أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: نظرية التأويل الرشدي
حدودها الإبستمولوجية وإمكاناتها المعاصرة
يشكّل التأويل في التراث الإسلامي أحد المفاتيح المركزية لفهم العلاقة المعقّدة بين النص والعقل، بين الوحي والفلسفة وبين الدلالة الظاهرة والمعنى الباطن. وإذا كان سؤال التأويل قد اتخذ صيغاً متعددة منذ مباحث المتكلمين حول المحكم والمتشابه، إلى تنظيرات الأصوليين في دلالات الألفاظ، فإن لحظة ابن رشد تمثل ذروة تركيبية فريدة، حيث تبلورت نظرية في التأويل ذات طابع إبستمولوجي صريح، لا تُفهم إلا في سياق مشروعه العام الذي سعى إلى إعادة وصل ما انقطع بين الشريعة والحكمة، وإلى ترميم الشرخ الذي أحدثه سوء الفهم المتبادل بين أهل النظر وأهل النقل.
لم يكن التأويل عند ابن رشد مجرد أداة لغوية لتجاوز ظاهر النص، بل كان ضرورة معرفية يفرضها اختلاف مدارك الناس ومراتبهم في الفهم. فهو ينطلق من مسلمة أن الشرع حق وأن الحكمة حق، وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». هذه العبارة التي ترد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ليست مجرد تقرير توفيقي، بل هي إعلان عن مبدأ معرفي يقوم على وحدة الحقيقة وتعدد طرق الوصول إليها. فإذا كانت الشريعة تخاطب الجمهور بلغة التمثيل والتشبيه، فإن البرهان الفلسفي يخاطب الخاصة بلغة البرهان والقياس. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التأويل حين يبدو التعارض بين ظاهر النص ومقتضى البرهان اليقيني.
لقد تشكّل وعي ابن رشد التأويلي في سياق جدل حاد مع تيارات فكرية متباينة؛ فهو من جهة وارث للفلسفة المشائية كما صاغها أرسطو، ومن جهة أخرى منخرط في نقاش نقدي مع المتكلمين، وخصوصاً مع أبو حامد الغزالي الذي رأى في الفلسفة خطراً على العقيدة كما تجلّى ذلك في كتابه تهافت الفلاسفة. وكان رد ابن رشد في تهافت التهافت مناسبة لإعادة تحديد طبيعة النظر البرهاني وحدود التأويل المشروع. فهو يميز بين البرهان والجدل والخطابة، ويؤكد أن النصوص التي ظاهرها التشبيه يجب حملها على التأويل إذا قام البرهان القطعي على خلاف ظاهرها، لكن بشرط أن يكون المؤوِّل من أهل البرهان، وأن لا يُشاع التأويل بين الجمهور حتى لا يفضي إلى اضطراب عقائدهم.
تتأسس نظرية التأويل الرشدية على تمييز دقيق بين مراتب الدلالة. فالنص الشرعي عنده يتضمن مستويات من المعنى، بعضها قريب يدركه الجمهور وبعضها عميق لا يدركه إلا الراسخون في العلم. وهو في هذا يستند إلى الآية الكريمة: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، غير أنه يقرؤها قراءة تجعل الرسوخ في العلم شرطاً لإدراك التأويل، لا مجرد مقام روحي. هذا الرسوخ ليس ذوقاً صوفياً، بل ملكة برهانية تقوم على التمرّس بالقياس المنطقي كما قرره أرسطو في الأورغانون. إن التأويل الرشدي ليس انزياحاً حراً للمعنى، بل هو انتقال مضبوط من الدلالة الحسية أو المتخيلة إلى الدلالة المعقولة، وفق قانون الضرورة البرهانية.
إن الحد الإبستمولوجي الأول لنظرية التأويل عند ابن رشد يتمثل في اشتراط البرهان القطعي. فحيث لا يوجد برهان يقيني، لا يجوز العدول عن الظاهر. وهذا الشرط يضع قيداً صارماً على النزعة التأويلية ويمنعها من الانفلات إلى تخمينات ذهنية أو أهواء مذهبية. وهو بهذا يختلف عن بعض مسالك المتكلمين الذين وسّعوا دائرة التأويل استناداً إلى مقدمات ظنية. فابن رشد يصرّ على أن «كل من أول شيئاً من الشرع بغير برهان فقد افترى على الشرع». هذه العبارة تكشف عن وعي بخطورة التأويل حين يتحول إلى أداة لفرض تصورات مسبقة على النص.
