قراءة في كتاب
ليلى تبّاني: جغرافية صنعت مجد البلاغة وهمّشت صوت الحقيقة
قراءة في كتاب "منامات الوهراني" للمؤلف محمد بن محمد محرز الوهراني
ليست مسألة انتشار الأدب المشرقي وتراجع حضور الأدب المغاربي دليلا على تفوّق الأول أدبيا بقدر ما هي نتيجة لظروف تاريخية وثقافية. فقد تشكّلت مراكز السلطة والعلم في مدن المشرق مثل بغداد والبصرة، حيث نشأت شبكات العلماء والمدارس التي قامت بنسخ الكتب وتعليمها، فانتشرت أعمال مثل مقامات الحريري انتشارا واسعا. في المقابل ظلّ الأدب المغاربي يُنتج في فضاء أبعد عن المركز الثقافي، رغم ازدهاره في حواضر مثل القيروان وفاس، فكان حضوره أضعف في التداول لا في القيمة. ومع ذلك قدّم أدباء المغرب نصوصا عميقة وجريئة في النقد الاجتماعي، كما يظهر في مقامات الوهراني، مما يدلّ على أن الفارق كان في مركزية الانتشار لا في قوة الإبداع .
"دخلتُ بغدادَ، دارَ الخلافة، ومعدنَ الظرف واللّطافة، ومجمعَ العلم والظرافة، فإذا الأسواقُ تفيضُ بالحرفيين والباعة، وإذا القصورُ تزهو بالعلماء والمحدثين، وإذا الحدائقُ تهتفُ بالزهور والأطيار، وإذا المجالسُ تصفقُ بالخطابة والحِكمة. ورأيتُ العلماءَ في حلقهم، يتناوبون على المباحث، يتبادلون الشعرَ والبلاغة، يتذاكرون الأخبار، فينساب العلمُ كالنهر الجاري، فتروى النفوس وتشرب العقول. وأقمتُ في ظل خليفةٍ عادل، ينشر العدل ويطفئ نار الباطل، فلا يظلم فقيرٌ ولا يستبد غنيٌّ، ويعلو كلامُ الحقِّ فوق صوتِ الفساد. وبها من كل فنٍّ طائفة، ومن كل علمٍ عارفة، فإذا الفقيه في المسجد، وإذا الحكيم في المجلس، وإذا الشاعر في السوق، وإذا التاجر في الدار، وكلٌ منهم يضفي على المدينة لونًا من الحياة. ورأيتُ بعض الأدباء يتباهون بالعلم، ويختلط الحابل بالنابل، فيظن الواحد منهم نفسه علماً قائمًا بذاته، ولا يعلم أن العلوم بحورٌ والغُرور زورق صغير لا يطفو عليها."
هكذا تبدأ المقامة البغدادية للأديب محمد بن محمد محرز الوهراني، الأديب الجزائري الأصل من مدينة وهران في المغرب الإسلامي، الذي عاش في القرن السادس الهجري، أي ما يقابل تقريبا القرن الثاني عشر الميلادي. كان الوهراني من أبرز كتاب المقامات بعد بديع الزمان الهمذاني والحريري، وقد عاش في زمن الدولة الأيوبية وبرزت شهرته أثناء حكم القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، ما أتاح له أن يرى عن كثب الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في المشرق العربي ويصورها بأسلوب أدبي فني بليغ.
المقامات الوهرانية هي نصوص أدبية تجمع بين السرد القصصي والسجع البلاغي والخيال الأدبي والنقد الاجتماعي، مع مدح سياسي وإشارات أدبية متنوعة، وتظهر فيها قدرة الوهراني على المزج بين السخرية والحكمة والبلاغة. تعكس المقامات وصف المدينة وحيواتها من الأسواق والقصور والحدائق والمجالس العلمية، وتصور العلماء والأدباء في حلقات العلم والمجادلات الأدبية، وتجعل من العلم نهرًا يروى النفوس ويشرب العقول، بينما يظهر النقد الاجتماعي في سخرية الوهراني من الأدباء المتباهين بعلمهم وغرورهم، كما في استعارة البحار والزورق الصغيرة.
يشمل كتاب الوهراني مجموعة واسعة من المقامات والرسائل، منها مقامات وصف المدن مثل بغداد وصقلية، ورسائل ساخرة على ألسنة الحيوانات والأشياء كالرقعة على لسان البغلة وخطبة المأذنة ورسالة الطير، بالإضافة إلى رسائل إلى القضاة والوزراء والأمراء، والتي تتناول موضوعات اجتماعية وسياسية وتجمع بين النقد والمديح والفكاهة. ويعكس الكتاب الثقافة الواسعة للوهراني، مع إشارات إلى القرآن، الشعر، الأمثال، والعلوم المتنوعة، ويعد مرجعًا مهمًا لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في القرن الثاني عشر الميلادي.
من خلال هذا الكتاب، يظهر الوهراني كأديب ساخر وفيلسوف مجازي، يمتاز بجرأته الأدبية، وحسّه الفكاهي، ومهارته البلاغية، ويبرع في خلق صور حيّة للمدينة والمجتمع والطبقات المختلفة، ويثبت مكانته كأحد أعظم كتّاب المقامات في التراث العربي. إن قراءة الكتاب تعطي القارئ تجربة فريدة تجمع بين المتعة الأدبية والفائدة التاريخية والثقافية، وتبرز الوهراني كأحد المبدعين الذين نقلوا فن المقامة إلى آفاق جديدة، مع المحافظة على الروح النقدية والخيال الأدبي العميق.
يعدّ كتاب المقامات الوهرانية مرجعا أدبيا شاملا، يجمع بين وصف المدن، الحياة الثقافية والاجتماعية، النقد الساخر، المدح السياسي، والخيال الأدبي، ليقدّم صورة متكاملة عن المجتمع في العصر الأيوبي، ويبرز براعة الأديب الوهراني في المزج بين البلاغة والفكاهة والحكمة، ويعد نموذجا رائدا للأدب العربي الساخر في القرن الثاني عشر الميلادي.
***
ليلى تبّاني - الجزائر







