عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مسار غازي: الحرية في زجاجة

إنَّ ميزة الطبيعة البشرية هو ذلك الاحساس الداخلي الحي بالحرية، وأن وقوع الانسان تحت النير والاستبداد راضيا بتحمله على معارضته، فالمسألة نفسية تعود الى بعد خفي في الوضع البشري ليس في حالة من التناغم مع الطبيعة البشرية، والمسألة على درجة عالية من الخطورة؛ وأن الشعب الذي يستسلم للإستعباد هو الذي يسلم عنقه للقطع، يعني أن له الخيار في أن يكون حرا، أو أن يكون عبدا، أن يتخلى عن الحرية أو أن يستسلم للنير، أن يقبل الأذى أو أن يواجهه.

وبحسب "أيتيان دو لا بويسي" تخضع الطبيعة البشرية لثلاث مبادئ كبرى، تأتي الأسرة في طليعتها؛ ذلك أن الأسرة هي المجتمع الطبيعي الذي لا يستغنى عنه لتنشئة كل كائن بشري، فيشرع الوالدان بتنشئة أطفالهما وهما يسلكان السبل التي خطتها الطبيعة، فكأنما هذه الطبيعة هي الأم، لذا فإن بذور العقل الطبيعية لا تزهر فضيلة إلا برعاية نصح الوالدين مجاراة للكبار، فمن المسلم به أن تذوي وتسقط إذا ما خضعت لتأثير السوء فالبشر بسبب تنشئتهم مختلف بعضهم عن بعضهم الآخر. ويتمثل المبدأ الثاني عنده في أن الفوارق تقود إلى التكامل، إذ أن الطبيعة تصنع الضعفاء والأقوياء، وهي تمنح كل فرد مقدارا من الذكاء، لكن لا ينبغي أن يختلط علينا الأمر حيال مقاصد الطبيعة. فهي لم تبعث الى هذا العالم السفلي بالناس الأقوياء والأشد يقظة، كأنهم قطاع طرق ليتولوا ترويع الناس الضعفاء وهي في الوقت نفسه لا تبغي السيطرة والإخضاع. وليست سلطة الحاكم طبيعية أكثر من طاعة المحكوم، أن التباينات التي تقيم فروقا بين الناس هي واسطة (تعاطف أخوي) يرمي التعاون فيها الى عقد صلات متينة بين ذوي القوة ومن هم أقل حظوة.

أما المبدأ الأهم عند دو لابوسي هو أن يعي الانسان، وأن لا يراوده أدنى شك في أنه حر بطبيعته، فإن كل من وهبته الطبيعة حياة وشعورا هو عاشق للحرية، وهو نظام الطبيعي والعقل والحرية مترافقان. فعندما نبحث عن معالم الحرية نجدها (من إفرازات العقل بما هو عقل)، وأن وجود الحرية يساهم في تكريس الحقيقة وتنشيط الواقع في عمق الحياة وإخراج الحق من ثنايا الباطل.

فالعقل والحرية إذا متلازمان في الطبيعة البشرية، فالحرية أكثر من كونها مثل أعلى بكثير، وليست تأملية صافية، ذلك أن الحياة من دونها لا تستحق أن تُعاش فهي فاعلة، أو لا وجود لها، ولا ريب في أنها تتأكد ضرورة ملحة، لكنها ضرورة تقود إلزاما إلى الحسم، بأن على الإنسان أن يتعلم في سبيلها الكفاح والموت.

المجتمع هو الذي يصنع السلطة ويهبها التفرد، فعندما يعمل الفرد بين جماعة سليمة في اية مهنة لا على التعيين ستضمر أهميته وشهرته، لكن مركزه الإجتماعي سيرتفع في مجتمع تزداد فيه نسبة من هم أقل شئنا منه سواء كان ذلك على مستوى العمل، أو المحصلة العلمية في ذات المهنة، فعلى سبيل المثال أصبح لرجل السياسة في العراق منزلة رفيعة بعد 2003 في وقت لم يكن يتمتع بهذه المنزلة من قبل. فله الآن دور معروف في البرلمان والحكومة بينما كان سابقا له مركز من دون أي دور بسبب سياسية الدولة الشمولية.

