عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: دعوة لاستعادة العقل والإنسان

في نوفمبر، شهر الفلسفة، يعود السؤال عن جدوى التفكير الفلسفي. لماذا نحتاج إلى الفلسفة؟؟

الفلسفة ليست بعيدة عن حياتنا كما نتخيل، وليست حبيسة القاعات الأكاديمية أو المصطلحات المعقدة أو سجالات الفلاسفة حول الوجود والمعرفة والحقيقة. إنها تسكن تفاصيل أيامنا، حتى تلك التي لا نلتفت إليها.

حين نقف أمام غلاء الأسعار ونتساءل عن العدالة، فنحن نمارس سؤالا فلسفيا.

 وحين نرى إنسانا يسحقه الظلم ونتساءل عن قيمة القانون، فنحن أمام سؤال في فلسفة الأخلاق والسياسة. وحين نختلف مع شخص في معتقده أو رأيه، ثم نقرر أن نحترم حقه في الاختلاف، نكون قد اختبرنا معنى الحرية والتعددية عمليا، لا نظريا

وحين نسأل لماذا أصبح الكذب أكثر قدرة على الانتشار من الحقيقة، ولماذا يستطيع خطاب الكراهية أن يحشد الآلاف بينما تعجز فكرة إنسانية بسيطة عن الوصول إليهم، فنحن لا نناقش مجرد ظواهر اجتماعية، بل نقترب من أسئلة الفلسفة حول العقل والوعي والحقيقة وطبيعة الإنسان.

الفلسفة موجودة في البيت أيضا؛ في الطريقة التي نربي بها أبناءنا. وفي قدرتنا على الاستماع إليهم دون أن نصادر عقولهم، وفي علاقتنا بالمرأة، وفي تصورنا للسلطة داخل الأسرة، وفي المسافة التي نتركها للآخر كي يكون نفسه، لا نسخة منا

إنها موجودة في المدرسة التي لا تعلم الطفل كيف يحفظ الإجابات، لكنها تعلمه كيف يصنع سؤالا، وفي المجتمع الذي يطالب أبناءه بالتفكير أكثر مما يطالبهم بالطاعه، وفي الخطاب الذي يعطي مساحه للنقد بدلا من حصانة اليقين،

بل إن الفلسفة تظهر بوضوح أكبر حين نتأمل تناقضاتنا اليومية؛ نطالب بالحرية لأنفسنا ونضيق بها على غيرنا، نرفض الظلم حين نكون ضحاياه ونبرره حين يخدم مصالحنا، ندافع عن الكرامة الإنسانية في الشعارات، ثم نهدرها في تعاملاتنا الصغيرة. نطالب العالم بأن يكون أكثر عدلا، دون أن نسأل أنفسنا عن نصيبنا من صناعة الظلم.

هنا تحديدا تصبح الفلسفة ضرورة، لأنها لا تكتفي بأن تسأل عن أخطاء العالم، بل تضع الإنسان نفسه موضع المساءلة.

العالم يا ساده لم يعد يعاني ندرة المعرفة، بل يعاني أحيانا عجزا عن تحويل المعرفة إلى حكمة، والمعلومات إلى وعي، والتقدم التقني إلى تقدم إنساني

نملك هواتف تصل بنا إلى أطراف العالم في ثواني، لكننا نعجز أحيانا عن الوصول إلى إنسان يجلس بجوارنا. نستطيع أن نتبادل آلاف الكلمات يوميا، لكننا لا نحسن دائما الإصغاء. نمتلك أدوات هائلة للتواصل، بينما تتسع المسافات النفسية بين البشر.

والمفارقة أن الإنسان الذي استطاع أن يضع قدميه على سطح القمر لا يزال في بعض المجتمعات يخشى سؤالا، أو يطارد امرأة بسبب ملابسها، أو يقصي إنسانا بسبب عقيدته، أو يحكم على آخر من خلال اسمه وهويته وانتمائه

وأخطر ما قد يحدث للإنسان. ان يعتاد القبح وأن يتوقف عن الدهشة أمام ما يستحق الدهشة، وعن التمرد أمام ما يستوجب الاحتجاج.. الفلسفة تقاوم هذا الاعتياد. إنها تعيد الأشياء إلى موضع السؤال، وتنتزع المألوف من منطقة الاطمئنان، وتذكرنا بأن ما اعتدناه ليس بالضرورة صحيحا، وما ورثناه ليس بالضرورة مقدسا، وما تقبله الأغلبية ليس بالضرورة عادلا.

إنها لا تمنحنا إجابات جاهزة بقدر ما تعلمنا ألا نستسلم للإجابات الجاهزة، ولا تعدنا بعالم بلا تناقضات، لكنها تمنحنا القدرة على رؤية التناقض وفهمه ومقاومته

وفي عالم يحاول تصنيف البشر إلى جماعات وهويات متصارعة، تصبح الفلسفة تذكيرا بأن الإنسان يسبق كل تصنيف، وأن كرامته لا ينبغي أن تكون مشروطة باسم أو دين أو جنس

لذلك، لا أريد للفلسفة أن تبقى مناسبة نحتفل بها في نوفمبر، ثم نتركها وحيدة بقية العام. أريدها أن تكون حاضرة حين نتخذ قراراتنا، وحين نختلف، وحين نحكم على الآخرين، وحين نربي أبناءنا، وحين نمارس حقوقنا، وحين نواجه الظلم، وحين نراجع أفكارنا ومواقفنا

واريد ان اقول ليست قيمة الفلسفة فيما نعرفه عن أفلاطون وأرسطو وكانط ونيتشه، على أهمية ذلك كله، بل فيما تفعله هذه المعرفة بعقولنا، وفي مقدار ما تمنحنا من شجاعة لمراجعة أنفسنا والعالم.

ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الذين يعرفون كيف يتحدثون عن الفلسفة، بقدر ما يحتاج إلى الذين يستطيعون أن يعيشوا بعض قيمها: أن يكونوا أكثر عدلا، وأقل تعصبا، وأكثر تواضعا أمام الحقيقة، وأشد احتراما لحرية الإنسان.

وإذا كان نوفمبر موعدا للاحتفاء بالفلسفة، فليكن احتفاؤنا الحقيقي بها أن نحرر التفكير من عزلته، ونعيده إلى نبض الحياة، وأن نجعل الإنسان، لا الأيديولوجيا ولا الموروث ولا الأوهام، مركزا لكل سؤال وغاية لكل معرفة

ليكن احتفالنا بالفلسفة هذا العام أن نخرج بها من الكتب إلى الشوارع، ومن قاعات الدرس إلى تفاصيل الحياة، وأن نواجه بها كل ما ينتقص من حرية الإنسان

أيها الأصدقاء، احتفوا بالفلسفة؛ لأنها تعلمنا ألا نعيش على هامش وعينا، وألا نستعير عقول الآخرين لنفكر بها، وألا نخلط بين ما اعتدناه وما ينبغي أن يكون. احتفوا بها لأنها تمنح السؤال شجاعة المواجهة، والعقل حقه في الشك والمراجعة، والاختلاف مساحته المشروعة، وتذكرنا بأن الإنسان أكبر من كل تصنيف، وأن كرامته أسبق من كل انتماء.

احتفوا بها لأنها لا تعدنا بحياة خالية من الألم، لكنها تمنحنا وعيا يجعلنا أكثر قدرة على فهم الحياة، ومقاومة قبحها، وصون إنسانيتنا

احتفوا بها لأنها تذكرنا بأن وراء كل وجه حكاية، ووراء كل اختلاف إنسانا، ووراء كل حقيقة ندعي امتلاكها احتمالا اخر يمكن أن يكون صحيحا

كل عام والفلسفة وكل المشتغلين بها، والباحثين في أسئلتها، والمخلصين لروحها بخير

كل عام وأنتم أوفياء لدهشة السؤال، وشجاعة الاختلاف، ونبل البحث عن الحقيقة، وألا تفقدوا أبدا ذلك الشغف الجميل

دمتم للفلسفة، ودامت الفلسفة نافذة للعقل، ومساحة للحرية، وأفقا لا ينغلق أمام الإنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم