قراءة في كتاب

ليلى تبّاني: غاية الدين الإنسان.. وغاية الإنسان الحبّ

والحبّ هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا.. قراءة في كتاب "الدين والكرامة الانسانية " للمفكّر العراقي " عبد الجبّار الرفاعي"

لا يكاد قارىء أن يفتح كتابا مثل كتاب "الدين والكرامة الإنسانية "، إلاّ ويخرج عن هدوء القارئ التقليدي، بل ويدخل بروح مشاكسة، كأنّه يقول للكاتب:

ـــــ  "أقنعني… لكن لا تحاصرني".

لأنّك لا ترضى بإيمان مُعلّب، ولا بعقيدة تُسلَّم لك كما تُسلَّم الوصايا. إيمانك ليس تمرّدا على الله، بل تمرّدا على الصور الجاهزة عنه. وهنا تحديدا يلتقي قلقك الخلّاق مع مشروع عبد الجبار الرفاعي. لتقتنع أنّك تبحث عن إيمان ذي تجربة حيّة، وأنت تقرأ الكتاب يخيّل إليك بأنّه رسالة موجّهة إلى روح تقول : "أؤمن… لكنّني أرفض أن أُختزل في قوالب ضيقة ". فالكتاب لا يدافع عن دين ضد آخر، ولا عن عقيدة في مواجهة أخرى، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والدين على قاعدة تراتبية أساسها الكرامة، فالدين إن لم يكن حارسا لكرامة الإنسان، يفقد مبرّره الأخلاقي. ومن هنا يبدأ المشروع كلّه بسؤال حاسم: هل يخدم هذا الفهمُ للدين إنسانيةَ الإنسان أم ينتقص منها؟

يرى الرفاعي أن الإيمان ليس منظومة قضايا تُحفظ، بل حالة وجودية تُعاش. هو لا يُختزل في برهان عقلي ولا في تعريف كلامي، بل هو نور يوقظ الروح ويمنح القلب طمأنينته. وبهذا المعنى يغدو الإيمان قفزة وجودية لا نتيجة منطقية، وتُفسّر التجربة الدينية على أنّها خبرة شخصية لا يمكن اختزالها في نسق لاهوتي. الإيمان عند الرفاعي لغة واحدة في عمقه، وإن تعددت العقائد في سطحها، لأن الطمأنينة والخشوع والرجاء خبرات إنسانية مشتركة، بينما تنشأ الصراعات في مستوى المفاهيم والهويات. الإيمان هنا ليس إنكارا للعقيدة، بل رفضٌ لتحوّلها إلى سجن مفاهيمي .

ينتقل الكتاب إلى الطبيعة الإنسانية بوصفها ساحة أضداد. فالإنسان كائنٌ تلتقي في أعماقه الرحمة والقسوة، الفجور والتقوى، النور والظل. غير أن الحسم لا يتم بالقسر بل بالحب، لأنّ الحب هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا. الحب عند الرفاعي ليس زينة روحية، بل القوة التي تُرجّح كفة الخير في صراع الأضداد، فالدين بلا حب يتحول إلى قسوة، والإيمان الذي لا يُثمر رحمة يبقى ناقصا.

الكرامة هي المفصل المركزي في الكتاب، فهي قيمةٌ أصيلة، حضورها يعني حضور إنسانية الإنسان.  فالكرامة ليست منحة من سلطة، أو منّة من شخص، بل حقيقة وجودية سابقة على كل تشريع، غير أن الرفاعي يمنح هذه الفكرة بعدا روحيا فيجعلها مقصد الدين ذاته. لذلك يصبح كل تفسير ينتقص من كرامة الإنسان تفسيرا متعارضا مع روح الدين، بهذا المعنى، يغدو التأويل مسؤولية أخلاقية، فليس كل ما قيل باسم الدين يعبر عن حقيقته، بل يُختبر بقدر ما يصون حرية الإنسان وكرامته... كأنّها دعوة صريحة من الرفاعي لإعادة النظر في الاجتهاد والفتوى.

ومن هنا ينبع نقده للتديّن حين يتحالف مع السلطة.  المشكلة ليست في الدين كأفق للمعنى، بل في تحوّله إلى أيديولوجيا وهوية مغلقة. يمكن أن نستحضر تحليلات ميشيل فوكو Michel Foucault حول تداخل الخطاب والسلطة، لكن الرفاعي لا ينتهي إلى الشك أو التفكيك العدمي، بل إلى استعادة البعد الرحماني للدين. فالدين، في جوهره، ينبغي أن يكون قوة تحرير لا أداة إخضاع، ومساحة اتساع لا وسيلة تضييق.

التجديد هنا ليس تمرّدا على التراث بل وفاء لروحه. تجديد فهم الدين يتطلب شجاعة نقد التراث دون القطيعة معه، وعيا بأن النصوص نزلت في سياقات، وأن حفظ الكرامة اليوم يقتضي قراءة تاريخية أخلاقية لا تكرارا حرفيا. فالتجديد ضرورة أخلاقية لأنّه يحمي الإنسان من أن يُسحق باسم الماضي. (فالانسان ابن زمانه وبيئته)

يبدو أن الكتاب كلّه يتحرّك في مدار واحد هو "إعادة الدين إلى الإنسان"، لا إلغاء الدين ولا تأليهه على حساب الإنسان. فالإيمان حسبه، نورٌ وجودي يوقظ الروح، والحب طاقته الأخلاقية، والكرامة معياره الأعلى. فإذا تحوّل الدين إلى هوية مغلقة ضاقت القلوب واتسعت الصراعات، وإذا صار تجربة حيّة في القلب اتسعت القلوب وضاقت أسباب العداوة. في هذا الأفق يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا بلا ضيق، باحثا بلا خوف، لأن الإيمان الذي يصون كرامته وكرامة غيره هو الإيمان الذي يستحق أن يُعاش. (نهج تصوّفي).

نسلّم في الأخير، بأنّ الكتاب دعوة لإعادة أنسنة الدين، لا لعلمنته ولا تفريغه. كأنه مشروع روحي-أخلاقي، يرى أن مستقبل التديّن يتوقف على قدرته في أن يكون حارسا للكرامة، بقناعة أن لا دين حيثما فقدت السعادة، ولا سعادة بمنأى عن كرامة الإنسان، فالدّين حين يُفهم في أفق المعنى يُثمر حرية ورحمة وكرامة، وحين يُختزل في هوّية مغلقة يُنتج خوفا وصراعا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في المثقف اليوم