عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سعد عبد المجيد: التعصب بين الدين والقومية والوطن

من الانتماء إلى الإقصاء.. قراءة في جذور الهوية والصراع

لستُ الوحيد الذي استفزّه حديث السيدة آلاء حسين في حوارها مع المذيعة منى سامي؛ فقد أثار ذلك الحوار ردود فعل واسعة، وعبّر عشرات، وربما مئات، عن مواقف متباينة، فمنهم من عارضها أو هاجمها، ومنهم من أيدها ودافع عنها.

وبصرف النظر عن مواقف المؤيدين والمعارضين، فإن ما يستحق التأمل هو أن العاطفة والتعصب كانا المحركين الأساسيين لكثير من تلك المواقف والردود، أكثر مما كان التفكير الهادئ أو الرغبة في الفهم والحوار. وليست هذه الواقعة إلا نموذجاً معاصراً لظاهرة أوسع، تتمثل في كيفية تحوّل الانتماء، حين يُستثار، من رابط إنساني جامع إلى طاقة غضب تُقصي الآخر وتُغلق أبواب الحوار.

وقد دفعني ذلك إلى البحث في آراء علماء الاجتماع والمفكرين الذين تناولوا هذه الظاهرة، ومن بينهم الدكتور علي الوردي والمفكر ماجد الغرباوي والدكتور عبد الجبار الرفاعي ، الذي أجد في آرائه ما يعينني على فهم كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية، وأعود إليها كلما احتجت إلى رؤية أعمق؛ فعند جهينة الخبر اليقين.

وأرجو أن أكون قد وُفّقت في هذا البحث، وأن يسهم هذا المقال في فهم طبيعة هذه الصراعات ودوافعها، واستيعاب آثارها التي كلّفت مجتمعاتنا الكثير من الأرواح والأموال، وما زالت تلقي بظلالها على حاضرنا ومستقبلنا.

مقدمة

ينتمي الإنسان بطبيعته إلى جماعات تشكل جزءاً من هويته ووجدانه؛ فهو ينتمي إلى دين يؤمن به، وقومية يعتز بتاريخها وثقافتها، ووطن يرتبط بأرضه وذكرياته وأهله. وهذه الانتماءات، في أصلها، تمنحه الشعور بالأمان والهوية والتضامن مع الآخرين، وتسهم في بناء المجتمعات واستمرارها.

غير أن هذه الروابط الإيجابية قد تتحول أحياناً إلى مصادر للتعصب والصراع، عندما يتجاوز الاعتزاز بالانتماء حدوده الطبيعية، ويصبح شعوراً بالتفوق على الآخرين، أو اعتقاداً بأن الجماعة التي ينتمي إليها الإنسان أحق من غيرها بالحقيقة والحقوق والمكانة.

ومن هنا يبرز تساؤل يستحق التأمل: أيّ أنواع التعصب أشد قوة وتأثيراً في الإنسان والمجتمع؛ التعصب الديني، أم القومي، أم التعصب للوطن والأرض؟ وهل يمكن المفاضلة بينها بصورة مطلقة، أم أن خطورتها تتحدد بالظروف التي تنشأ فيها وبالطريقة التي تُوظف بها؟

الانتماء والتعصب: أين يبدأ الاختلاف؟

من الضروري التمييز بين الانتماء والتعصب. فحب الإنسان لدينه أو قوميته أو وطنه ليس في حد ذاته تعصباً، كما أن اعتزازه بثقافته وتاريخه لا يعني بالضرورة انتقاصه من ثقافات الآخرين. فالانتماء الصحي يقوم على الاعتزاز بالذات واحترام الآخر، بينما يبدأ التعصب عندما تتحول الهوية إلى حاجز نفسي واجتماعي يفصل الإنسان عن المختلفين معه، ويجعله ينظر إليهم باعتبارهم أقل شأناً أو تهديداً لجماعته.

وقد تناول عالم النفس الاجتماعي هنري تاجفيل (Henri Tajfel) هذه المسألة من خلال نظرية الهوية الاجتماعية، موضحاً أن انتماء الفرد إلى جماعة معينة يسهم في تشكيل صورته عن نفسه، وقد يدفعه إلى تفضيل جماعته على الجماعات الأخرى. وهذا الميل قد يتحول إلى تمييز وإقصاء عندما يقترن بالتعصب. لكن التمييز بين الانتماء والتعصب لا يكفي وحده لفهم الظاهرة؛ إذ يبقى سؤال الحدود الفاصلة بينهما مطروحاً: متى يصبح الدفاع عن الهوية دفاعاً مشروعاً، ومتى ينحرف إلى إقصاء؟ والواقع أن هذا الحد ليس ثابتاً، بل تحدده طبيعة الخطاب الذي يُنتج حول الهوية، ومدى اعترافه بحق الآخر في الوجود والاختلاف. فالدفاع عن الهوية يصبح تعصباً حين يتحول من حماية الذات إلى إنكار الآخر، ومن الاعتزاز بالخصوصية إلى ادعاء الاحتكار.

