عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هدى جاب الله: ماضينا ليس قيدًا.. ومستقبلنا ليس مستوردًا

نحن لا نختار بين ماضٍ ومستقبل. نحن نختار، في كل لحظة، أيَّ وجه من وجوهنا نريد أن يُطلّ على العالم. وأنا أرفض تلك الثنائية التي تضعنا أمام اختيارين: إما أن نتمسك بالتراث ونغلق أبوابنا، وإما أن نكون حديثين فنخلع ذاكرتنا. من قال إن الطريق إلى المستقبل يمر فوق أنقاض الماضي؟ ومن أقنعنا بأن العقل لا يتحرر إلا إذا أنكر جذوره؟

أنا لا أرى في الحداثة خصمًا للتراث؛ فالحداثة ليست حكرًا على الغرب، وإن كان لها تاريخها الأوروبي، وليست ملكية جغرافية لحضارة بعينها. إنها ترتبط بالحرية والعقلانية والقدرة على النقد وإنتاج المعرفة. ولا أرى في التراث سجنًا للعقل، فالتراث نفسه قد يكون مصدرًا للتجديد. المشكلة ليست في الماضي، بل في الذين يريدون أن يعيشوا فيه بدلًا من أن يفهموه، ويعتقدوا أنهم ملاك الحقيقة المطلقة. وليست في الحداثة، بل في الذين يريدون استيرادها دون أن يمتلكوا شجاعة إنتاجها.

ومن جهة أخرى، لا تعني الحداثة هدم كل ما ورثناه، أو القطيعة معه، كما أن المحافظة على التراث لا تعني رفض النقد أو التجديد، فالهوية لا تعني إغلاق العقل أمام النقد أو المراجعة والتجديد والتمسك بالجذور لا ينبغي أن يمنعنا من مد فروعنا نحو العالم. الحداثة الحقيقية شجاعة قبل كل شيء؛ شجاعة أن تسأل، وأن تشك، وأن تراجع. شجاعة أن تعترف بأن ما قاله السابقون ليس نهاية المعرفة، وأن ما يقوله المعاصرون ليس الحقيقة الأخيرة.

تختبر هذه الشجاعة حين نمتلك عقلًا منتجًا لا مستهلكًا، وبشكل حاسم حين نقترب من أكثر الملفات حساسية في تراثنا: العلاقة بين النص الديني والسلطة السياسية. الحداثة أن نصنع نحن السؤال بدلًا من استعارة الإجابة من الغرب. أرفض أن تظل أوروبا هي المقياس الذي نقيس به قدرتنا على التفكير. لقد أنتجت الحضارات جميعها معرفة، وليس هناك عقل متحرر يحمل جنسية بعينها، ولا فضيلة لها وطن جغرافي.

أما التراث، فلا أقبل أن يتحول إلى تهمة نضطر إلى الدفاع عن أنفسنا أمامها كلما تحدثنا عن التجديد. وفي الوقت نفسه، لا أقبل أن يتحول إلى حصن يمنعنا من الاقتراب منه بالنقد. التراث تجربة بشرية واسعة، فيها إبداع العقل، وفيها اجتهاداته، وفيها اختلافاته وصراعاته، وفيها ما يستحق الاعتزاز وما يستوجب المراجعة، واحترام السابقين لا يعني أن نمنح أفكارهم حصانة لم يمنحوها لأنفسهم، لقد كانوا يفكرون في زمانهم، ومن حقنا أن نفكر في زماننا، بل إن أعظم وفاء لهم هو ألا نكررهم، وإنما أن نمتلك شجاعتهم في الاجتهاد والاختلاف.

فليس التراث قبرًا نسكنه، ولا متحفًا نتفرج عليه، إنه ذاكرة يمكن أن تمد الحاضر بالحياة، شرط ألا نسلمه مفاتيح عقولنا.

وتُختبر هذه الشجاعة بصورة أكثر حساسية حين نقترب من أحد أكثر الملفات تعقيدًا في تراثنا الفكري: العلاقة بين النص الديني والسلطة السياسية، وهذه الازدواجية في التعامل مع التراث، تتجلى بشكل أوضح حين نتعامل مع النص الديني وتوظيفه السياسي. إنني أرفض أن يُحاكم الإسلام بأخطاء حاكم رفع اسمه، أو باستبداد جماعة تحدثت باسمه، أو بتفسير بشري اتخذه صاحبه سندًا لمصلحة سياسية. لا يصبح الظلم إسلامًا لأن صاحبه استشهد بآية. ولا تتحول المصلحة السياسية إلى حكم إلهي لأن الحاكم ألبسها ثوب الدين.

ومن الضروري أن نميز بين الدين، وفهم الإنسان للدين وتأويله، والمؤسسات التي تتولى تفسيره، والسلطة التي تستخدم هذا التفسير لحماية نفوذها. وإذا لم نمتلك القدرة على التمييز بين هذه المستويات، فلن نكون قد نقدنا الدين، وإنما خلطنا بين المقدس والبشري. ومن ثم، فإن توظيف الدين في المجال السياسي لا يعني أن الدين نفسه هو مصدر الاستبداد؛ فهناك فرق بين المرجعية الدينية وبين التأويل البشري الذي قد يتحول إلى أداة لتبرير السلطة.

ولست أدافع عن سلطة دينية، ولا أقبل أن يتحدث الحاكم باسم الله ليحمي نفسه من سؤال الناس. فالإيمان لا يمنح بشرًا عصمة، والانتماء إلى الدين لا يحول الحاكم إلى صاحب حق مطلق في الطاعة، كما أن العدل ليس زينة يضعها الحاكم على خطابه، وإنما معيار يُقاس به حكمه. والسلطة ليست فوق الأخلاق، بل هي أول من ينبغي أن يخضع لمعيارها؛ لأنها تملك من القوة ما يجعل مسؤوليتها أكبر.

لكنني أرفض أيضًا أن تتحول الحداثة إلى سلطة جديدة تمارس الوصاية على عقولنا، فليس كل من رفع شعار العقل عقلانيًا، وليس كل من تحدث عن الحرية يحترمها. قد يتحدث إنسان باسم الدين ليقصي الآخر، وقد يتحدث آخر باسم التقدم والتنوير ليفعل الشيء نفسه. وقد تُستخدم العلمانية أيديولوجيا مغلقة، مثلما تستخدم السلطة الدينية أيديولوجيا مغلقة. والمشكلة في الحالتين ليست في الاسم الذي ترفعه المرجعية، وإنما في تحويلها إلى وسيلة لمصادرة حق الآخرين في التفكير والاختلاف

إنني أتحيز للعقل، ولكنني لا أقبل أن يتحول العقل إلى شعار سلطوي، وأتحيز للحرية، ولكنني لا أقبل أن تكون الحرية امتيازًا للبعض وحرمانًا للبعض الآخر. ولعل ما نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى هو أن نعيد النظر في معنى الثابت والمتحول، فليس كل ثابت مقدسًا، وليس كل متحول تقدمًا.

هناك قيم لا أقبل التنازل عنها: العدل، والكرامة الإنسانية، والرحمة، والمسؤولية، ورفض الظلم. وهناك تفسيرات وممارسات صنعتها ظروف تاريخية، ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نراجعها.

لا أرى تعارضًا بين أن نتمسك بالعدل وأن نغير طرق تحقيقه، ولا بين أن نحترم مرجعيتنا الدينية ونصون كرامتها، ومع ذلك نعيد فحص اجتهادات البشر حولها. إن القيمة الأخلاقية قد تظل قائمة، بينما تتغير صور التعبير عنها ومؤسسات حمايتها. وهذا هو التجديد الذي أدافع عنه: تجديد لا يهدم كل شيء كي يثبت أنه حديث، ولا يحفظ كل شيء كي يثبت أنه أصيل.

ولعل ما نحتاج إليه هو تأسيس مشروع أخلاقي عربي لا يستمد مشروعيته من مجرد انتسابه إلى الماضي، ولا يتنكر لجذوره كي يبدو حديثًا. مشروع يستوعب ما في الموروث من قيم وخبرات، لكنه يضعها دائمًا أمام سؤال الإنسان وكرامته وحريته. فالأخلاق لا تفقد أصالتها حين تتجدد، كما أنها لا تكتسب مشروعيتها لمجرد أنها موروثة.

إن الإنسان العربي لن يتحرر حين يختار بين تراثه وحداثته. سيتحرر حين يدرك أن كليهما ملكه، وأن من حقه أن يتصرف فيهما كمالك، لا كعبد للماضي ولا كسائح في حداثة الآخرين. لن ننهض بترديد أمجاد الأجداد، ولا بالوقوف مبهورين أمام إنجازات الغرب. سننهض حين نمتلك حق السؤال، وجرأة الاختلاف، وشجاعة الاعتراف بالخطأ.

نحن لا نحتاج إلى ماضٍ نختبئ فيه، ولا إلى غربٍ نستعير منه أنفسنا، نحتاج إلى عقل نقدي يعرف جذوره ولا يقيم فيها إلى الأبد، ويفتح نوافذه للعالم دون أن يخلع بابه.

فالحداثة الحقيقية ليست في أن ننسلخ من جلودنا لنرتدي جلود الآخرين، ولا في أن نتحصن في أقبية الماضي، بل في شجاعتنا على الوقوف في الحاضر، وأن نصنع من تراثنا منطلقًا، ومن إنسانيتنا معيارًا، وألا نسمح لأي سلطة، قديمة كانت أم حديثة، أن تسرق منا حقنا في أن نفكر.

***

أ.د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله

 

في المثقف اليوم