فعندما يرتفع صاحب المنزلة بفضل الناس فإنه يتعامل معهم بشكل عمودي فوقي متناسيا مساهمتهم في علو منزلته . إن مثل هذا التعامل الذي يصطنع مسافة بين الفرد والجماعة أو بين الجماعة وجماعة أخرى هو سلطة رمزية تستعمل لإشباع الرغبة الملحة في الهيمنة والتفرد. والتفرد إذا ما أتيح له الفرصة يتحول إلى استبداد وتعصب، وهذا الاستبداد في الوقت ذاته يمثل عواطف واضحة جدا بالنسبة للجماهير، يتفهمونها ويقبلونها بسهولة أن يمارسوها لحظة فرضها عليهم. فالجماهير تحترم القوة طوعا، ولا تنبهر بالطيبة، فهي شكل من أشكال الضعف بالنسبة لهم. لا تتعاطف الجماهير مع أسياد رحيمين، ولكن مع طغاة مستبدين سيطروا عليهم وسحقوهم بقوة. وهي دائما تخلد ذكراهم بنصب تماثيل عالية، فإذا داسوا بأقدامهم الدكتاتور المخلوع كما هو الحال في العراق بعد 2003 هذا لأنه فقد قوته وانضم إلى خانة الضعفاء المحتقرين الذين لا يخشونهم. إن نمط البطل العزيز على الجماهير سيكون دائما من يتخذ هيئة القيصر فعظمته تغويها، سلطته يفرضها عليها، وسيفه يدب الرعب في قلوبها، فالجماهير دائمة جاهزة للتمرد على السلطة الضعيفة، وتنحني بخنوع أمام السلطة القوية، وإذا كانت قوة السلطة متقطعة فإن الجماهير تعود للخضوع لعواطفها المتطرفة، وتنتقل بالتناوب من الفوضى الى العبودية، ومن العبودية الى الفوضى.

فمن يسلم نفسه للاستعباد يعمد الى قطع عنقه، والذي يكون حيال خيار الحرية أو العبودية، فيدع الحرية جانبا ويأخذ نير العبودية، هو الذي يرضى بالأذى، ولو تكلف شيئا لاستعادَ حريته، فهل هنالك أثمن من أن يكون ضمن حقه الطبيعي، لكن كثير من الناس يفضلون طمأنينة ما للعيش ببؤس على أمل غير مؤكد في العيش بحرية ورفاهية. يذهب سبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) الى أن كل فرد يطيع السلطة المطلقة إما بمحض اختياره، وإما خوفا من العقاب الشديد، ويضيف على ذلك: أن نظام المجتمع الذي يتحقق على هذا النحو هو نظام "ديمقراطي" ذلك أن الديمقراطية عنده هي اتحاد الناس في جماعة لها حق مطلق على كل ما في قدرتها، لكني أتقاطع مع سبينوزا في هذا الأمر؛ ذلك أن الفرد الذي ينفذ أمر إنسان أخر خوفا من العقاب، أو بمحض اختياره، ولا يفعل ما يمليه عليه العقل، أو بعبارة أخرى الذي لا يستطيع أن يختار بمحض إرادته فهو في أحط درجات العبودية، لأن الحرية في أدق معانيها تقوم على عنصري الاختيار والارادة أي أن يختار الفرد فعل شيء أو الامتناع عنه، والارادة هي علة الفعل وتجسيد للقدرة على الاختيار.

***

د. مسار غازي

............................

للاستزادة يرجع إلى:

- العقل والحرية: عبد الكريم سروش

- وهم الحرية: برهان شاوي

- الحرية الطوعية: إيتيان دو لا بوسي

- رسالة في اللاهوت والسياسة: اسبينوزا.

في المثقف اليوم