غير أن هذا الشرط نفسه يكشف عن إشكال إبستمولوجي عميق: ما معيار القطع في البرهان؟ هل هو البرهان الأرسطي كما تلقاه ابن رشد في صيغته المشائية، أم أن مفهوم البرهان نفسه تاريخي ومتغير؟ هنا تتبدى حدود المشروع الرشدي، إذ يفترض ثباتاً في نموذج العقل البرهاني، ويجعل منه مرجعاً أعلى للحقيقة. وإذا كان هذا الافتراض مفهوماً في سياق القرن السادس الهجري، حيث كانت الفلسفة الأرسطية تمثل ذروة العقلانية، فإن تحولات المعرفة الحديثة تفرض إعادة نظر في مفهوم البرهان ذاته. ومع ذلك فإن القيمة الدائمة في مشروعه لا تكمن في نموذج البرهان بعينه، بل في المبدأ الذي يقرّ بأولوية العقل المنهجي في فهم النص.
لقد أدرك ابن رشد أن النص الديني بوصفه خطاباً موجهاً إلى عموم الناس، لا يمكن أن يُصاغ بلغة البرهان الخالص. فهو يستعمل المجاز والتمثيل والقصص، لأن هذه الأدوات أقرب إلى مدارك الجمهور. غير أن هذا الاستعمال لا ينفي إمكان ترجمة هذه الصور إلى معانٍ عقلية مجردة. إن التأويل عنده هو عملية ترجمة من الخيال إلى العقل، من الصورة إلى المفهوم. وهو في هذا يلتقي مع ما سيقوله لاحقاً سبينوزا في رسالته اللاهوتية السياسية عن ضرورة قراءة النص في ضوء مقاصده، وإن اختلفا في المنطلقات والنتائج.
إن نظرية التأويل الرشدية تقوم على تصور هرمي للمعرفة والمجتمع. فهناك الجمهور الذين يكتفون بالظاهر، وهناك أهل الجدل الذين يتوسلون بالقياس الظني، وهناك أهل البرهان الذين يدركون المعاني اليقينية. هذا التقسيم ليس اجتماعياً فحسب، بل إبستمولوجي أيضاً، إذ يعكس اختلافاً في أدوات الإدراك. غير أن هذا التصور يطرح سؤالاً معاصراً حول علاقة المعرفة بالسلطة: من يحدد من هو «أهل البرهان»؟ وكيف يُمنع الاحتكار المعرفي من التحول إلى وصاية فكرية؟ إن ابن رشد كان يتحرك في إطار مجتمع تقليدي هرمي، أما في السياق الحديث حيث انتشرت المعرفة وتعددت مناهجها، فإن هذا التقسيم يحتاج إلى إعادة تفكير.
إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية في الحاضر تتجلى في قدرتها على تقديم نموذج للتفاعل الخلاق بين النص والعقل. ففي زمن تتصاعد فيه القراءات الحرفية للنصوص، وتُختزل الحقيقة في ظاهر العبارة، يستعيد مشروع ابن رشد راهنيته بوصفه دفاعاً عن شرعية التأويل المنضبط. لقد كان واعياً بأن الجمود على الظاهر قد يؤدي إلى تناقض مع معطيات العقل، وأن إنكار البرهان بدعوى حماية النص إنما يفضي إلى تشويه الاثنين معاً. إن تأكيده على أن الشرع يدعو إلى النظر العقلي، مستشهداً بقوله تعالى: «أفلا يتدبرون»، يجعل من التأويل امتداداً لروح النص لا خروجاً عليه.
إن الحد الإبستمولوجي الثاني يتمثل في ارتباط التأويل عند ابن رشد بوحدة الحقيقة. فهو لا يقبل بازدواجية الحقيقة على النحو الذي نُسب إلى بعض اللاتينيين من أتباعه، بل يرى أن الحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. هذا المبدأ يجنّبه الوقوع في نسبية معرفية، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحدي التوفيق بين تعدد التأويلات وتوحد الحقيقة. فإذا كانت الحقيقة واحدة فكيف نفسر اختلاف الفلاسفة أنفسهم؟ وهل يمكن أن يكون البرهان القطعي متعدد النتائج؟ هذه الأسئلة تكشف أن وحدة الحقيقة عنده هي افتراض ميتافيزيقي ضروري لضمان الانسجام بين العقل والوحي، لكنها لا تلغي تعقيد الواقع التأويلي.
ولعل من أبرز ما يميز التأويل الرشدي طابعه العقلاني النقدي. فهو لا يكتفي بالدفاع عن الفلسفة، بل يمارس نقداً للخطاب الكلامي الذي يعتمد على الجدل. لقد رأى أن المتكلمين رغم نيتهم الدفاع عن العقيدة، أدخلوا عليها من الشبهات ما لم يكن فيها، لأنهم خاطبوا الجمهور بلغة الجدل التي تثير الشكوك. وهو بهذا يقترب من موقف ابن تيمية في نقد علم الكلام، وإن اختلفا جذرياً في تقييم الفلسفة. هذا التداخل بين النقدين يكشف أن سؤال التأويل لم يكن صراعاً بسيطاً بين عقل ونقل، بل شبكة معقدة من المواقف المتداخلة.
إن استعادة نظرية التأويل الرشدية اليوم لا تعني تبنيها حرفياً، بل تعني تفعيل روحها المنهجية. فالسياق المعاصر يفرض تحديات جديدة، تعددية ثقافية، تطور العلوم الإنسانية، نقد اللغة وتفكيك السلطة. ضمن هذا المنحى يمكن قراءة ابن رشد بوصفه رائداً لفكرة «تاريخية الفهم» وإن لم يصغها بهذا اللفظ. فهو يقرّ بأن النص يخاطب الناس بحسب عاداتهم وألسنتهم، وأن الصور الواردة فيه مرتبطة بمدارك المخاطبين. وهذا الوعي بالسياق يفتح الباب أمام قراءة تأويلية تستحضر شروط النزول دون أن تقيد النص بزمنه.
غير أن ثمة توتراً في مشروعه بين النزعة البرهانية الصارمة وبين الطبيعة الرمزية للنص الديني. فالنص لا يُختزل في قضايا منطقية، بل يحمل أبعاداً جمالية وروحية وأخلاقية. وإذا كان التأويل الرشدي يركز على البعد المعرفي، فإنه لا يفرد حيزاً كبيراً للبعد الوجودي للتجربة الدينية. هنا يمكن أن يُستكمل مشروعه بحوار مع تقاليد أخرى، سواء في التصوف الإسلامي أو في الفلسفة التأويلية الحديثة. غير أن هذا الاستكمال لا يلغي أصالة مقاربته بل يكشف عن غناها وإمكان تطورها.
إن نظرية التأويل الرشدية في حدودها وإمكاناتها، تظل شاهداً على لحظة تاريخية بلغ فيها العقل الإسلامي درجة عالية من الوعي بذاته وبأدواته. لقد سعى ابن رشد إلى تأسيس علاقة متوازنة بين النص والعقل، لا تقوم على إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل على اعتراف متبادل بشرعية كل منهما في مجاله. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول المدرسة الرشدية في العالم الإسلامي، فإن أثرها في الفلسفة اللاتينية كان عميقاً، وأسهم في تشكل النزعة العقلانية الأوروبية. غير أن قيمتها بالنسبة لنا اليوم لا تُقاس بما أحدثته في الغرب فحسب، بل بما يمكن أن تلهمه من تجديد في قراءة النصوص الدينية ضمن أفق عقلاني نقدي.
إن التأويل الرشدي ليس مجرد فصل في تاريخ الأفكار، بل إمكان مفتوح لمساءلة علاقتنا المعاصرة بالنص والحقيقة والعقل وحدوده الإبستمولوجية، بدل أن تكون عائقاً يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظرية تأويلية تستلهم صرامته المنهجية وتستجيب في الوقت نفسه لتعقيدات الحاضر.
إن التأويل عند ابن رشد ليس إجراءً عرضياً يُستدعى عند الضرورة فحسب، بل هو وظيفة داخل النسق المعرفي الذي شيده، وظيفة تتوسط بين النص بما هو خطاب موجَّه، والعقل بما هو أداة تمييز وترتيب وبرهنة. إن التأويل في هذا المنظور ليس ترفاً فكرياً، بل هو مقتضى التقاء مستويين من القول، مستوى بياني تمثيلي، ومستوى برهاني تجريدي. ولولا هذا التعدد في مستويات الخطاب لما كانت ثمة حاجة إلى التأويل أصلاً.
إن الأساس المنطقي للتأويل الرشدي يستمد شرعيته من التمييز الأرسطي بين أنماط القياس، كما بلوره أرسطو في تحليله للبرهان والجدل والخطابة. فابن رشد يقرأ النص الشرعي في ضوء هذا التقسيم، ويرى أن الخطاب الديني يتوسل بالخطابة لإقناع الجمهور، وبالجدل لإقناع أهل النظر المتوسط وبالبرهان لإقناع الخاصة. غير أن البرهان بما هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية تفضي إلى نتيجة يقينية، يظل المعيار الأعلى للفهم. ومن هنا فإن أي تعارض ظاهري بين نص وبين نتيجة برهانية يقينية يستدعي تأويلاً يرفع هذا التعارض. التأويل هنا ليس خرقاً للنص، بل إنقاذ له من سوء الفهم.
إن هذه الرؤية تفترض مسبقاً أن الحقيقة في ذاتها لا تتعدد. فالحقيقة واحدة والاختلاف إنما هو في طرائق عرضها. وقد رفض ابن رشد بشدة ما نُسب إلى بعض اللاتينيين من القول بازدواجية الحقيقة، أي بإمكان أن يكون الشيء حقاً في الفلسفة باطلاً في الشريعة أو العكس. إن هذا الرفض ينبع من إيمانه العميق بوحدة المصدر النهائي للمعرفة. وإذا كان العقل عنده موهبة إلهية، فإن استعماله البرهاني لا يمكن أن يناقض مقصود الشرع، لأن الشرع نفسه يدعو إلى النظر والاعتبار. إن قوله إن “الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات” ليس مجرد استدلال نصي، بل هو تأسيس لمبدأ إبستمولوجي قوامه أن التفلسف ليس خروجاً عن الدين، بل امتثال لندائه.
غير أن هذا التأسيس لا يخلو من توتر داخلي. فالبرهان الذي يشترطه ابن رشد لشرعية التأويل ليس مفهوماً مجرداً، بل هو محدد تاريخياً ضمن النسق الأرسطي. إن مفهوم اليقين عنده يرتبط بالبنية الصورية للقياس وبفكرة العلل الأربع وبالتصور الكوني الذي كان سائداً في زمانه. وهنا تبرز حدود المشروع، فإذا تغيرت صورة العالم وتبدلت معايير اليقين فهل يبقى شرط البرهان على حاله؟ أم ينبغي إعادة تعريفه؟ إن هذا السؤال لا ينقض المشروع لكنه يكشف عن تاريخيته. ومن ثم فإن إمكانات التأويل الرشدي المعاصرة تتوقف على إعادة قراءة مفهوم البرهان ذاته لا على استعادته حرفياً.
إن البنية المنطقية للتأويل عند ابن رشد تقوم على انتقال من الظاهر إلى المؤول عبر قاعدة عقلية كلية. فإذا ورد في النص ما يوهم التشبيه وكان البرهان يقتضي تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة المخلوقات، وجب حمل اللفظ على معنى مجازي. غير أن هذا الانتقال لا يتم اعتباطاً بل عبر قواعد اللغة وأصول الفقه. فالتأويل عنده ليس إلغاءً للدلالة الوضعية بل هو استعمال لأحد وجوهها الممكنة التي يجيزها اللسان العربي. وفق هذا التصوريظل التأويل محكوماً بحدود اللغة ولا يتحول إلى إسقاط حر للمعاني.
إن هذا الوعي اللغوي يضع ابن رشد في تقاطع بين الفلسفة وأصول الفقه. فهو وإن كان فيلسوفاً مشائياً، يظل فقيهاً مالكياً مدركاً لقواعد الاستنباط. غير أن ما يميزه هو أنه لا يجعل أصول الفقه بديلاً عن المنطق، بل يرى في المنطق آلة للفهم الصحيح. إن العلاقة بين المنطق والأصول عنده علاقة تكامل لا تنازع. وهذا ما يضفي على تأويله صرامة مزدوجة، صرامة لغوية وصورية في آن.
غير أن هذه الصرامة نفسها تثير سؤالاً حول أفق المعنى. فالتأويل الرشدي يظل موجهاً أساساً نحو رفع التعارض المعرفي بين ظاهر النص ونتائج البرهان. لكنه لا يتوسع كثيراً في تحليل البعد الوجودي أو الرمزي للنص. إن النص الديني لا يقتصر على الإخبار عن حقائق كونية، بل يتضمن توجيهاً أخلاقياً وتربية روحية. وإذا كان ابن رشد يعترف بهذه الأبعاد، فإنه لا يجعلها محوراً لتحليله التأويلي. وهنا يمكن أن نقارن، على سبيل الإضاءة لا المفاضلة، بين مقاربته ومقاربات لاحقة في الفلسفة التأويلية الحديثة كما عند هانس جورج غادامير، الذي رأى أن الفهم هو اندماج آفاق بين النص والقارئ، وأن المعنى لا يُستخرج من النص استخراجاً، بل يتشكل في أفق الحوار التاريخي.
إن المقارنة بين ابن رشد وغادامير تكشف عن اختلاف عميق في تصور الفهم. فابن رشد يفترض إمكانية الوصول إلى معنى يقيني إذا توفرت شروط البرهان، بينما يرى غادامير أن الفهم محكوم بتاريخية الوعي، وأنه لا يوجد تأويل نهائي مغلق. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما هو رفض الحرفية الجامدة، والإقرار بأن النص يتجاوز ظاهره المباشر. وإذا كان ابن رشد يشترط البرهان، فإن غادامير يشترط الانفتاح على تقليد حي. كلاهما يرفض القراءة الساذجة التي تختزل النص في حروفه.
إن استحضار هذه المقارنة لا يراد به إخضاع ابن رشد لمعايير حديثة، بل إبراز إمكان حواره مع قضايا معاصرة. ففي زمن تتعدد فيه القراءات وتتنازع فيه المرجعيات، يمكن لنظرية التأويل الرشدية أن تسهم في ضبط العلاقة بين الحرية التأويلية والانضباط المنهجي. فهي ترفض إطلاق العنان للتأويل بلا ضابط، لكنها في الوقت نفسه ترفض الجمود على الظاهر. هذا التوازن هو ما يمنحها قيمة راهنة.
إن من أبرز إمكانات التأويل الرشدي في السياق المعاصر قدرته على مواجهة النزعات الأصولية التي ترفض كل قراءة عقلانية للنص. لقد كان ابن رشد واعياً بخطر شيوع التأويل بين غير أهله، لكنه لم يتراجع عن الدفاع عن شرعيته. إنه يميز بين كتمان بعض التأويلات حمايةً للجمهور، وبين إنكار مبدأ التأويل نفسه. هذا التمييز الدقيق يمكن أن يُقرأ اليوم في ضوء النقاش حول التربية الدينية وضرورة التمييز بين الخطاب العام والخطاب التخصصي. غير أن السياق الحديث، حيث انتشرت وسائل المعرفة وتوسعت دوائر التعليم، يفرض إعادة نظر في فكرة حصر التأويل في نخبة محدودة.
إن التحدي المعاصر لا يكمن فقط في الدفاع عن التأويل، بل في إعادة تعريف معاييره. فإذا كان البرهان الأرسطي لم يعد النموذج الوحيد للعقلانية، فإن العلوم الحديثة والعلوم الإنسانية قد وسعت مفهوم المنهج. وهنا يمكن استلهام روح ابن رشد لا حرفيته، أي الإصرار على أن أي تأويل ينبغي أن يكون مؤسساً على منهج صارم، وأن لا يتحول إلى إسقاط أيديولوجي. إن صرامته المنهجية يمكن أن تلهم قراءة نقدية للنصوص الدينية تتفاعل مع معطيات العلم الحديث دون أن تفقد احترامها للتراث.
إن من الحدود الإبستمولوجية لنظرية التأويل الرشدية أيضاً افتراضها انسجاماً تاماً بين العقل والنص إذا فهم كلاهما على وجهه الصحيح. غير أن التجربة التاريخية تكشف أن التوتر بين التأويلات لا يزول بمجرد الاحتكام إلى البرهان، لأن تحديد ما هو برهاني ذاته قد يكون محل نزاع. وهنا يبرز البعد التداولي للفهم، فالتأويل ليس فعلاً فردياً محضاً، بل هو جزء من حوار اجتماعي وثقافي. وإذا لم يتطرق ابن رشد صراحة إلى هذا البعد، فإن مشروعه يفتح الباب أمامه لأنه يقرّ بتعدد مستويات الفهم.
إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية المعاصرة تتجلى كذلك في قدرتها على بناء جسر بين التراث الإسلامي والفلسفة العالمية. لقد كان ابن رشد نفسه جسراً بين العالم الإسلامي والغرب اللاتيني، وقد أسهمت شروحه لأرسطو في تشكيل العقل المدرسي في أوروبا. إن استحضار مشروعه اليوم يمكن أن يسهم في حوار حضاري يقوم على الاعتراف المتبادل بالعقلانية المشتركة. فالتأويل في جوهره هو اعتراف بأن النص يحتاج إلى فهم، وأن الفهم يحتاج إلى عقل، وأن العقل يحتاج إلى منهج.
غير أن استلهام ابن رشد لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي. فمشروعه رغم عظمته كان ابن سياقه، وتحكمت فيه شروط سياسية وثقافية معينة. لقد تعرض للنفي والإقصاء في أواخر حياته، وهو ما يكشف عن هشاشة العلاقة بين الفلسفة والسلطة. إن هذا البعد السياسي للتأويل لا يمكن تجاهله. فالتأويل ليس مجرد مسألة معرفية، بل قد يكون رهين توازنات اجتماعية. وإذا أردنا تفعيل إمكاناته المعاصرة، فعلينا أن نعي أن الدفاع عن العقلانية يتطلب فضاءً من الحرية.
إن هذا الامتداد في التفكير لا يهدف إلى تلخيص ما سبق فحسب، بل إلى إعادة طرح السؤال المركزي في أفق أوسع، ما الذي يمكن أن يعنيه التأويل الرشدي اليوم؟ إن الجواب لا يكمن في استنساخ صيغ قديمة، بل في استيعاب روحه النقدية. لقد كان ابن رشد شجاعاً في الدفاع عن حق العقل في الفهم، وفي الوقت نفسه متواضعاً أمام النص معترفاً بسموه وثرائه. هذا الجمع بين الجرأة والاحترام هو ما نفتقده أحياناً في سجالاتنا المعاصرة، حيث يتقابل تطرفان، تطرف يقدس الظاهر ويرفض كل تأويل، وتطرف يجعل النص مادة طيّعة لإسقاطات لا ضابط لها.
إن نظرية التأويل الرشدية تذكّرنا بأن الفهم مسؤولية وأن التأويل أمانة. فهي تضع شروطاً صارمة لمن يتصدى له، لكنها لا تغلق بابه. وهي تؤكد أن العقل ليس خصماً للوحي، بل شريكاً في إدراك معناه. وإذا كان مفهوم البرهان قد تغير، فإن الحاجة إلى منهج لم تتغير. وإذا كانت السياقات قد تبدلت، فإن سؤال العلاقة بين النص والعقل ما يزال مطروحاً بإلحاح.
إن استعادة ابن رشد اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل هي انفتاح على إمكان مستقبل تتصالح فيه العقلانية مع الإيمان والتقليد مع النقد والخصوصية مع الكونية. إن التأويل كما فهمه ليس مجرد تقنية تفسيرية بل هو موقف من العالم، موقف يعترف بتعدد مستويات الحقيقة ويبحث عن انسجامها دون إنكار اختلاف طرق التعبير عنها. وفي هذا الموقف تكمن إمكانات متجددة لفلسفة عربية إسلامية معاصرة، تستلهم تراثها دون أن تنغلق فيه وتتحاور مع العصر دون أن تذوب فيه.
إن حدود التأويل الرشدي ليست جدراناً مغلقة، بل هي معالم طريق. إنها تحدد ما ينبغي الحذر منه، التسرع، الهوى، الظن الذي لا يقوم على دليل. وفي الوقت نفسه تشير إلى ما ينبغي السعي إليه، برهان منضبط، فهم عميق وحوار مستمر بين النص والعقل. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول مدرسته في زمنه، فإن الأفكار الكبرى لا تموت، بل تعود بأشكال جديدة كلما احتاجت الإنسانية إلى صوت العقل. وفي عالم يموج بالتأويلات المتنازعة، قد يكون في استحضار ابن رشد دعوة إلى إعادة بناء ثقافة الفهم على أساس من الصرامة والحرية معاً، حتى يظل التأويل جسراً لا متراساً، وطريقاً إلى الحقيقة لا ذريعة للفرقة.
***
د. حمزة مولخنيف






