن يتعارفا أو يلتقيا قبل الزواج. وربما اقتصرت فرصة الشاب في رؤية فتاة لا تربطه بها صلة قرابة على لمحة عابرة في السوق أو مناسبة اجتماعية نادرة.

لذلك، كان الأهل يؤدون الدور الأساسي في البحث عن الشريك المناسب، مسترشدين بجمال الفتاة، وسمعة أسرتها وأخلاقها وأصلها الاجتماعي، فضلاً عن مدى التوافق بين العائلتين. وفي تلك البيئة، ازدهرت مهنة الخاطبة، وهي امرأة تمتلك شبكة واسعة من المعارف، تتولى البحث عن الفتيات المناسبات للشباب، وتنقل أخبار العائلات، وتمهّد للتعارف الرسمي بين الطرفين. وقد تراجع دورها تدريجياً مع اتساع فرص التعليم المختلط والعمل الذي يتيح للشباب فرص اللقاء والتحدث والتعرف على طباع الطرف الآخر.

ومع تطور وسائل التواصل وظهور المواقع الإلكترونية المخصصة للتعارف بقصد الزواج، برز ما يمكن تسميته «الخاطبة الإلكترونية»، التي تؤدي بعض وظائف الخاطبة التقليدية، ولكن بوسائل مختلفة. وتتيح هذه المواقع فرصاً للتعارف والتواصل مع شريك محتمل، لكنها لا تضمن نجاح الزواج أو استمراره.

وفي هذه المقالة، لن أتناول أنواع الزواج المختلفة أو العلاقات التي لا تقوم على التعارف الجاد بقصد الزواج، وإنما سأركز على المعايير التي تساعد الشاب والفتاة على حسن الاختيار، والوسائل التي تمكّنهما من التحقق من ملاءمة الشريك، وصولاً إلى بناء علاقة زوجية مستقرة ودائمة.

أولاً: المواصفات التي ينبغي البحث عنها في شريك الحياة

من المؤكد أن لكل فرد تصوراً عن شريك الحياة الذي ينشده، يتشكل في ضوء تجاربه السابقة وظروفه الاجتماعية وتطلعاته للمستقبل. ومع ذلك، لا بد من وضع أسس تساعد على حسن الاختيار، بعيداً عن الانجراف وراء العواطف أو تغليب المصالح أو الخضوع لضغوط أطراف أخرى. وفيما يلي بعض المؤشرات التي قد تساعد على اتخاذ قرار أكثر وعياً واتزانا.

1.  الأخلاق والاحترام المتبادل

من خلال تجربتي الشخصية، كنت أبحث في كل من يتقدم لخطبة إحدى بنات العائلة عن خصلتين أساسيتين: الصدق أولاً، والكرم والابتعاد عن البخل ثانياً؛ فالكذب والبخل من الصفات التي يصعب معها بناء حياة زوجية مستقرة. ولم يقتصر اهتمامي على الشاب نفسه، بل شمل طبيعة أسرته، ولا سيما العلاقة بين الأب والأم، ومدى تماسك العائلة والأجواء السائدة داخل المنزل؛ فالبيئة الأسرية تؤثر في تكوين شخصية الإنسان، وإن لم تكن العامل الوحيد المحدد لها.

كما يمكن الاستدلال على أخلاق الشاب أو الفتاة من خلال محيطهما الاجتماعي، كالجامعة أو مكان العمل أو منطقة السكن، وملاحظة طريقة تعاملهما مع الآخرين. ومن المهم أن يتحلى الشريكان بالصدق والأمانة، وأن يحترم كل منهما الآخر ويحفظ كرامته حتى عند الاختلاف؛ فالأخلاق الحقيقية لا تظهر في أوقات الانسجام وحدها، بل تتجلى بوضوح أكبر عند الغضب والخلاف وتعارض المصالح.

2.  التقارب في القيم والمبادئ والثقافة

من الصعب أن يتطابق الطرفان في جميع وجهات النظر، لكن من المهم ألّا تتحول اختلافاتهما الجوهرية إلى مصدر دائم للصراع. لذلك، ينبغي أن يتقاربا بدرجة معقولة في نظرتهما إلى القضايا الأساسية، مثل الأسرة والدين وتربية الأبناء وحدود تدخل الأهل في حياتهما الخاصة. وقد تشمل الاختلافات المهمة، التي برزت مؤخرا في مجتمعاتنا، المسائل المذهبية والقومية، وهي أمور لا ينبغي إهمالها إذا كان من المحتمل أن تؤثر في الحياة المشتركة، ولا سيما في تربية الأبناء وعلاقة الأسرة بمحيطها الاجتماعي. وفي المقابل، قد يسهم التقارب الثقافي والفكري في تعزيز الانسجام بين الطرفين، حتى إن اختلفا في المذهب أو القومية. ولهذا، فإن التعرف إلى ثقافة الآخر وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة يساعد على تقدير مدى التوافق بينهما، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

3.  التوافق في الالتزام الديني والقيمي

يمثل الدين، في مجتمعاتنا، إطاراً مرجعياً للقيم والسلوك، وليس مجرد شعائر تؤدى. لذلك، ينبغي أن ينظر الطرفان إلى مدى التقارب في الالتزام الديني بوصفه عاملاً مؤثراً في الحياة المشتركة، لا سيما في ما يتعلق بتربية الأبناء وتشكيل وجدانهم، وبطبيعة العلاقة بالأسرة والمجتمع. وقد لا يعني ذلك التطابق التام في درجة الالتزام، لكن من المهم أن يكون هناك فهم متبادل لحدود هذا الالتزام وتوقعات كل طرف من الآخر، وأن يتفقا على القضايا الجوهرية التي لا يقبل أحدهما التنازل عنها. فالاختلاف في الرؤية الدينية، إذا لم يُدرَك ويُحاور مبكراً، قد يتحول إلى مصدر توتر دائم، خصوصاً عند اتخاذ قرارات تخص الأبناء أو العلاقات الاجتماعية.

4.  المسؤولية والاستقرار العملي

يُقاس الاستعداد للزواج بالقدرة على تحمل المسؤولية، والجدية في العمل، وحسن إدارة المال بما يتناسب مع الإمكانات المادية للأسرة، والوفاء بالالتزامات، والتخطيط للمستقبل بما يضمن حياة كريمة للأبناء، ويوفر للزوجين الأمن والرعاية عند التقدم في العمر أو مواجهة المرض.

ومن الضروري أن يتصارح الطرفان بشأن الدخل والديون والتوقعات المادية، في الوقت المناسب وبما يتناسب مع مرحلة التعارف ومدى جديتها؛ فالمصارحة في هذه الأمور تساعد على تجنّب كثير من الخلافات مستقبلاً. ومن خلال ما شهدته من حالات طلاق، وجدتُ أن الخلافات المادية كانت من أبرز أسباب الانفصال، ولا سيما في السنوات الأخيرة. فبعض الشباب يتظاهرون بالثراء، ويعدون شريكات المستقبل بحياة مرفهة لا يملكون مقوماتها، فتكون تلك الوعود بعيدة عن الواقع. وعندما تصطدم الزوجة بالحقيقة بعد الزواج، تصاب بخيبة أمل، إذ تجد أن الحياة التي تعيشها تختلف عما تصوّرته وتوقّعته طوال فترة الخطوبة.

ولا يقتصر الاستقرار على الجانب المادي، بل يشمل احترام الحرية الشخصية، وفهم حدودها، والتوفيق بينها وبين متطلبات الحياة المشتركة. وينبغي أن تقوم العلاقة على الثقة واحترام الخصوصية والصداقات وحق كل طرف في التعبير عن رأيه، بعيداً عن المراقبة المفرطة والغيرة المؤذية والشك الذي كثيرا ما يدمر الشراكة. فالمحبة لا تعني امتلاك الآخر أو تقييد حريته، وإنما تقوم على الثقة، والاحترام المتبادل، والشعور بالأمان، والطمأنينة.

5.  التوافق النفسي والفكري

من المؤشرات المهمة على ملاءمة شريك الحياة أن يشعر الإنسان بالارتياح والفخر عند اصطحاب شريكه والظهور معه في المناسبات الاجتماعية والعائلية، وألا يشعر بالحرج أو الخجل من وجوده إلى جانبه، مع أن هذا الشعور وحده لا يكفي للحكم على نجاح العلاقة. فهذه المناسبات تتيح للآخرين ملاحظة سلوك الزوجين ومظهرهما ومدى الانسجام الظاهر بينهما، وقد يتعرض أحد الطرفين للحرج إذا رأى أن سلوك شريكه أو مظهره قد يكون موضع انتقاد أو انتقاص من الآخرين.

وفي المنزل، من المهم أن يجد كل منهما في الآخر رفيقاً يستطيع الحديث معه والضحك بصحبته ومشاركة اهتماماته، وأن يشعر بالراحة في التعبير عن نفسه دون خوف من السخرية أو الانتقاص من شأنه. ويعني التوافق أن يمتلكا القدرة على فهم اختلافاتهما واحترامها والحوار بشأنها بروح من المودة والتسامح. فالزواج شراكة إنسانية تقوم على الإصغاء والتفاهم، يجد فيها كل طرف من يتفهم مشاعره ويشاركه أفراحه وهمومه.

6.  الاتفاق على شكل الحياة المستقبلية

ينبغي أن يناقش الطرفان، قبل الزواج، تصورهما للحياة المستقبلية ويتفقا على المسائل الأساسية التي ستؤثر في حياتهما المشتركة، وفي مقدمتها مكان الإقامة، سواء داخل العراق أم في بلد آخر بقصد الهجرة والاستقرار. وقد شهدتُ حالات طلاق مؤسفة كان اختلاف الرغبة في مكان الإقامة أحد أسبابها؛ إذ يفضّل أحد الزوجين البقاء في العراق، بينما يرغب الآخر في الهجرة. وقد يفضّل أحدهما العيش بالقرب من عائلته لرعاية أحد الوالدين أو للشعور بالأمان والاطمئنان.

ومن المسائل الأخرى التي تستحق النقاش الرغبة في الإنجاب وعدد الأطفال، وأسلوب تربيتهم، واستمرار المرأة في العمل أو الدراسة، وتقاسم مسؤوليات المنزل، وطبيعة العلاقة مع عائلتي الطرفين. قد تبدو هذه المسائل تفصيلية في بداية العلاقة، لكنها تمس جوهر الحياة اليومية. لذلك، فإن مناقشتها بصراحة وواقعية تساعد على توضيح التوقعات وتجنب الخلافات المستقبلية، وبناء حياة مشتركة تقوم على التفاهم والتعاون وتحمل المسؤولية.

7.  الوعي بالحقوق والواجبات

من المفيد أن يكون لدى الطرفين، قبل الزواج، وعي أساسي بحقوقهما وواجباتهما في إطار عقد الزواج، وبما يكفله القانون من حقوق تتعلق بالمهر، والنفقة، والحضانة، وغيرها. ولا يعني ذلك تحويل العلاقة الزوجية إلى عقد جاف، بل يعني أن يكون القرار مبنياً على معرفة، لا على جهل قد يُستغل لاحقاً. فالوعي بالحقوق والواجبات يحمي الطرفين معاً، ويمنع المفاجآت التي قد تُقوّض الثقة بعد الزواج.

ثانياً: كيف يختار الشاب والفتاة شريك المستقبل؟

على الرغم من أهمية الصفات السابقة، فإن التحقق من توافرها ليس أمراً سهلاً إذا ما أتيح لهما اللقاء ولفترة بسيطة على الأقل. فلا يمكن الوصول إلى معرفة تلك الصفات بمجرد السؤال عنها. فمن الطبيعي أن يصف الشخص نفسه بالصدق والكرم والحكمة، كذلك سؤال الآخرين، فقد لا يكشف الحقيقة كاملة؛ إذ قد يتحفظ بعضهم عن ذكر العيوب خشية أن يؤدي ذلك إلى تعثر الزواج، بل العكس، هم يكتفون بذكر المحاسن والمبالغة في المدح. لذلك، يحتاج الاختيار السليم إلى وقت وتمحيص وملاحظة وحوار صريح. من أجل ذلك يمكن الاستعانة بالخطوات الآتية:

1. التعرّف إلى الذات قبل بدء الاختيار

قبل أن تحاول التعرف على الطرف الآخر عليك أن تتعرف على نفسك أولاً. فعلى الراغبين في الزواج أن يتعرفوا إلى أنفسهم أولاً، وأن يسأل كل منهم نفسه فيما إذا كان مستعداً نفسياً لتحمل مسؤوليات الزواج؟ وما الذي يتوقعه من هذه العلاقة؟ وما القيم التي لا يستطيع التنازل عنها؟ وما نقاط الضعف التي ينبغي عليه العمل على تحسينها؟ فمن لا يدرك احتياجاته وتوقعاته قد يتخذ قراره بدافع الانبهار أو استجابة لضغط الآخرين، دون استعداد حقيقي للحياة الزوجية ومتطلباتها.

2. عدم الاكتفاء بالجاذبية والمظهر

للجاذبية دور في نشوء العلاقة، لكنها لا تكفي وحدها لاتخاذ الاختيار الصحيح، ولا ينبغي أن تحجب عيوباً جوهرية في الشخصية أو السلوك. ومن المفيد ملاحظة طريقة تعامل الشخص مع أفراد أسرته والعاملين معه ومن هم أقل منه قدرة أو مكانة، لا الاكتفاء بتصرفاته مع من يسعى إلى كسب إعجابهم؛ فالسلوك العفوي في المواقف اليومية قد يكشف من الطباع ما لا تكشفه المجاملات.

3. الحوار الصريح قبل الزواج

من الضروري إجراء حوارات جادة للتعرف إلى طباع الطرف الآخر وتوقعاته، ومناقشة المسؤوليات المشتركة والخلافات المحتملة، بدلاً من الاكتفاء بالمجاملات والموضوعات العامة. ومن المفيد أن يتبادل الطرفان الحديث عن كيفية تعاملهما مع الغضب والاختلاف في الرأي، وخططهما للمستقبل، وما قد يتخذانه من مواقف عند مواجهة مشكلة مالية أو عائلية. فمثل هذه الحوارات تساعد على فهم طريقة التفكير ومدى الاستعداد لتحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة.

4. ملاحظة السلوك مع مرور الوقت

يتيح التعارف الجاد والمحترم فرصة لملاحظة مدى تطابق الأقوال مع الأفعال: هل يفي الشخص بوعوده؟ وهل يتحمل مسؤولية أخطائه؟ وكيف يتعامل مع الإحباط والاختلاف؟ فالاستمرارية في السلوك أصدق دلالة على الشخصية من التصرفات المثالية التي قد تظهر في بداية العلاقة.

5. التعامل الواعي مع الوسائل المعاصرة

لم تعد فرص التعارف مقتصرة على الأهل والخاطبة، بل أصبحت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل جزءاً من واقع البحث عن شريك الحياة. وهذه الوسائل، وإن وسّعت دائرة الاختيار، فإنها تفرض تحديات جديدة؛ إذ يصعب التحقق من صدق ما يُعرض فيها، وقد تُبالغ الصور والكلمات في تصوير الشخص خلافاً لحقيقته. لذلك، ينبغي أن يُنظر إلى هذه الوسائل بوصفها قناة أولية للتعارف فحسب، لا بديلاً عن التحقق والتمحيص واللقاءات الجادة بحضور الأهل أو من يوثق بهم. كما ينبغي الحذر من التسرع في اتخاذ القرار بناءً على الانطباع الرقمي وحده، ومن الانجراف وراء العلاقات التي لا تقوم على جدية بقصد الزواج.

ومن القضايا التي تستحق النظر أيضاً الفوارق العمرية الكبيرة، وتأثير توقعات كل طرف، التي قد تتشكل بفعل ما يراه على وسائل التواصل من نماذج مثالية، في تصوره للحياة الزوجية. فمن المفيد أن يناقش الطرفان هذه التوقعات بصراحة، وأن يميزا بين ما هو واقعي وما هو مستورد من صور غير قابلة للتحقق.

6. الاستفادة من مشورة الموثوقين

يمكن الاستفادة من آراء الأهل والأصدقاء الموثوقين الذين يعرفون الطرفين جيداً؛ فقد يلفتون النظر إلى أمور لا يلاحظها الشخص بسبب تعلقه العاطفي. لكن ينبغي أن تكون المشورة وسيلة للفهم وحسن التقدير، لا مبرراً لفرض الزواج أو رفضه دون أسباب موضوعية، فالقرار النهائي يجب أن يستند إلى القناعة والاختيار الحر.

7. التأكد من القبول المتبادل وحرية الاختيار

لا يكفي أن يكون أحد الطرفين مناسباً للآخر، بل ينبغي أن يقبل كلاهما العلاقة عن اقتناع ورغبة حقيقية، بعيداً عن الإكراه أو الخوف من فوات الفرصة أو ضغط الأسرة والمجتمع. فالزواج القائم على الرضا المتبادل يمنح الطرفين أساساً أفضل لبناء علاقة مستقرة، يشعر فيها كل منهما بقيمته وكرامته.

دور المجتمع والمؤسسات

إن حسن الاختيار مسؤولية فردية في جوهرها، لكنه يتأثر بالبيئة الاجتماعية وما تقدمه من توعية ودعم. ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تُضمّن برامجها موضوعات عن مهارات التواصل والحوار والاختيار الواعي، وللإعلام أن يقدّم محتوى يوعّي الشباب بمعايير الاختيار السليم بدلاً من الاقتصار على نماذج مثالية بعيدة عن الواقع. كما يمكن لدور العبادة والجمعيات الأسرية والاستشارات قبل الزواج أن تؤدي دوراً في التوعية والوساطة والإرشاد. فالتوعية المبكرة، قبل بلوغ مرحلة القرار، أكثر جدوى من معالجة المشكلات بعد وقوعها.

ثالثاً: إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها

من المهم التمييز بين العيوب البشرية التي يمكن التعامل معها، والسلوكيات التي تهدد استقرار الحياة الزوجية أو سلامة أحد الطرفين. ومن أبرز الإشارات التحذيرية إدمان المخدرات، والمقامرة المفرطة، والتبذير الذي يهدد الاستقرار المالي، والكذب المتكرر وإخفاء الحقائق الجوهرية. كذلك، لا ينبغي الاستهانة بالإهانة، والتحقير، والتهديد، والعنف، والإكراه. فهذه ليست عيوباً بسيطة يمكن التغاضي عنها أو التعويل على الحب والصبر وحدهما لتغييرها، بل تستدعي التوقف والتفكير الجاد قبل اتخاذ قرار الزواج. فالعنف والإكراه يمسان كرامة الإنسان وسلامته، ولا يجوز التعامل معهما بوصفهما أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية.

رابعاً: هل ينبغي البحث عن الشخص المثالي؟

لا يوجد إنسان كامل، ومن الخطأ انتظار شريك حياة خالٍ من العيوب. فالأهم ليس العثور على شخص تتوافر فيه جميع الصفات المرغوبة، وإنما اختيار شخص نتوافق معه في الأساسيات، ونستطيع معه التعامل مع الاختلافات والتعلم منها والنمو بمرور الزمن. ومن المفيد التمييز بين الصفات الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها، والصفات التي يمكن التفاهم بشأنها، والصفات الثانوية التي لا تؤثر جوهرياً في استقرار العلاقة. فحسن الاختيار يعني معرفة ما نحتاج إليه حقاً، وما نستطيع تقبّله، وما لا يمكن أن تقوم الحياة المشتركة من دونه.

نماذج من الواقع

من الحالات التي وقفت عليها، حالة شابين تعارفا عبر الأهل، وكان الظاهر من أمرهما التوافق المادي والاجتماعي، غير أنهما لم يتحاورا يوماً في تصوريهما لمكان الإقامة وأسلوب تربية الأبناء. وبعد الزواج، انكشف اختلافهما الجوهري في هذين الأمرين، فتراكمت الخلافات حتى انتهت العلاقة بالانفصال. وفي المقابل، عرفت أسرة قام اختيارها على توافق واضح في القيم والأخلاق، مع اختلاف في المستوى المادي، فكان الاحترام والحوار والمسؤولية المشتركة أساساً لاستقرارها ونموها. والدرس المشترك بين الحالتين أن الاختيار الواعي القائم على معرفة الأساسيات والحوار الصريح هو ما يصنع الفارق، لا المظاهر ولا التكافؤ المادي وحده.

الخلاصة

إن الزواج الناجح لا يقوم على العثور على إنسان بلا عيوب، ولا على مجرد الانجذاب أو التكافؤ المادي والاجتماعي، وإنما على اختيار شخص نتوافق معه فكرياً وإنسانياً، ونحترمه ويحترمنا، ونثق به ويثق بنا، ونستطيع معه بناء حياة تقوم على المودة والرحمة والتعاون والاحترام المتبادل.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب وفتاة على نفسيهما هو: هل نستطيع معاً بناء علاقة ننمو فيها فكرياً وإنسانياً، ونشعر في ظلها بالطمأنينة، ونواجه صعوبات الحياة دون أن يفقد أحدنا كرامته أو شعوره بالأمان؟ فشريك الحياة إنما هو رفيق نأمل أن نتقاسم معه رحلة طويلة تتغير خلالها الظروف والأعمار والقدرات، ويبقى الاحترام والمودة والوفاء أساساً لاستمرار العلاقة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم