عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ياسر البتانوني: الوعظ الزائف وأزمة الضمير الإنساني

قراءة فلسفية في تناقض القول والفعل

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. [سورة الصف، آية 2، 3]

تضعنا هذه الآية الكريمة أمام واحدة من أخطر المعضلات الأخلاقية في حياة الإنسان؛ تلك التي تنشأ حين تنفصل الأقوال عن الأفعال، وتتحول القيم التي يفترض أن تكون ضابطا للسلوك وموجها للضمير إلى مجرد شعارات يرفعها أصحابها أمام الآخرين، بينما تأتي ممارساتهم مناقضة لها. فليست المشكلة أن يخطئ الإنسان، فالخطأ من طبيعة الوجود الإنساني، وإنما المشكلة الحقيقية أن يتخذ الإنسان من القيم ستارا يخفي وراءه نقائضه، وأن يعظ الناس بما لا يلتزم به، ثم يقدم نفسه إليهم باعتباره نموذجا للاستقامة والفضيلة.

وفي أيامنا هذه، يطل علينا كثير من الأشخاص عبر البرامج التي تبثها بعض القنوات الممولة، وكذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي وصفحات الفيسبوك، ليمارسوا الوعظ والإرشاد، ويتحدثوا بإسهاب عن القيم والمبادئ والأخلاق، ويتصدروا المشهد وكأنهم أوصياء على ضمائر الناس، وحراس الفضيلة، وأصحاب الحق في توزيع صكوك الاستقامة والانحراف. غير أن التأمل في بعض مواقف هؤلاء وسلوكياتهم يكشف عن مفارقة مؤسفة بين ما يقولونه وما يفعلونه، وبين الصورة الأخلاقية التي يرسمونها لأنفسهم والحقيقة التي تكشف عنها ممارساتهم.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما قيمة خطاب أخلاقي لا يجد صاحبه نفسه ملزما بما يدعو إليه؟ وما جدوى أن يحدثنا إنسان عن الفضيلة بينما تأتي أفعاله شاهدة على نقيضها؟ وأي معنى يبقى للوعظ حين يصبح اللسان أداة لتجميل الصورة، بدلا من أن يكون تعبيرا صادقا عن حقيقة الضمير؟

إن جوهر الأزمة هنا ليس مجرد تناقض عابر بين القول والفعل، وإنما هو خلل في العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين ما يعلنه من مبادئ وما يتخذه من مواقف. فالإنسان المتسق أخلاقيا لا يدعي الكمال، ولا يزعم أنه منزه عن الخطأ، ولكنه يدرك أن ما يدعو إليه الآخرين ينبغي أن يكون موضع مساءلة في سلوكه هو أولا. أما أن يجعل من نفسه واعظا للناس، ثم يستثني ذاته من مقتضيات ما يعظ به، فذلك يعني أنه يريد للقيم أن تكون قيدا على الآخرين، لا التزاما أخلاقيا عليه.

ولعل من أكثر النماذج دلالة على هذا التناقض أن يتحدث أحدهم عن أدب الاختلاف، والتسامح، وضرورة احترام الرأي الآخر، وحق الإنسان في التعبير عن قناعاته، ثم لا يلبث أن ينقلب على هذه المبادئ حين يواجه رأيا لا يوافق هواه، أو نقدا لا ينسجم مع مصالحه، فيلجأ إلى الإساءة والتشهير والتقليل من شأن مخالفيه، وربما حاول ورسم صورة ذهنية كاذبة للنيل من أشخاصهم بدلا من مناقشة أفكارهم.

فأي أدب للاختلاف هذا الذي ينتهي عند أول اختلاف حقيقي؟ وأي إيمان بحرية الرأي ذلك الذي لا يصمد أمام رأي مغاير؟ إن الدعوة إلى التسامح لا تختبر حين يتفق الناس معنا، وإنما تظهر حقيقتها حين نختلف معهم. واحترام الآخر ليس شعارا نردده في أوقات الرضا، بل قيمة تتجلى في قدرتنا على قبول الاختلاف دون أن نفقد احترامنا للإنسان، أو ننحدر بالحوار إلى الخصومة الشخصية.

ومن هنا، فإن الحديث عن أدب الاختلاف دون ممارسته لا يمثل مجرد إخفاق في تطبيق مبدأ أخلاقي، بل يكشف عن هشاشة هذا المبدأ في وعي صاحبه، أو عن توظيفه توظيفا انتهازيا لتحقيق غاية لا علاقة لها بالحقيقة التي يعلن الدفاع عنها. فالذي يدعو إلى الحوار ثم يقمعه، ويتحدث عن احترام الآخرين ثم يهينهم، لا يناقض كلامه فحسب، وإنما يهدم بفعله الأساس الأخلاقي الذي يستمد منه كلامه قيمته ومصداقيته.

والأمر ذاته ينطبق على أولئك الذين يتحدثون عن القيم والمبادئ والأخلاق، بينما تكشف مواقفهم عن سلوكيات تتناقض مع ما يعلنونه، فيتبدلون بتبدل السلطة والمصالح، ويتخذون لكل موقف وجها، ولكل صاحب نفوذ خطابا، ولكل مصلحة موقفا يناسبها. إنهم من أصحاب الوجوه المتعددة الذين لا تحكم مواقفهم قاعدة أخلاقية ثابتة، وإنما تحركهم حسابات شهوة السلطة والمنفعة والمصلحة، حتى تصبح المبادئ لديهم قابلة للتبديل متى اقتضت الضرورة ذلك.

ومثل هؤلاء لا تكمن خطورتهم في تناقضهم الشخصي وحده، بل في قدرتهم على استثمار الخطاب الأخلاقي في بناء صورة زائفة عن أنفسهم، صورة توحي للآخرين بالنزاهة والاستقامة والمثالية، بينما تستخدم في بعض الأحيان وسيلة لاكتساب الثقة أو تحقيق النفوذ أو تمرير المصالح. وهنا تتحول الفضيلة من غاية ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في حياته إلى قناع يرتديه حين يحتاج إليه، ثم يخلعه حين تتعارض مقتضياتها مع رغباته ومكاسبه.

وهذا هو الجانب الأكثر خطورة في الوعظ الزائف؛ لأنه لا يكتفي بالإخلال بالقيمة الأخلاقية، بل يستغل مكانتها في نفوس الناس لتغطية ما يناقضها. فالإنسان الذي يعلن انحيازه إلى مصلحة شخصية لا يضلل الآخرين بالطريقة نفسها التي يضللهم بها من يتحدث باسم الحق والفضيلة، بينما يتخذ من الخطاب الأخلاقي وسيلة لتحقيق تلك المصلحة. وفي الحالة الثانية يصبح الوعظ نفسه أداة للتضليل، وتصبح الثقة التي يمنحها الناس لصاحب الخطاب مدخلا لاستغلالهم بدلا من الارتقاء بوعيهم.

ولا يعني ذلك أن كل من يتحدث عن الأخلاق مطالب بأن يكون معصوما من الخطأ، أو أن الإنسان يفقد حقه في النصح لمجرد أنه أخطأ في حياته؛ فذلك تصور غير واقعي، ولا يستقيم مع طبيعة الإنسان التي تجمع بين القدرة على إدراك الخير وإمكان الوقوع في الخطأ. إن الفارق الحقيقي يكمن في موقف الإنسان من خطئه، هل يعترف به ويسعى إلى إصلاحه، أم يتعامى عنه ويتظاهر بالكمال؟ وهل ينصح الآخرين انطلاقا من إيمانه بقيمة ما يدعو إليه، أم يتخذ من نصحهم وسيلة لإخفاء عيوبه وتعزيز صورته أمامهم؟

إن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل قد يكون دليلا على نضج ضميره، أما الإصرار على ادعاء الفضيلة مع ممارسة نقيضها فيكشف عن أزمة أعمق من مجرد الخطأ؛ أزمة تتعلق بقدرة الإنسان على مواجهة ذاته بصدق، واستعداده لتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعاله.

ومن المؤسف أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالتناقض بين أقوالهم وأفعالهم، بل يتجاوزون ذلك إلى ممارسة دور القاضي الأخلاقي الذي ينصب نفسه حكما على الآخرين، فيحصون أخطاءهم، ويضخمون عثراتهم، ويصدرون عليهم الأحكام القاسية، بينما ينظرون إلى أخطائهم هم بعين أخرى، تبررها أو تتجاهلها أو تبحث لها عن مسوغات. وهنا نكون أمام مفارقة أخلاقية تستحق التأمل، وهي "كيف يصبح الإنسان شديد البصر بعيوب الآخرين، شديد العمى عن عيوب نفسه؟"

إنها صورة من صور اختلال الوعي بالذات؛ إذ ينشغل الإنسان بإدانة ما يراه من نقائص في الآخرين، بينما يعجز عن ممارسة القدر نفسه من النقد تجاه ذاته. وقد يصل الأمر إلى أن يسقط على الآخرين ما يضيق بالاعتراف بوجوده في نفسه، فيحارب فيهم صفات لا يريد أن يواجه حقيقتها في داخله، ويبالغ في اتهامهم بما يخشى أن ينكشف من سلوكه هو.

وهنا لا يعود النقد وسيلة للبحث عن الحقيقة أو إصلاح الخطأ، بل يتحول إلى أداة للدفاع عن الذات وتحصينها ضد المساءلة. فالإنسان الذي لا يستطيع مواجهة نقائصه قد يلجأ إلى تضخيم نقائص الآخرين، لا لأنه أكثر حرصا على الأخلاق، وإنما لأنه يجد في إدانتهم وسيلة لإقناع نفسه وتضليل الآخرين بأنه أفضل منهم.

وما أشد خطورة هذه الحالة حين تجتمع مع ذات متضخمة لا تقبل النقد، ولا تحتمل أن يضع أحد سلوكها موضع المساءلة، بينما تمنح نفسها الحق في محاكمة الجميع، فمثل هذه الذات تريد أن تحتكر لنفسها موقع الناصح والمرشد والحكم، لكنها ترفض أن تخضع للمعيار الأخلاقي الذي تطالب الآخرين بالاحتكام إليه. إنها تريد سلطة الأخلاق دون التزاماتها، ومكانة الفضيلة دون مشقتها، واحترام الناس دون أن تقدم لهم ما يبرر هذا الاحترام.

وليس من الصعب إدراك ما يترتب على هذا السلوك من أضرار؛ فهو يفسد معنى النصيحة، ويضعف الثقة في الخطاب الأخلاقي، ويجعل الناس أكثر شكا فيمن يتصدرون لتوجيههم، بل قد يدفع بعضهم إلى النفور من القيم نفسها بسبب ما يرونه من تناقض لدى من يدعون إليها. وهنا تقع الخسارة الحقيقية؛ إذ لا تتوقف آثار الوعظ الزائف عند صاحبه، وإنما تمتد إلى المجال العام، حيث تختلط الفضيلة بالادعاء، ويصبح من الصعب على الناس التمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الذي يوظف الأخلاق لتحقيق أغراض أخرى.

وتزداد هذه المسؤولية حين يستخدم أصحاب هذا الخطاب المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية التي تتيح لهم الوصول إلى جمهور واسع والتأثير في وعيه ومواقفه. فالظهور المتكرر، والقدرة على التأثير في المتلقين، لا يمنحان صاحبهما حصانة أخلاقية، ولا يجعلان كلامه دليلا على صدقه أو أهليته. بل إن اتساع دائرة التأثير يضاعف مسؤوليته، لأن الكلمة التي تصدر عن شخص يتابعه الآلاف قد تترك آثارا تتجاوز حدود تجربته الفردية.

ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الخطاب ليس ارتفاع نبرته، ولا كثرة ترديده للمواعظ، ولا قدرته على استمالة الجمهور عن طريق اللغة الخطابية التعبوية، وإنما صدقه واتساقه مع السلوك الذي يصدر عن صاحبه. فليس كل من أحسن الحديث عن الفضيلة فاضلا، وليس كل من أكثر من الاستشهاد بالقيم أصدق الناس التزاما بها. وقد يكون المرء قليل الكلام، لكنه يجسد في معاملاته ما يعجز عنه كثيرون ممن يملؤون الدنيا حديثا عن الأخلاق.

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تخبرنا بما ينبغي أن نكون عليه، بقدر ما نحتاج إلى خطاب صادق يعيد الاعتبار إلى القيم من خلال الممارسة، وإلى أشخاص يدركون أن النصيحة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وأن الوعظ التزام قبل أن يكون وسيلة للظهور، وأن الحديث عن الأخلاق لا يعفي صاحبه من واجب التحلي بها.

ولعل أول شروط استعادة الثقة في الخطاب الأخلاقي أن يدرك من يتصدرون له أنهم ليسوا فوق النقد، وأن مكانتهم لا تبنى على ما يعلنونه عن أنفسهم، وإنما على ما يثبتونه من صدق واتساق في مواقفهم. كما ينبغي أن نتحرر من الانخداع بالمظاهر، وألا نجعل البلاغة في الحديث أو كثرة الاستشهاد بالنصوص أو ادعاء الغيرة على القيم بديلا عن فحص السلوك والحكم على المواقف بميزان موضوعي.

فالفضيلة لا تحتاج إلى من يكثرون الحديث عنها بقدر ما تحتاج إلى من يتحملون مسؤولية ممارستها، والأخلاق لا تقاس بما نرفعه من شعارات، وإنما بما نفعله حين تتعارض المبادئ مع المصالح، وحين يصبح الصدق مكلفا، والإنصاف صعبا، واحترام الآخر امتحانا حقيقيا لقدرتنا على الالتزام بما ندعي الإيمان به.

يجب أن نتذكر جميعا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الضمير الإنساني ليس أن يخطئ صاحبه، وإنما أن يفقد القدرة على رؤية خطئه، وأن يستبدل بمحاسبة الذات محاكمة الآخرين، وأن يتخذ من الفضيلة ستارا يحتمي خلفه من مقتضياتها. فحين يحدث ذلك، يصبح الوعظ وسيلة للتمويه بدلا من أن يكون طريقا للإصلاح، وتغدو الكلمات التي يفترض أن توقظ الضمائر أداة لتخديرها.

إن القيمة الأخلاقية للإنسان لا تتحدد بما يقوله عن نفسه، ولا بما يعلنه من مبادئ، وإنما بما تكشف عنه مواقفه حين تتعارض مصالحه مع قيمه، وبما يفعله حين لا يكون مضطرا إلى التظاهر أمام أحد. فهناك، بعيدا عن بريق المنابر وضجيج المنصات، يظهر المعدن الحقيقي للإنسان، وتتجلى حقيقة ما يؤمن به، ويسقط الفرق بين الفضيلة بوصفها شعارا والفضيلة بوصفها أسلوب حياة.

فليس أشد إيذاء للفضيلة من أن يتخذها بعض الناس قناعا، وليس أشد إفسادا للوعي من أن يتحول الوعظ إلى سلطة على الآخرين، بينما يعفي صاحبه نفسه من أبسط مقتضيات ما يدعو إليه. وحين ينفصل القول عن الفعل، لا يفقد الكلام مصداقيته فحسب، بل يصبح صاحبه جزءا من الأزمة الأخلاقية التي يزعم أنه جاء ليعالجها.

***

بقلم: د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم