قراءة في كتاب
عبد الرحمن مزيان: تأملات قارئ في كتاب: "دروب المعنى
"دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة"
ليست بعض الكتب مجرد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش. والجزء الأول من كتاب «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي ينتمي إلى هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة جديدة داخل القارئ نفسه.
لقد شعرتُ، وأنا أتنقل بين صفحاته، أنني لا أقرأ أفكارًا بقدر ما أرافق تجربة إنسان يبحث عن المعنى في الدين والفلسفة والحياة، تجربةٍ تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز التفكير الديني والتربوي والأخلاقي.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن سؤال المعنى يظل خيطًا ناظمًا لكل الأفكار. ليس المعنى هنا مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل حاجة وجودية يعيشها الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه وأمله. الدين، في هذا الأفق، ليس منظومة مغلقة من الأحكام، بل أفقٌ روحي وأخلاقي وجمالي يمنح الحياة معناها. "الدين حياة في أفق المعنى" بتعريف الرفاعي، "معنى وجود الإنسان وحياته" هو المحور الذي يلتقي فيه الدين بالحب والجمال برأي الرفاعي. من هذه الزاوية، يصبح الإيمان مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون موقفًا اعتقاديًا، ويصبح الضمير الأخلاقي معيارًا لفهم الدين وتجديده. لقد نجح الرفاعي في إعادة طرح سؤالٍ قديم بصيغة جديدة:
كيف يمكن للدين أن يظل حيًّا في عالم متغير دون أن يفقد إنسانيته؟
الإجابة التي تتشكل عبر صفحات الكتاب تقول إن الدين يفقد روحه عندما ينفصل عن الإنسان، ويستعيد حيويته عندما يتحول إلى طاقةٍ ملهمة للرحمة والمحبة والجمال والسلام. بهذا المعنى، لا يكون تجديد الفكر الديني صراعًا مع التراث، بل قراءةً نقدية له، واستئنافًا للمعاني الأخلاقية والروحية والجمالية في نصوصه، عبر قرائتها بأدوات المعرفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.
من أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو الإصرار على أن الأخلاق هي المعيار النهائي للدين. الأخلاق قبل الدين، لا معنى للدين بلا أخلاق، النصوص الدينية تفقد معناها إذا لم تُثمر إنسانًا أرحم وأكثر مسؤولية. الدين الذي لا يوقظ الضمير الأخلاقي، ولا يحمي كرامة الإنسان، يتحول إلى أداة يمكن أن تُستغل في الصراع والهيمنة بدل أن تكون مصدرًا للسكينة.
هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة. الفلسفة هنا ليست خصمًا للدين، بل شريكًا في البحث عن المعنى. الدهشة والنقد والتساؤل ليست تهديدًا للإيمان، بل طريقًا لإنضاجه. الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتوقف عن النمو، والدين الذي يخاف النقد يفقد قدرته على الحياة.
كما يبرز في الكتاب حضورٌ قوي لفكرة التربية الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. الإنسان، مهما بلغ من النضج، يظل في حاجة إلى تربيةٍ متواصلة للروح والقلب والضمير.
هذه التربية لا تقوم على الوعظ المجرد، بل على المثال الإنساني الحي، وعلى العلاقات التي تُنمّي الثقة والمحبة والرحمة داخل المجتمع، وفي المدرسة خاصة.
ومن موقع قارئٍ يعمل في التربية، بدت لي صفحات الكتاب وكأنها تذكيرٌ عميق بأن التربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان. الكلمة التي تشجع طفلًا قد تغيّر حياته، والعلاقة الإنسانية الصادقة داخل الفصل قد تكون أبلغ من أي منهج. في هذا المعنى، تصبح التربية امتدادًا للأخلاق، ويصبح المعلم حاملًا لمنهاجٍ خفيٍّ يتجلى في سلوكه قبل كلامه.
يظهر كتاب «دروب المعنى» حساسيةً عالية تجاه تعقيد النفس الإنسانية، ويقدّم طبيعة الإنسان كما يفهمها الرفاعي بقوله: "الطبيعة الإنسانية ملتقي الأضداد"، إذ تجتمع في أعماقها قابلية الخير وقابلية الشر، والنور والظلمة، والسمو مع الانحدار. لا يرى الرفاعي الإنسان كائنًا بسيط البنية أو منسجمًا، وإنما كائنًا قلقًا، خائفًا، هشًّا، مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكفي فيه الذكاء وحده ليصونه من الانحراف، لأن الذكاء قد يتحول إلى أداة تبرير أو وسيلة سيطرة ما لم يرافقه ضمير أخلاقي يقظ. من هنا تأتي أهمية الصمت الداخلي، والتأمل، والقدرة على مراجعة الذات باستمرار، بوصفها شروطًا للنضج الإنساني. مراجعة الذات بوصفها شرطًا للإنصات إلى الأعماق، وإعادة وصل الإنسان بذاته، وتحرير وعيه من ضجيج التبريرات السريعة والأحكام المتعجلة. التأمل، في هذا الأفق، ليس ترفًا روحيًا، وإنما ممارسة وجودية تعيد للإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ومساءلة دوافعه، وتمييز ما يصدر عنه من اندفاع أو خوف أو طمع. كما يتعلّم الإنسان في التأمل كيف يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر تواضعًا أمام ضعفه، وأكثر مسؤولية في اختياره للخير وهو يدرك أن الشر يسكنه أيضًا.
في عالمٍ سريع التحول، يتوقف الكتاب عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويرى فيها فرصةً بقدر ما هي تحدٍّ. الهوية الرقمية المتغيرة تفرض على التربية والدين أن يجددا لغتهما وأدواتهما، دون أن يفقدا جذورهما الإنسانية.كل هويةٍ ترفض صيرورة التاريخ تنغلق على نفسها، بينما الهوية الحية هي التي تتفاعل مع العالم دون أن تفقد معناها.
كما يتجلى في الكتاب اهتمامٌ واضح بفكرة التعددية الدينية والثقافية. الأديان، على الرغم من اختلافها، تشترك في رصيدٍ روحي وأخلاقي يمكن أن يكون أساسًا للتعايش والسلام. لأن "الإيمان يتكلم لغة واحدة، بينما المعتقدات تتكلم لغات شتى" يقول الرفاعي.
الاحترام المتبادل، لا التسامح المتعالي، هو القاعدة الأخلاقية التي تسمح بإدارة الاختلاف الإنساني. ومن خلال هذه الرؤية، يصبح الدين تجربةً وجودية شخصية، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية اجتماعية. الإيمان ليس انسحابًا من العالم، بل حضورٌ أخلاقي فيه.
بعد هذه الرحلة مع الكتاب، يشعر القارئ أن ما يبقى في النهاية ليس مجموعة أفكار منفصلة، بل روحٌ إنسانيةٌ واحدة تجمع بينها: روح المحبة والرحمة والسلام، والبحث عن المعنى، والإيمان بقدرة الإنسان على أن يصبح أفضل.
هذه الكتابة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل تدعو إلى مواصلة الرحلة. الأسئلة الكبرى لا تنتهي، والمعرفة تتسع بقدر ما يتسع وعينا بجهلنا، والحياة تظل طريقًا مفتوحًا نحو المعنى.
شكراً للدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذا العمل الذي يذكّرنا بأن الدين يحتاج إلى قلبٍ بقدر ما يحتاج إلى عقل، وأن التربية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه، وأن الطريق إلى الله يمر دائمًا عبر الحب والرحمة بالإنسان.
قراءة هذا الكتاب لم تكن نهاية مسار، بل بداية وعيٍ أكثر هدوءًا، وأكثر امتنانًا، وأكثر إنصاتًا لصوت الإنسان في الداخل.
***
عبد الرحمن مزيان – كاتب من المغرب






