عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: حين تتحقق الرغبة.. هل ينتهي الحب؟

(الحبّ يتعلّق بما يفتقر إليه المرء، وبما لا يملكه).. أفلاطون، حوار المأدبة

(الحبّ هو الرغبة في التمتّع بالاتحاد مع الشيء الذي نعرف أنّه خير).. يودا أبرافانيل. ليون أبريو محاورات في الحب الحوار

من فلسفة أفلاطون إلى محاورات يودا أبرافانيل

هل نحبّ الآخرين لأننا نفتقد شيئًا لا نملكه، أم لأننا نكتشف فيهم قيمة تجعلهم جديرين بالحب، حتى بعد أن يصبحوا جزءًا من حياتنا؟ يفتح هذا السؤال بابًا فلسفيًا قديمًا حول طبيعة الحب وعلاقته بالرغبة والحاجة والامتلاك. فمنذ أفلاطون، ظل الحب موضوعًا للتأمل الفلسفي، لأنه يضع الإنسان أمام مفارقة: إذا كانت الرغبة تنشأ من النقص، فكيف نفسّر استمرار الحب بعد أن تتحقق الرغبة وتستقر العلاقة بين شخصين؟

أفلاطون: الحب بوصفه سعيًا إلى الجمال

في حوار «المأدبة» لأفلاطون، الذي يُعد من أبرز النصوص الفلسفية التي تناولت الحب، يعرض سقراط تصورًا يستمده من حواره مع ديوتيما، التي تشرح طبيعة إيروس، إله الحب والرغبة في الميثولوجيا اليونانية. وتروي ديوتيما أن إيروس وُلد من اجتماع الفقر والقدرة على تدبير الوسائل؛ ولذلك يجمع بين الحاجة والسعي، وبين الشعور بالنقص والقدرة على البحث عما يفتقده.

لا يظهر إيروس هنا بوصفه كائنًا يمتلك كل شيء، بل بوصفه قوة تتوسط بين الفقر والغنى، والجهل والحكمة. فالحب، وفق هذا التصور، ليس حالة من الاكتفاء التام، وإنما حركة تدفع الإنسان إلى طلب الخير والجمال. ومن هنا يأتي الارتباط بين الحب والفلسفة؛ فالفيلسوف هو محب الحكمة، لا من يدّعي امتلاكها كاملة، بل من يدرك حدود معرفته ويواصل السعي إلى تجاوزها.

غير أن أفلاطون لا يحصر الحب في الانجذاب الجسدي أو الرغبة في امتلاك شخص جميل. ففي خطاب ديوتيما يظهر ما يُعرف بسُلّم الحب، وهو مسار فلسفي يرتقي فيه الإنسان من الجمال المحسوس إلى إدراك أوسع للجمال.

تبدأ الرحلة بالانجذاب إلى جسد جميل، ثم يكتشف المحب أن الجمال لا يقتصر على جسد واحد، بل يمكن أن يتجلى في أجساد أخرى. وبعد ذلك ينتقل اهتمامه إلى جمال النفس، وما تتصف به من فضيلة وحكمة، ثم إلى جمال الأفعال والقوانين والمعرفة. ويتسع أفقه تدريجيًا حتى يبلغ التأمل في الجمال في ذاته، الذي لا ينحصر في شخص أو جسد أو شيء بعينه.

تكمن أهمية هذا التصور في أن الحب، عند أفلاطون، يمكن أن يتجاوز موضوعه الأول من دون أن يفقد معناه؛ إذ يصبح الانجذاب نقطة انطلاق نحو معرفة أعمق بالخير والجمال. وليس المقصود أن كل علاقة إنسانية تمر حتمًا بهذه المراحل، بل أن أفلاطون يقدم تصورًا عن قدرة الحب على الارتقاء بالإنسان وتوسيع أفقه.

لكن هذا التصور يثير سؤالًا أساسيًا: إذا كان الحب يبدأ بالرغبة في ما نفتقده، فهل يظل النقص شرطًا لاستمراره؟ وإذا كان المحب قد وصل إلى ما كان يسعى إليه، فهل ينتهي الحب بانتهاء المسافة بينه وبين المحبوب، أم أن العلاقة تستطيع أن تتجاوز الرغبة الأولى إلى شكل آخر من أشكال الارتباط؟

يودا أبرافانيل: الحب في فلسفة عصر النهضة

بعد قرون من أفلاطون، عاد التفكير في الحب إلى الواجهة في عصر النهضة الأوروبية، حين تجدد الاهتمام بالفلسفة اليونانية وتفاعلت التقاليد الفكرية المختلفة في فضاء ثقافي واسع. وفي هذا السياق برز الفيلسوف والمفكر اليهودي يودا أبرافانيل، المعروف باسم ليون أبريو، الذي ارتبط اسمه بكتاب «محاورات في الحب»، المنشور بعد وفاته في روما سنة 1535.

يأتي هذا الكتاب ضمن تقليد فلسفي تأثر بأفلاطون والأفلاطونية المحدثة، لكنه لم يكتفِ بتكرار الأفكار القديمة؛ بل جمع بين عناصر من الفلسفة اليونانية والتراث الفكري اليهودي والإسلامي والمسيحي، في محاولة لتقديم تصور شامل لطبيعة الحب وعلاقته بالإنسان والعالم.

ويتألف الكتاب من ثلاثة حوارات بين فيلون وصوفيا، تتناول الحب والرغبة، وعمومية الحب، وأصل الحب. ومن خلال هذه الحوارات يتجاوز أبرافانيل حدود العلاقة العاطفية الفردية، لينظر إلى الحب بوصفه مبدأً يمكن أن يفسر جوانب من الترابط بين الموجودات.

وفي سياق التمييز بين الحب والرغبة، يتيح لنا فكر أبرافانيل التأمل في الفرق بين اللذة المادية التي يرتبط إشباعها غالبًا بحاجة مؤقتة، وبين الخيرات المعنوية التي يمكن أن تزداد قيمتها بالممارسة والمعرفة. فالطعام يزيل الجوع، لكن الحاجة إليه تعود، واللذة الحسية قد تنتهي بعد تحققها. أما الفضيلة والمعرفة، فلا يلزم أن تفقدا قيمتهما عندما ننتفع بهما، بل يمكن أن يتعمق أثرهما في حياتنا.

ويعرّف أبرافانيل الحب، في أحد التعريفات الواردة في كتابه، من خلال الرغبة في التمتع بالشيء المعروف بأنه خير، مع الاتحاد به. وهذا التعريف مهم؛ لأنه لا يجعل الحب مجرد رغبة في الحصول على شيء مفقود، بل يربطه أيضًا بطبيعة العلاقة التي تنشأ بين المحب وما يحب.

وهنا يظهر اختلاف في زاوية النظر بين الفيلسوفين. فأفلاطون يبرز مسار الحب من الانجذاب إلى الجمال الحسي نحو إدراك الجمال في ذاته، بينما يوسّع أبرافانيل البحث في طبيعة الحب ليشمل الاتحاد بالمحبوب وعمومية الحب في العالم. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا الفرق إلى تعارض مطلق؛ فكلا المشروعين يستند إلى تراث فلسفي يرى في الحب أكثر من مجرد انفعال عابر أو رغبة جسدية.

الرغبة والحب: أين يكمن الفرق؟

يمكن تبسيط المسألة بالقول إن الرغبة تتجه غالبًا إلى شيء نريد الحصول عليه، بينما قد يتجاوز الحب مجرد الحصول إلى الرغبة في استمرار العلاقة بما نحب. لكن هذا التمييز ليس حدًا فاصلًا ثابتًا؛ فالرغبة قد تكون جزءًا من الحب، كما أن الحب نفسه قد يتضمن الشوق والحاجة إلى القرب.

عند أفلاطون، تكمن المسألة في إمكان ارتقاء الحب من الانجذاب إلى الجمال المحسوس نحو معرفة أوسع بالجمال والخير. أما عند أبرافانيل، فيبرز الحب بوصفه علاقة تتصل بالاتحاد بالمحبوب، ضمن تصور أوسع لطبيعة الحب في العالم.

ولنقرب الفكرة بمثال من الحياة اليومية: قد يرغب إنسان في الارتباط بشخص يحبه، ويظل يسعى إلى تحقيق هذه الرغبة حتى تصبح العلاقة واقعًا. فإذا كان الحب مجرد رغبة في الحصول على الآخر، فقد نتوقع أن ينتهي بعد تحقق المطلوب. لكننا نعرف أن علاقات كثيرة تستمر سنوات طويلة، وقد تزداد عمقًا مع مرور الزمن.

في هذه الحالات، لا يعود الحب مجرد انتظار أو سعي إلى امتلاك شيء مفقود؛ بل يصبح علاقة تقوم على المعرفة المتبادلة والمشاركة والثقة والمودة. ومع ذلك، لا يعني استمرار الحب أن أحد الطرفين امتلك الآخر امتلاكًا كاملًا؛ فالإنسان يظل كائنًا مستقلًا، له عالمه الداخلي وتجربته الخاصة، ولا تنتهي معرفتنا به بمجرد أن يصبح قريبًا منا.

ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الرغبة في امتلاك الآخر والرغبة في استمرار العلاقة معه. فالامتلاك يوحي بأننا حصلنا على شيء وأصبح تحت سيطرتنا، بينما تقوم العلاقة الإنسانية على الاعتراف باستقلال الطرف الآخر واحترام حريته. وقد يكون هذا الاعتراف أحد شروط استمرار الحب، لا عائقًا أمامه.

كذلك لا ينبغي أن نفهم التمييز بين الحب والشهوة على أنه فصل مطلق بين الجسد والروح. فالانجذاب الجسدي قد يكون بداية العلاقة، لكنه لا يفسر وحده جميع أشكال المحبة واستمرارها. ويمكن للحب أن يجمع بين الانجذاب والمودة والتفاهم والتقدير، وأن يتطور مع مرور الزمن من دون أن يفقد بالضرورة أيًا من هذه الأبعاد.

هل نحب لأننا نفتقد أم لأننا نريد الاستمرار؟

يكشف التأمل في أفكار أفلاطون وأبرافانيل أن الحب لا يمكن اختزاله في الرغبة وحدها، كما لا يمكن تفسيره بالامتلاك. فالرغبة قد تفسر بداية بعض العلاقات، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير استمرارها. وقد يكون الحب، في بعض صوره، سعيًا إلى الجمال والخير، وفي صور أخرى علاقة تتعمق بالمشاركة والمعرفة والارتباط المتبادل.

لقد منحنا أفلاطون تصورًا عن ارتقاء الحب من الجمال المحسوس إلى الجمال في ذاته، بينما وسّع أبرافانيل التفكير في الحب ليشمل الاتحاد بالمحبوب ومبدأ الحب في العالم. وبين هذين التصورين تظل التجربة الإنسانية أكثر اتساعًا من أن يحسمها تعريف واحد.

ولعل السؤال الأهم ليس ما إذا كان الحب يبدأ بالرغبة، بل ما الذي يحدث له بعد تحققها: هل تنتهي مهمته حين نحصل على ما نريد، أم تبدأ عندها مرحلة أخرى، يصبح فيها استمرار العلاقة أهم من مجرد بلوغ الغاية؟

ربما لا يقدم لنا الفلاسفة جوابًا نهائيًا عن الحب، لكنهم يساعدوننا على فهم السؤال بصورة أعمق. فالإنسان قد يرغب في الآخر لأنه يفتقده، لكنه قد يستمر في حبه بعد أن يصبح جزءًا من حياته؛ لا لأنه امتلكه، بل لأنه اكتشف في العلاقة معه قيمة لا تختزلها الحاجة ولا ينهيها تحقق الرغبة

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم