قراءة في كتاب
عبد السلام فاروق: خصوم طه حسين وضحاياه.. سر الجريمة الصامتة في كلية الآداب!
«ظلال طه حسين: خصومة مجهولة في مرايا التأويل» كتاب الدكتور مصطفى سليم، الصادر عن هيئة قصور الثقافة يضيف طبقة جديدة من الرواسب التاريخية إلى ما نعرفه عن تاريخنا الثقافي الحديث، ويفتح أمام القارئ والباحث معاً أبواباً كثيرة كانت موصدة على كنوز منسية، أو على جراح لم تندمل، أو على أصوات كانت تستحق أن تسمعها الأجيال لولا أن السلطة - أي سلطة - تملك دائماً آلياتها في الإقصاء والتهميش والنسيان.
ولسنا هنا، في هذه القراءة، بصدد الحديث عن خصومة أدبية معلنة من ذلك النمط الذي عرفناه جيداً في تاريخنا الثقافي، كتلك التي دارت رحاها بين طه حسين و مصطفى صادق الرافعي أو الشيخ محمد الخضري، فهذه خصومات حضرت في الوعي والوجدان، وملأت الدنيا وشغلت الناس، وكتبت فيها المقالات والكتب، وظلت حاضرة في الذاكرة الثقافية العربية على مر العقود. لكن الدكتور مصطفى سليم يختار لنا طريقاً آخر، يمضي بنا فيه إلى خصومة من نوع آخر، خصومة ظلت مغيبة، كامنة في ثنايا الأرشيف وفي طيات الذاكرة المنسية، تنتظر من يكتشفها وينفض غبار الزمن عنها، ويخرجها إلى النور ليراها القارئ العربي على حقيقتها، بكل ما تحمله من دلالات وإيحاءات وإسقاطات على واقعنا الثقافي الراهن.
يكشف هذا الكتيب الصغير في حجمه، الكبير في مضمونه وأبعاده - الذي يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى به في أبحاث التاريخ الثقافي الجادة - عن خصومة من أشد الخصومات غرابة وإثارة للدهشة والتأمل، إنها خصومة الدكتور نجيب البهبيتي مع عميد الأدب العربي طه حسين، وهي خصومة تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، ذلك العقد الحافل بالصراعات الفكرية والمعارك الأدبية التي شكلت ملامح حياتنا الثقافية لعقود طويلة تلت. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ونحن نقف أمام هذه القضية هل تبقى هذه الخصومة مجرد حادثة فردية وحيدة، لا تتعدى كونها خلافاً عابراً بين أستاذ وتلميذه، أو بين شيخ وتابع له؟ أم أنها تتحول في قراءتنا لها إلى مرآة عاكسة تكشف عن طبيعة أعمق، عن علاقات القوى الخفية داخل المؤسسة الثقافية والأكاديمية المصرية والعربية، وتلقي الضوء على آليات تشكل الذاكرة والنسيان، وعلى الطريقة التي تصنع بها الأعمال وتهمش بها الأعمال الأخرى؟ هذا ما سنحاول استكشافه في هذه السطور القليلة، علنا نستخلص منها ما يعيننا على فهم تراثنا النقدي والأدبي فهماً أكثر عمقاً وموضوعية.
المظلومية الأكاديمية!
يدور جوهر الاتهام في هذه القضية - كما يعرضها الكتاب - حول قيام طه حسين، دون أن يسميه الدكتور نجيب البهبيتي صراحة في البداية، بحبس أطروحته للماجستير التي حملت عنوان «أبو تمام الطائي حياته وحياة شعره» لمدة بلغت تسع سنوات كاملة. وهنا، ينبغي لنا أن نقف طويلاً أمام هذه المسألة، وأن نتمعن في دلالاتها المختلفة، وأن نحللها من زوايا متعددة.
أولاً: إن تسع سنوات ليست فترة قصيرة في حياة باحث شاب يخطو خطواته الأولى في مضمار البحث العلمي والكتابة والإبداع. إنها عمر أكاديمي كامل يمكن أن يضيع فيه الشاب حماسه وحيويته الفكرية، بل يمكن أن تنطفئ فيه جذوة الإبداع التي كانت تتقد في نفسه، ويتحول معها من باحث واعد إلى إنسان محبط فقد الثقة في نفسه وفي المؤسسة التي ينتمي إليها. وهذه المسألة ليست هينة ولا يسيرة في حياة أي مفكر أو أديب.
ثانياً: إن حبس أطروحة بهذا الشكل، وإبقائها حبيسة الأدراج طوال هذه المدة الطويلة، ليس مجرد تأخير إداري يمكن تبريره بالروتين أو بالظروف القاهرة أو بكثرة الأعمال. كلا، إنه يتجاوز ذلك بكثير، ليكون فعلاً رمزياً بامتياز، يعبر عن ممارسة للسلطة الأكاديمية بأقسى صورها وأكثرها قسوة وإيلاماً لمن يمارس ضده. إنها سلطة القادر على منح الدرجات العلمية أو حجبها، سلطة الذي يملك مفاتيح التقدم والتأخر، سلطة من بيده الأمر والنهي في مؤسسة علمية عريقة كان لها في ذلك الوقت مكانتها وهيبتها.
ثالثاً: إن عدم تسمية الدكتور نجيب البهبيتي لطه حسين مباشرة في اتهاماته، رغم وضوح القضية في ذهنه ويقينه مما حدث، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة ومتداخلة، كل منها يحمل دلالة خاصة تحتاج منا إلى وقفة متأنية. هل هذا الامتناع عن التسمية ناتج عن خوف من سلطة رمزية كانت لا تزال مهيمنة على الساحة الثقافية والأكاديمية، وخوف من عواقب المواجهة المباشرة مع عميد له مكانته وجاهه وتلاميذه وأنصاره؟ أم هو تعبير عن اللياقة الأكاديمية التي تمنع الاتهام المباشر، وتحترم قواعد الحوار والاختلاف، وتراعي أصول النقد العلمي الرصين؟ أم هو جزء من لعبة التلميح والإشارة والانزياح البلاغي التي تعمق الغموض وتزيد من قوة التلميح، وتجعل القارئ شريكاً في اكتشاف الحقيقة واستنباطها من خلال السطور والإشارات؟
لقد كان طه حسين في تلك الفترة يمثل سلطة ثقافية وأكاديمية مزدوجة، يصعب على أي باحث شاب أن يواجهها أو يتصدى لها. فقد جمع بين المنصب الرسمي المتمثل في عمادة كلية الآداب في جامعة القاهرة، والرمزية الثقافية الواسعة التي حققها من خلال كتبه ومقالاته ومواقفه الفكرية، وفي مقدمتها كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» الذي أحدث زلزالاً عنيفاً في الأوساط الثقافية والدينية، وكذلك كتابه الجميل «الأيام» الذي بقى علامة فارقة في تاريخ السيرة الذاتية العربية.
وهذا الموقع الفريد، وهذا الجمع بين السلطة الرسمية والسلطة الرمزية، منح طه حسين قدرة هائلة، بل مطلقة أحياناً، على تشكيل المسارات الأكاديمية والعملية للباحثين الشباب، وعلى توجيه دفة الحركة الثقافية برمتها في الاتجاه الذي يراه مناسباً. وكان الدكتور نجيب البهبيتي، الذي قدم الجامعة، حاملاً أحلامه وطموحاته وذكائه الحاد وثقافته الموسوعية، يبحث عن المعرفة والشهرة والمكانة، فإذا به يجد نفسه فجأة في مواجهة عنيفة مع هذه السلطة الصلبة، في صراع غير متكافئ، تبدو نتيجته محسومة سلفاً لصالح الطرف الأقوى.
البحث عن الحقيقة
يتبع الدكتور مصطفى سليم في كتابه هذا منهجية بحثية دقيقة تستحق منا التوقف والإشادة، فهو لا يكتفي بالاعتماد على الوثائق المكتوبة والمصادر المطبوعة، رغم أهميتها البالغة في أي بحث تاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى آفاق أرحب وأكثر إنسانية. فقد ذهب الباحث إلى الرباط، عاصمة المملكة المغربية الشقيقة، ليقابل ابن الدكتور نجيب البهبيتي الذي يدعى عمر، والذي أكد بدوره الرواية التي كان الباحث قد توصل إليها من خلال قراءته للوثائق والمقالات.
وهذا الجمع المبدع بين البحث الأرشيفي المتعمق في المصادر القديمة والجديدة، وبين التاريخ الشفوي الذي يعتمد على مقابلة الشهود والرواة والمقربين من أصحاب القضايا، يمثل منهجية متكاملة وحديثة لكتابة التاريخ الثقافي، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي طالما عانت وتعاني من ضعف شديد في الأرشيف المؤسسي الموثق، ومن غياب آليات الحفظ والتوثيق التي تضمن بقاء المادة العلمية للأجيال القادمة.
ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى اهتمام الباحث السعودي علي العميم بقضية الدكتور نجيب البهبيتي، كما يتجلى ذلك بوضوح في مقاليه المنشورين بجريدة «الشرق الأوسط» عام 2022، واللذين يحملان عنواني «وثبة البهبيتي المغربية من فوق الهوة اللبنانية البشعة» و «هل أخرج البهبيتي من جامعة القاهرة أم هو تركها؟». فهذا الاهتمام يشير بوضوح إلى أمرين بالغي الأهمية في مسيرتنا الثقافية.
الأول: هو استمرارية الاهتمام بقضايا التاريخ الثقافي العربي وعدم انقطاعها، بل وتوارثها عبر الأجيال المختلفة، فقضية بدأت في ثلاثينيات القرن العشرين لا تزال تثير الجدل والبحث والكتابة حتى يومنا هذا، وهذا دليل على حيويتها وأهميتها وثقلها في الوجدان العربي.
والثاني: هو الدور المهم والحيوي الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الثقافية، إذا ما أحسنت القيام بدورها، في كشف الحقائق التاريخية وتقديمها للقارئ العربي، خاصة في تلك الحالات التي تتراجع فيها المؤسسات الأكاديمية والبحثية الرسمية عن أداء هذا الدور المنوط بها، أو تقصر في القيام به على الوجه الأكمل.
اتهامات بالانتحال والسرقة!
يتعدى الكتاب حدود خصومة البهبيتي مع طه حسين، ليلقي الضوء على قضية أخرى أكثر إثارة وتعقيداً، وهي اتهامات البهبيتي للدكتور ناصر الدين الأسد، ذلك العلم الكبير من أعلام الدراسات الأدبية والنقدية في العالم العربي، بانتحال كتابه المعروف والمهم «مصادر الشعر الجاهلي» من كتابين من كتب البهبيتي هما «تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري» و«أبو تمام حياته وحياة شعره». وهذه الاتهامات الخطيرة تفتح أمامنا باباً آخر من أبواب التاريخ الثقافي العربي، وهو باب الاتهامات المتبادلة بالانتحال والسرقة الأدبية بين كبار المثقفين والأدباء والنقاد، وهو باب شديد الحساسية ويحتاج إلى تناوله بحذر شديد وأمانة علمية كاملة.
لقد شهدت الساحة الثقافية العربية عبر تاريخها الطويل العديد من الاتهامات المتبادلة بالانتحال بين عدة أعلام كبار، فمن ذلك ما وجه إلى طه حسين نفسه من اتهامات بسرقة أفكار الكاتب والمفكر اللبناني فرح أنطون، إلى اتهامات أخرى طالت كتاباً ومفكرين كباراً لهم وزنهم وتأثيرهم في الحياة الفكرية العربية. وهذه الظاهرة المتكررة تستحق بلا شك دراسة جادة ومعمقة، ليس بغرض توجيه الاتهامات أو تبرئة الأعلام، ولكن بوصفها تعبيراً واضحاً عن أزمة عميقة في المنهج العلمي والنزاهة الأكاديمية والأمانة الفكرية التي عانى منها الفكر العربي في مرحلة تأسيسية مهمة وحاسمة من تاريخنا الثقافي الحديث، وهي مرحلة المخاض والولادة والتكوين.
وقد تصدى الدكتور إبراهيم حور للرد على اتهامات البهبيتي هذه في دراسة محكمة نشرها تحت عنوان «الشعر الجاهلي ومناهج بحثه بين كتابين»، وجاءت هذه الدراسة ضمن كتاب تذكاري مهم يحمل عنوان «قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدين الأسد». وهذا الرد العلمي الرصين يضعنا وجهاً لوجه أمام معضلة منهجية حقيقية، وكأنها عقدة تحتاج إلى حل كيف يمكننا أن نتحقق من صحة الاتهامات بالانتحال أو ننفيها، في ظل غياب آليات مؤسسية مستقلة ومحايدة للنظر في مثل هذه القضايا الشائكة والحساسة؟ وكيف يمكننا أن نفرق بدقة وموضوعية بين التأثر المشروع الذي لا غنى عنه لأي باحث جاد، والتقليد المبرر الذي قد يكون ضرورياً في مراحل معينة، والسرقة المحضة التي لا تتسق مع الأمانة العلمية والبحثية؟ إنها أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابات واضحة.
طه حسين بين النور والظل!
لا يقلل كشف هذه الخصومة المغيبة، ولا ينتقص مطلقا من مكانة طه حسين العظيمة كواحد من أعمدة النهضة الثقافية العربية الحديثة، ومنارة من منارات الفكر والتنوير في عالمنا العربي. فالكبار مثل الجبال الشامخة، لهم ظلالهم الوارفة الممتدة التي يستظل بها الناس، ولهم أيضاً جوانبهم المظلمة التي لا تخلو منها أي شخصية بشرية مهما عظمت. إن النقد الموضوعي لطه حسين، الذي يهدف إلى فهم شخصيته ورؤيته ومنهجه بعمق وتجرد، لا ينفي بأي حال من الأحول إنجازاته الهائلة التي لا يمكن إنكارها في تحديث الدرس الأكاديمي العربي، ودفاعه المستميت عن حرية الفكر والتعبير، وإسهاماته الأدبية والنقدية المتنوعة التي شكلت وعي أجيال متعاقبة من المثقفين والأدباء والقراء في كل مكان.
ولكن هذه الخصومة التي يكشف عنها الكتاب تذكرنا جميعاً، وبقوة، بأن طه حسين كان في النهاية إنساناً له ما للإنسان من فضائل ورغبات وأحلام، وله أيضاً ما للإنسان من نقائص وأخطاء وهفوات، قبل أن يكون رمزاً معلماً ينظر إليه الناس بإجلال وإكبار. وكان أكاديمياً يمارس السلطة بكل أبعادها داخل مؤسسة هرمية صارمة، لها قوانينها وتقاليدها وتوازناتها المعقدة. وقد تكون ممارسته لتلك السلطة - كما تظهر لنا في قضية الدكتور نجيب البهبيتي - تعبيراً صادقاً عن ثقافة أكاديمية سائدة في ذلك الزمان، أكثر مما تكون شذوذاً فردياً أو تصرفاً شخصياً خارجاً على المألوف. إنها ثقافة المؤسسة التي كانت تمارس التوجيه والاحتواء والحجب والإقصاء وفق أعرافها المستقرة.
سلطة وإقصاء!
تكشف قضية الدكتور نجيب البهبيتي، في قراءتها المتعمقة، عن جانب مظلم وحقيقي ومؤلم من تاريخ المؤسسة الأكاديمية العربية، وهو جانب لم نعتد على رؤيته أو مناقشته بصراحة وجرأة. إنه جانب قدرتها الهائلة على الإقصاء والتهميش وإقصاء الأصوات المخالفة أو غير المرغوب فيها. فالباحث الشاب الذي جاء من بهبيت الحجارة بالغرببة ، ليقصد المركز المتألق (القاهرة) التي كانت ولا تزال منارة العلم والفكر في العالم العربي، وجد نفسه فجأة في مواجهة غير متكافئة مع سلطة المركز التي كانت تتجسد في ذلك الوقت في شخصية طه حسين وموقعه وهيبة مؤسسته. وهذه الديناميكية المعقدة، التي يمكن تسميتها بجدلية المركز والأطراف، ما تزال فاعلة ومؤثرة في حياتنا الثقافية العربية حتى يومنا هذا، وإن اختلفت أشكالها وتعددت مظاهرها.
إن حرمان الباحث من أطروحته العلمية لمدة تسع سنوات كاملة هو عملية إقصاء رمزية، بل هي حقيقية بكل المقاييس، قد تؤدي في النهاية إلى تحول مسار حياة الباحث، وقد تحول دون حصوله على المناصب الأكاديمية التي كان يطمح إليها، أو تؤخر إسهاماته العلمية لعقود من الزمن، أو تقوض ثقته بنفسه ومشروعه الفكري وتجعل منه إنساناً محبطاً أو منزوياً أو غاضباً. وفي هذا السياق المركب، يمكننا أن نقرأ قرار الدكتور نجيب البهبيتي بالخروج من جامعة القاهرة، سواء أكان ذلك إخراجاً بقرار من المسئولين، أم كان تركاً طوعياً لبيئة أصبحت غير صالحة للعطاء والإبداع، كجزء لا يتجزأ من هذه الديناميكية الإقصائية التي نتحدث عنها.
انتقائية ونسيان!
يبقى السؤال الأكبر والأهم في هذه القضية كلها: لماذا ظلت هذه الخصومة المهمة مجهولة أو مغيبة أو مطموسة طوال هذه العقود الطويلة؟ لماذا لم تصل إلى وعي الأجيال المتعاقبة من المثقفين والقراء كما وصلتهم خصومات أخرى؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في فهم طبيعة انتقائية الذاكرة الثقافية العربية، التي تميل دائماً إلى تخليد الصراعات المعلنة والمشهورة، والتي دارت فيها المعارك على صفحات الجرائد والمجلات، وترك أصحابها كتابات ومناقشات مطولة، وتغفل في المقابل الصراعات الخفية والخصومات غير المعلنة التي بقيت في الظل. كما أن هيمنة سرديات بعينها على كتابة تاريخنا الثقافي، وسيادة روايات معينة عن أعلامنا الكبار، تجعلنا في الغالب نغفل عن الجوانب الأخرى التي لا تتفق مع الصورة النمطية المثالية التي رسمناها لهؤلاء الأعلام، أو التي تظهرهم في صورة غير التي تعودنا عليها.
لقد غيب الناقد الموسوعي نجيب البهبيتي نفسه تماماً من الذاكرة الثقافية العربية، وطواه النسيان، لصالح أسماء أخرى كثيرة، وذلك رغم إسهاماته المهمة والرائدة في دراسة الشعر العربي القديم وتحقيق نصوصه، وفي معالجة قضايا المنهج التاريخي في دراسة الأدب، وهي إسهامات كان من الممكن أن تضعه في مكانة مرموقة بين كبار الباحثين. وهذا التغييب المقصود أو غير المقصود هو جزء لا يتجزأ من سياسات الذاكرة والنسيان التي تمارسها المجتمعات الإنسانية تجاه ماضيها، وتختار منها ما يتناسب مع رؤيتها للحاضر وأحلامها في المستقبل.
يأتي كتاب «ظلال طه حسين» للدكتور مصطفى سليم إذن، في هذا التوقيت بالذات، ليدفعنا جميعاً بقوة إلى إعادة قراءة تاريخنا الثقافي بعيون نقدية جديدة، تتجاوز التمجيد الأعمى أو القدح المقيت، إلى الفهم العميق والشامل لتعقيدات هذا التاريخ وتناقضاته الصارخة. إن التاريخ الثقافي لأمتنا هو حقل واسع من الصراعات والتناقضات والعلاقات المعقدة بين الأفراد والمؤسسات والأفكار، ولا يمكن اختزاله في قصص بطولة أو مظلومية فقط.
إن كشف مثل هذه الخصومات المجهولة والمغيبة، وإخراجها إلى النور، يساعدنا بلا شك على فهم أعمق وأشمل لكيفية تشكل الحقل الثقافي العربي الحديث، ويدرس بعناية ديناميكيات السلطة المعقدة داخل المؤسسات الأكاديمية، ويكشف عن آليات الإقصاء والتهميش الدقيقة التي مارستها هذه المؤسسات – وما زالت تمارسها حتى يومنا هذا بدرجات متفاوتة – ضد بعض الأصوات والاتجاهات والأفراد.
كما يذكرنا هذا الكتاب المهم بأن وراء كل «عظيم» من عظمائنا في تاريخنا الثقافي، ظلالاً كثيفة من الخصومات والمظالم والصراعات والهفوات والأخطاء، التي شكلت في النهاية السياق التاريخي الذي أنتج عظمته وأضاء نجمه. والفهم الحقيقي المتكامل لهذا التاريخ لا يكتمل إلا بالنظر إلى الظل كما ننظر إلى النور، والنظر إلى الجوانب المظلمة كما ننظر إلى الجوانب المضيئة، والنظر إلى الخصومات الخفية كما ننظر إلى التحالفات المعلنة.
في النهاية، تبقى قضية الدكتور نجيب البهبيتي مع الدكتور طه حسين ومع الدكتور ناصر الدين الأسد، عينة دالة وشاهدة على علاقات القوى المعقدة داخل الحقل الثقافي العربي، وتذكيراً صارخاً بأن كتابة التاريخ الثقافي تتطلب منا شجاعة كبيرة في كشف المستور، ونزاهة علمية عالية في تقصي الحقائق من مصادرها الأصلية، وعمقاً رصيناً في تحليل السياقات المختلفة التي أحاطت بتلك الأحداث. وهذا بالضبط ما يحتاج إليه مشروعنا الثقافي العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى: قراءة نقدية جريئة ومسئولة لماضينا تساعدنا على فهم حاضرنا بشكل أفضل، وتأسيس مستقبل أكثر عدلاً وانفتاحاً وتعددية وقبولاً للآخر.
***
د. عبد السلام فاروق