التعصب الديني: عندما يصبح الاختلاف صراعاً على الحقيقة

يتميز الانتماء الديني بخصوصية لا تتوافر بالضرورة في سائر الانتماءات؛ فهو يرتبط لدى المؤمن بالعقيدة والضمير والمقدس، وقد يتجاوز حدود المصالح الدنيوية ليصبح جزءاً أساسياً من معنى الحياة والوجود. وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (Émile Durkheim)، في كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية»، إلى الدور الذي يؤديه الدين في توحيد الجماعات من خلال المعتقدات والطقوس والرموز المشتركة.

غير أن المشكلة تظهر عندما يعتقد المتعصب أن امتلاكه للحقيقة الدينية يمنحه حق الحكم على الآخرين، أو عندما يتحول الاختلاف في العقيدة والمذهب إلى مبرر للتكفير والإقصاء والاضطهاد. وفي مثل هذه الحالات، قد يكتسب الصراع طابعاً يتجاوز الخلاف على المصالح، لأن المتعصب قد يرى أنه يدافع عن مقدس لا يجوز التنازل عنه. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الإيمان والتعصب؛ فالتدين يمكن أن يكون مصدراً للتسامح والتراحم واحترام الإنسان، مثلما يمكن أن يُستغل لتبرير الكراهية والعنف.

التعصب القومي: عندما تتحول الهوية إلى شعور بالتفوق

أما التعصب القومي، فيستند إلى روابط الأصل واللغة والتاريخ والثقافة والذاكرة المشتركة. وقد يكون مصدر اعتزاز مشروع بالهوية والتراث، لكنه يتحول إلى خطر عندما يتخذ شكل الاعتقاد بتفوق قومية على غيرها، أو الادعاء بأنها أرقى ثقافياً أو عرقياً.

وقد قدم المفكر بندكت أندرسون (Benedict Anderson)، في كتابه «الجماعات المتخيلة»، تفسيراً مهماً لطبيعة الشعور القومي، موضحاً كيف يشعر أفراد الأمة بأنهم ينتمون إلى جماعة واحدة، حتى وإن لم يعرف معظمهم بعضهم بعضاً. وهذا الشعور قادر على خلق روابط قوية بين ملايين البشر، ودفعهم إلى التضحية من أجل أمتهم. لكنه قد يتحول، في ظروف معينة، إلى نزعة إقصائية وعدوانية، خصوصاً عندما تقترن القومية بالتفوق العرقي أو التوسع أو رفض الأقليات. وقد أظهرت تجارب التاريخ أن التعصب القومي، عندما يتحول إلى أيديولوجية سياسية متطرفة، يمكن أن يؤدي إلى حروب مدمرة واضطهاد جماعات بشرية بأكملها.

التعصب الوطني: حب الأرض أم إقصاء الآخرين؟

يختلف حب الوطن عن التعصب القومي، وإن كان الاثنان قد يتداخلان أحياناً. فالوطن يرتبط بالأرض والذاكرة والتاريخ والمصالح المشتركة، كما يرتبط لدى الإنسان بالأسرة والطفولة واللغة والمكان الذي تشكلت فيه حياته. وقد يدفع الشعور بالانتماء الوطني الإنسان إلى التضحية دفاعاً عن استقلال بلاده وسيادتها وكرامة شعبها، وهذا تعبير مشروع عن المواطنة والوفاء للوطن.

لكن هذا الانتماء قد ينحرف عندما يصبح حب الوطن مرادفاً لرفض الآخر، أو عندما يُنظر إلى المواطنين المختلفين في الدين أو القومية أو الثقافة باعتبارهم أقل ولاءً أو استحقاقاً لحقوق المواطنة. ومن المهم هنا التمييز بين الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية، والقومية التي قد تستند إلى الأصل أو اللغة أو الثقافة؛ فالوطن الذي يجمع أبناءه على أساس الحقوق والواجبات المشتركة يكون أكثر قدرة على الاستقرار والتماسك من وطن تُقاس فيه درجة الانتماء بمعيار الدين أو الأصل أو العرق.

وقد ميزت الباحثة ليوني هَدي (Leonie Huddy) بين الوطنية (Patriotism) والقومية (Nationalism)، موضحة أن الاعتزاز بالوطن لا يستلزم بالضرورة الشعور بالتفوق على الشعوب الأخرى، وهو ما يجعل التمييز بين الوطنية الإيجابية والقومية المتطرفة ضرورياً.

الجذور الاجتماعية والنفسية: قراءة خلدونية

قبل الانتقال إلى تحليل الحالة العراقية، لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة التعصب ليست وليدة اللحظة الراهنة، فلها جذور ضاربة في تاريخ الاجتماع البشري. وقد رأى ابن خلدون، في مفهومه للعصبية، أن الروابط الاجتماعية التي تجمع أفراد الجماعة وتدفعهم إلى التناصر والتضامن تمثل عاملاً أساسياً في قيام الدول والممالك. كما أشار إلى قدرة الدين على تعزيز العصبية وتوسيع دائرة التماسك بين أفراد الجماعة.

غير أن ابن خلدون نفسه كان واعياً بأن العصبية سلاح ذو حدين: فهي ضرورية لقيام الدولة، لكنها تحمل في طياتها بذور انحطاطها عندما تتحول إلى استبداد وإقصاء. وهذا الوعي الخلدوني المزدوج، بأهمية العصبية وخطرها في آن واحد، يظل إطاراً تحليلياً بالغ الصلة بموضوعنا.

المفكرون العراقيون: من العصبية إلى الأنسنة

يكتسب تناول هذه المسألة أهمية إضافية عند الرجوع إلى كتابات عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، الذي تناول العصبيات الاجتماعية والقبلية والطائفية من منظور اجتماعي ونفسي، متأثراً بمفهوم العصبية عند ابن خلدون. فقد انتقد الوردي تغليب الولاء للجماعة على الحكم الموضوعي والعقل النقدي، وتناول مظاهر التعصب الطائفي والقومي والقبلي، ولا سيما عندما يُستغل الدين لتكريس الانقسام بين الجماعات. وتكشف تحليلاته أن التعصب لا ينشأ دائماً من قناعة فكرية أو عقائدية مستقلة، فهو يتغذى من المصالح والتقاليد والبيئة الاجتماعية، ويصبح الفرد مستعداً للدفاع عن جماعته حتى عندما تكون مخطئة، لمجرد أنها جماعته.

ويمكن القول إن إسهام الوردي الأهم في هذا السياق هو تفكيكه للخطاب الذي يقدّم التعصب كقناعة فكرية، وكشفه عن الأبعاد النفسية والاجتماعية الكامنة خلفه؛ فهو يرى أن كثيراً من المتعصبين لا يدافعون عن عقيدة بقدر ما يدافعون عن ذواتهم المهددة، وعن مكانتهم في جماعة تمنحهم شعوراً بالانتماء والتعويض عن إحباطاتهم.

يطرح المفكر العراقي ماجد الغرباوي في كتابه «التسامح ومنابع اللا تسامح: فرص التعايش بين الأديان والثقافات» رؤية مهمة للعلاقة بين الانتماءات الدينية والقومية والوطنية. فهو يرى أن التسامح الحقيقي لا يعني التفضل على الآخر أو التساهل معه من موقع الشعور بالتفوق، وإنما الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفي العقيدة والتعبير والمشاركة في الحياة العامة. ويربط ذلك بمفهوم المواطنة، التي لا تتحقق إلا بالاعتراف المتبادل بالحقوق وقبول التعايش السلمي بين المواطنين. ومن هذا المنطلق، لا يجوز أن تتحول العقيدة أو القومية إلى معيار للمفاضلة بين أبناء الوطن الواحد، أو إلى ذريعة للإقصاء والتمييز؛ فالوطن ومصلحته المشتركة ينبغي أن يكونا الإطار الجامع لجميع مواطنيه، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم.

أما المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فينطلق من منظور فلسفي وإنساني يضع كرامة الإنسان فوق انتماءاته الدينية والقومية والمذهبية. ويميز بين الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية تمنح الإنسان معنى لحياته، وبين تحويله إلى أيديولوجيا مغلقة تحتكر الحقيقة وتقصي المختلفين.

وفي كتابه «الهوية في شراك الايدلوجيا»، يقدم الرفاعي تشخيصاً مهماً لأزمة الانتماء في العراق، إذ يرى أن الانقطاع الطويل في تجربة الدولة، وهشاشة تراكمها التاريخي، أسهما في إضعاف حضور العراق بوصفه كياناً وطنياً جامعاً في وجدان المواطن. ونتيجة لذلك، تقدمت في كثير من الأحيان الانتماءات الطائفية والعرقية على الانتماء الوطني. ولا يقف تحليله عند حدود الهوية والانتماء، فهو يربط ضعف الشعور بالوطن بتراجع القدرة على العمل المؤسسي الجماعي، وضعف التراكم الثقافي والحضاري. فالمواطن الذي لا يرى في عمله وإنجازه إسهاماً في بناء وطنه وتعزيز مستقبله، قد لا تتكون لديه الدوافع الكافية للمحافظة على المؤسسات وتطوير التجارب الناجحة والبناء عليها.

ومن خلال هذا التشخيص، تتضح أهمية وجود هوية وطنية جامعة تحتضن التنوع الديني والقومي والمذهبي، وتجعل المواطنة والمصير المشترك أساساً للعلاقة بين أبناء الوطن، دون أن تلغي خصوصياتهم الثقافية والعقائدية. وتلتقي هذه الرؤية مع دعوته إلى الأنسنة واحترام الاختلاف؛ إذ إن تجاوز التعصب لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى التسامح، وإنما ببناء ثقافة تعترف بكرامة الإنسان وحقوقه، وتفصل بين حق الفرد في الاعتزاز بانتمائه وبين ادعاء جماعته احتكار الحقيقة أو الأفضلية على الآخرين.

وهنا يمكن الجمع بين رؤية الوردي ورؤية الرفاعي: فالأول يساعدنا على فهم الجذور الاجتماعية والنفسية للعصبيات، والثاني يلفت نظرنا إلى أهمية بناء هوية وطنية جامعة وإرساء ثقافة إنسانية تحترم التعدد والاختلاف.

التوظيف السياسي والاقتصادي للتعصب

لا يمكن فهم ظاهرة التعصب بمعزل عن السياقات السياسية والاقتصادية التي تحتضنها وتغذيها. فالتعصب هو مورد سياسي واقتصادي يُستثمر من قوى متعددة.

ففي مجتمعات ما بعد الاستعمار، غالباً ما استُخدم الخطاب القومي كأداة لتعبئة الجماهير وشرعنة أنظمة حكم مركزية، كما استُخدم الخطاب الديني في سياقات أخرى لتبرير الاستبداد أو لتسويق ولاءات سياسية. وفي العراق خصوصاً، ارتبط صعود الولاءات الفرعية بسياسات المحاصصة والريع النفطي، حيث أصبح الانتماء الطائفي أو العرقي قناة للحصول على الوظائف والامتيازات والخدمات، لا مجرد هوية ثقافية. وهكذا، تحوّل التعصب من ظاهرة اجتماعية إلى اقتصاد سياسي كامل؛ له مصالحه وشبكاته ومستفيدوه.

وقد أسهمت وسائل الإعلام في تعميق هذا المسار، حين تحولت بعض المنصات إلى منابر لخطاب الكراهية والتخوين، تُنتج صورة نمطية عن الآخر وتجعل من الاختلاف تهديداً وجودياً. والنتيجة أن التعصب لا ينمو في فراغ، بل في بيئة تنتجه وترعاه وتستفيد منه.

أيّ أنواع التعصب أشد قوة وتأثيراً؟

لا يبدو أن هناك إجابة علمية قاطعة يمكن تعميمها على جميع المجتمعات والعصور. فشدة التعصب تتأثر بالظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية، وبمدى ارتباط هوية الفرد بالجماعة التي ينتمي إليها. فالتعصب الديني قد يكون أشد رسوخاً عندما يرتبط بالمقدس والمصير الأخروي، والتعصب القومي قد يكون أكثر قدرة على التعبئة الجماعية عندما يُستثار الشعور بالهوية والأصل والتفوق، أما التعصب الوطني فقد يبلغ ذروته عندما تتعرض الأرض والاستقلال والسيادة لتهديد خارجي.

لكن هذه الانتماءات قد تجتمع في الإنسان الواحد، وقد تتعاون أو تتصادم بحسب الظروف والمصالح والتصورات السائدة. ولعل المشكلة لا تكمن في قوة الانتماء الديني أو القومي أو الطائفي، فقد تكمن أيضاً في ضعف الإطار الوطني الذي ينظم هذه الانتماءات ويجعلها تتعايش ضمن مواطنة متساوية ومصير مشترك.

وتبدو التجربة العراقية مثالاً يستحق التأمل في هذا السياق؛ إذ إن ضعف حضور الهوية الوطنية الجامعة قد يفسح المجال أمام الولاءات الفرعية لتحتل مساحة أوسع في الحياة العامة، على حساب الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن ومؤسساته ومستقبله. وبعبارة أخرى: الخطر الأكبر يكمن في غياب الإطار الجامع الذي يحتويه ويوازن بينه.

نحو ثقافة مضادة للتعصب: ما العمل؟

إذا كان تشخيص الظاهرة ضرورياً، فإن السؤال العملي عن كيفية تجاوزها لا يقل أهمية. فالتعصب لا يُواجَه بالوعظ وحده، لكن بسياسات وثقافات ومؤسسات.

على المستوى التربوي، يلزم إعادة النظر في المناهج التعليمية لتُرسّخ ثقافة المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، لا ثقافة التفوق والاستعلاء. فالطفل الذي يتعلم أن الاختلاف ثراء لا تهديد، يصبح أقل قابلية للانجرار وراء خطاب الإقصاء.

وعلى المستوى الإعلامي والثقافي، ينبغي بناء خطاب عام يرفض التخوين والكراهية، ويعترف بالتعدد بوصفه واقعاً وطنياً لا استثناءً يُتحمّل.

وعلى المستوى المؤسسي، فإن معالجة اقتصاد المحاصصة والريع، وبناء مؤسسات دولة قادرة على تقديم خدماتها لكل المواطنين بمعيار المواطنة لا الانتماء، هو الشرط المادي الأهم لتجاوز التعصب؛ إذ لا يمكن مطالبة الناس بالمواطنة المتساوية في ظل نظام يوزع الحقوق على أساس الهوية.

وعلى المستوى الفكري، تبقى مهمة المفكرين والمثقفين هي تفكيك الخطابات الاحتكارية، وإعادة طرح سؤال الإنسان قبل سؤال الجماعة، كما فعل الوردي والرفاعي وغيرهما.

الإنسان قبل الانتماء

من الضروري ألا ننظر إلى أي جماعة بشرية باعتبارها كتلة متجانسة؛ فالمجتمعات، مهما تشابه أفرادها في الدين أو القومية أو الثقافة، تضم أشخاصاً متفاوتين في خلفياتهم، وطباعهم، ومستويات وعيهم، وثقافتهم، وسلوكهم. فمنهم الصالح ومنهم المسيء، ومنهم المتسامح ومنهم المتعصب. وليس كل متدين متعصباً، وليس كل معتز بقوميته مؤمناً بالتفوق على الآخرين، وليس كل محب لوطنه رافضاً لمن يختلف معه في الدين أو الأصل. إن اختزال جماعة بشرية كاملة في سلوك بعض أفرادها ظلم يتنافى مع أبسط قواعد العدالة والإنصاف؛ فلا تُحمّل الجماعات بأكملها مسؤولية تصرفات أفرادها، ولا يجوز أن يصبح الاختلاف في الهوية سبباً للانتقاص من الحقوق والكرامة الإنسانية.

خاتمة: الانتماء الذي لا ينتقص من الإنسان

إن الدين والقومية والوطن روابط إنسانية واجتماعية يمكن أن تكون مصادر للتضامن والبناء والاستقرار، لكنها تفقد قيمتها الأخلاقية عندما تتحول إلى أدوات للكراهية والإقصاء والصراع. فالإيمان لا يحتاج إلى كراهية أصحاب المعتقدات الأخرى، والاعتزاز بالقومية لا يستلزم الانتقاص من القوميات الأخرى، وحب الوطن لا يكتمل إلا باحترام جميع أبنائه، على اختلاف أديانهم وأصولهم وثقافاتهم.

وخلاصة ما تقدم أن التعصب هو نتاج ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية يمكن معالجتها. والانتماءات، مهما تعددت، لا تكتسب مشروعيتها الا من مقدار ما تحفظه من كرامة الإنسان وحقوقه، وما تقدمه للمجتمع من تضامن وعمل مشترك وبناء مؤسسي. فالانتماء قيمة إنسانية حين يجمع، والتعصب آفة اجتماعية حين يفرق؛ ولا يتحقق تجاوز هذه الآفة إلا ببناء إطار وطني جامع، ومؤسسات عادلة، وثقافة تعترف بالإنسان قبل أي انتماء.

***

د. سعد مجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم