موت المختلف وامتحان الأخلاق
هناك لحظات لا تكشف لنا قسوة العالم بقدر ما تكشف لنا فقر الإنسان إلى الإنسانية، لحظات يصبح فيها الموت، الذي يفترض أن يوقظ فينا أعمق مشاعر الرحمة، مناسبة لاختبار مقدار ما تبقى في أرواحنا من ضمير.
ففي حضرة الموت، تسقط الأقنعة التي نتخفى وراءها، وتنكمش كل الهويات التي نتباهى بها، ولا يبقى أمامنا سوى الحقيقة العارية: إنسان انتهت حياته، وأجساد ستبلى، وأحلام انطفأت، وأهل وأصدقاء سيحملون وجع الغياب إلى ما تبقى من أعمارهم.
مر بي خبر وفاة قس سقط عليه صليب خشبي أمس، فتوقفت أمامه بحزن إنساني خالص. لا أعرف الرجل، ولم ألتق به، ولا أملك من سيرته ما يسمح لي بإصدار حكم عليه، لكنني، في حدود ما عرفت، لم أر أمامي سوى رجل دين مسالم، راهب يتعبد في محرابه، انتهت حياته في حادث مأساوي. ولم انظر إلى عقيدته، ولا إلى أفكاره.
فالحزن على الإنسان لا يحتاج إلى بطاقة هوية، ولا إلى شهادة انتماء، ولا إلى موافقة مسبقة من حراس العقائد. بل لأنني أرى فيه إنسانا كان حيا ثم صار خبرا عن الموت في لحظات.. ولأنني أؤمن بأن قيمة الحياة الإنسانية تسبق كل تصنيف مذهبي أو ديني أو عرقي، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الرحمة حين يختلف عنا في إيمانه، كما لا يكتسب هذا الحق لأنه ينتمي إلى جماعتنا.
لكن ما أوجعني حقا ما قرأته من تعليقات الشماتة التي استقبل بها بعض المسلمين هذا الموت، وكأن سقوط رجل تحت صليب خشبي انتصار لعقيدة على أخرى، وكأن المأساة الإنسانية فرصة لتصفية الحسابات مع المختلف، وكأن الموت حين يصيب الآخر يصبح مبعثا للابتهاج، لا مناسبة للتأمل في هشاشة وجودنا المشترك. أي خواء أخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يرى في موت إنسان آخر مناسبة للاحتفال والشماته.
الشماتة في الموت ليست مجرد زلة لسان، ولا تعبيرا عابرا عن اختلاف عقدي، بل هي، في جوهرها، خلل في بنية الضمير؛ لأنها تعني أن الإنسان لم يعد يرى أمامه كائنا له قيمة في ذاته، بل صار يرى رمزا لجماعة يخاصمها، أو عنوانا لعقيدة يرفضها، أو خصما متخيلا ينبغي أن ينتصر عليه حتى بعد أن يوارى التراب
ولعل ما زاد الأمر إيلاما أن بعض هذه التعليقات صدرت عن أشخاص يحملون درجات علمية رفيعة، ممن يفترض أن تكون المعرفة قد وسعت مداركهم، وأن يكون التعليم قد دربهم على التفكير النقدي، وأن تكون رحلتهم الطويلة في التحصيل قد منحتهم شيئا من التواضع أمام الحياة والموت والوجود الإنساني.
فما قيمة الشهادات إذا لم توسع أفق الرحمة؟ وما جدوى المعرفة إذا بقي العقل أسير التعصب؟ وما معنى أن يتقدم الإنسان في مدارج العلم، بينما يتراجع في أبسط اختبارات الأخلاق؟
إن أخطر أشكال الجهل ليس ذلك الذي يعترف بجهله، بل الذي يتدثر بعباءة المعرفة، ويتحدث بثقة العالم، بينما يستبطن أحكام القطيع، ويستعير من الموروث ما يبرر به قسوته، ثم يتوهم أنه ينتصر للحقيقة حين ينتقص من إنسانية الآخرين.
ماذا حين سقطت الرافعة في مكة عام 2015، فمات عشرات الحجاج وأصيب آخرون، وحين وقعت كارثة التدافع في مشعر منى في العام نفسه، ففقد أناس كثيرون حياتهم وهم يؤدون مناسك الحج، لم يكن هؤلاء مجرد أرقام في نشرات الأخبار. كانوا بشرا خرجوا لأداء شعيرة يؤمنون بقداستها، وكان وراء كل واحد منهم بيت ينتظر عودته، وأبناء يترقبون لقاءه، وأمهات وأزواج وأصدقاء لم يتخيلوا أن تكون تلك الرحلة آخر عهودهم بالحياة. وكان من الطبيعي أن تستقبل هذه المآسي بالحزن والتعاطف، بصرف النظر عن الموقف من الدين أو من الشعائر
لماذا نتوقع من الآخرين أن يحترموا أحزاننا، بينما نجد بيننا من لا يتردد في انتهاك أحزانهم؟ لماذا نطالب العالم بالتعاطف مع ضحايانا، ثم لا نمنح الضحايا الآخرين الحق نفسه؟
في وجهه نظري لا تقاس قيمة الإنسان بما يعلنه من معتقدات، بل بما يصنعه من أفعال، وبقدرته على الاعتراف بحق الآخرين في الحياة والكرامة والاختلاف. فالأخلاق ليست ملكية حصرية لدين، ولا امتيازا تمنحه عقيدة لأتباعها وتحجبه عن سواهم، وإنما هي مسؤولية إنسانية تتجلى في سلوكنا تجاه كل من يشاركنا هذا العالم.
إن حرية الاعتقاد لا تكتمل إلا بحرية الاختلاف، وكرامة الإنسان لا تكون كرامة حقيقية إذا اقتصرت على أبناء الجماعة الواحدة. أما أن نطالب العالم باحترام مقدساتنا، ثم نسخر من موت الآخرين، وأن نرفض أن يُهان موتانا، ثم نبرر الشماتة في موتاهم، فذلك ليس دفاعا عن العقيدة، بل ازدواج أخلاقي يجعل المبادئ خاضعة لهوية الضحية، لا لعدالة المبدأ نفسه.
وهناك وهم بالغ الخطورة في أن يقرأ بعض الناس الحوادث والمآسي بوصفها إشارات كونية تؤكد انتصار عقيدتهم أو هزيمة عقيدة الآخرين. فحين يموت شخص من دين مختلف، يتعاملون مع موته كما لو أنه برهان على صحة ما يؤمنون به، أو علامة على انتصار جماعتهم. وبذلك يحولون المصادفة المأساوية إلى خطاب أيديولوجي، ويستبدلون بالتعاطف بحثا متعجلا عن معنى يخدم تصوراتهم المسبقة. هو الفارق بين عقل تحرر من أسر الجماعة، وعقل لا يستطيع أن يرى العالم إلا من خلال ثنائية نحن وهم؛ نحن أصحاب الحق دائما، وهم المخطئون دائما، نحن الذين نستحق الرحمة، وهم الذين يجوز أن نفرح بأوجاعهم.
لكن الموت لا يقدم شهادات تفوق لأحد، ولا يمنح عقيدة صك انتصار، ولا يحول الحوادث الفردية إلى براهين على حقيقة ميتافيزيقية. إنه جزء من هشاشة الوجود الإنساني،
أنا لا أكتب هذا المقال دفاعا عن عقيدة ضد أخرى، ولا رغبة في استبدال تعصب بتعصب مضاد، بل دفاعا عن مساحة إنسانية أوسع من الحدود التي نتوارثها ونقيم حولها أسوارا من الكراهية. أكتب لأنني أرفض أن يصبح الحزن امتيازا دينيا، وأن تتحول الرحمة إلى شعيرة لا يؤديها المرء إلا تجاه من يشبهونه، وأن يغدو الموت نفسه خاضعا لامتحان الهوية
وأخشى أن تكون مأساتنا الأعمق أننا تعلمنا كيف ندافع عن انتماءاتنا أكثر مما تعلمنا كيف نحمي إنسانيتنا، وكيف ننتصر في معارك الهوية أكثر مما نتعلم كيف ننتصر على نزعات القسوة في نفوسنا
وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا يبقى من الإيمان إذا لم يزد صاحبه رحمة؟ وماذا يبقى من العلم إذا لم يحرر صاحبه من التعصب؟ وماذا يبقى من الثقافة إذا لم تعلم الإنسان كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتقد دون أن يهين، وكيف يرى في المختلف عنه كائنا يستحق الكرامة نفسها التي يطالب بها لنفسه؟
المأساة ليست أن يموت إنسان تحت صليب، بل أن يسقط الضمير الإنساني تحت أقدام التعصب. وليست الفضيحة أن ينتهي عمر رجل يختلف معنا في العقيدة، بل أن ينتهي بنا الأمر إلى اعتبار موته مكسبا، وألمه مناسبة للابتهاج
***
ابتهال عبدالوهاب








