هناك سير تُكتب لتروي حكاية، وأخرى تُكتب لتوثّق مرحلة من التاريخ، لكن السيرة الروائية "الخيار الآخر" لمازن الحسوني، الصادرة عام 2024 عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، تنتمي إلى نوع ثالث؛ فهي تجعل من التجربة الشخصية نافذةً لقراءة تاريخ جيلٍ كامل، عاش الحلم الثوري، واختبر المنفى، وواجه الهزيمة، ثم اكتشف أن الإنسان يستطيع أن ينتصر بطريقة أخرى، أكثر هدوءاً وأشد أثراً.
تستند السيرة الروائية إلى وقائع عاشها الكاتب، لكنها لا تقع في فخ السيرة الذاتية المباشرة. فالواقع فيها يتحول إلى مادة روائية، والذاكرة تصبح فضاءً فنياً يعيد ترتيب الأحداث ويمنحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الزمان والمكان. لذلك لا يقرأ القارئ حكاية مازن الحسوني وحده، بل يقرأ أيضاً سيرة آلاف العراقيين الذين غادرتهم أوطانهم قبل أن يغادروها هم.
منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب بطله "باسم" في مواجهة سؤال الحرية. فالبصرة، حيث تبدأ الحكاية، ليست مجرد مدينة، بل نقطة الانطلاق نحو رحلة طويلة من المطاردة والاختفاء والعمل السري. ومع الانتقال إلى جبال كردستان، ثم إلى المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وسوريا، تتشكل جغرافيا الرواية بوصفها جغرافيا للمقاومة، حيث تصبح الكهوف بيوتاً، والجبال وطناً مؤقتاً، والاسم الحقيقي عبئاً ينبغي التخلي عنه حفاظاً على الحياة.
غير أن الكاتب لا يجعل النضال السياسي محور السيرة الوحيد، بل يكشف الوجه الإنساني المختبئ خلف صورة المقاتل. ففي القامشلي، حيث البيوت السرية التي كانت تستقبل الأنصار وتؤمّن احتياجاتهم، تنشأ قصة حب بين باسم وليلى، الفتاة الكردية التي تتحول تدريجياً إلى شريكة حياة، وإلى رمز لوحدة الإنسان بعيداً عن الانتماءات الضيقة.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة الروائية أنها لا تتعامل مع الحب بوصفه استراحة بين معركتين، بل بوصفه شكلاً آخر من أشكال المقاومة. فحين يرفض والد ليلى زواجها من النصير العراقي، لا يكون الصراع بين شخصين، بل بين رؤيتين للحياة؛ رؤية تؤمن بحق الإنسان في اختيار مصيره، وأخرى تمنح السلطة الاجتماعية حق تقرير مستقبل الأفراد. وهكذا تتحول القصة العاطفية إلى سؤال اجتماعي وثقافي يتجاوز حدود الشخصيات.
لكن القوة الحقيقية للسيرة الروائية تتجلى في انتقالها من الخاص إلى العام، ومن التجربة الفردية إلى مراجعة المشروع الثوري نفسه. فجيل الأنصار الذي حمل السلاح أملاً في بناء وطن أكثر عدالة، يجد نفسه بعد سنوات أمام انهيارات متتالية، تبدأ بمآسي الأنفال ولا تنتهي عند سقوط النظام.
ولا تُقدَّم هذه السيرة بلغة الشعارات أو الأحكام القطعية، بل عبر تأملات هادئة ينسجها من خلال تجربة البطل، الذي يكتشف أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير المجتمع، وأن الثورة السياسية قد تفشل إذا لم تواكبها ثورة أخلاقية وإنسانية.
وهنا تبلغ السيرة الروائية ذروة تحولها الفكري والوجداني. فبعد أن كان باسم يحلم بتغيير العالم، يصبح همه إنقاذ حياة طفل واحد. وقد يبدو هذا الحلم أصغر من سابقه، لكنه في الحقيقة أكثر واقعية، وربما أكثر عمقاً. فقرار التبني لا يُقدَّم بوصفه تعويضاً عن الحرمان من الإنجاب، بل بوصفه إعلاناً عن فلسفة جديدة للحياة؛ فلسفة ترى أن الأبوة ليست فعلاً بيولوجياً، وإنما مسؤولية أخلاقية، وأن الأسرة تُبنى بالمحبة والرعاية قبل أن تُبنى بالوراثة.
فبعد أن خسرت ليلى طفلتها الوحيدة في موسكو، إذ أنتهى الحمل في شهره السابع بولادة جنين ميت، و" بعد أن أصبحت إمكانية الحمل الطبيعي مستحيلة، لجأنا إلى وسيلة مراوغة القدر، للحصول على ذلك الشيء الذي يكمل وجودنا" ص21.
ولا يكتفي الكاتب بطرح هذه الفكرة على مستوى التأمل، بل يمنحها حضوراً حياً داخل مسار الأحداث. فالتبني ليس خاتمة سعيدة تُضاف إلى السيرة الروائية، وإنما امتداد طبيعي لرحلة البطل، ودليل على أن الإنسان قادر على إعادة بناء حياته حتى بعد أن تتهاوى أحلامه الكبرى.
بدأت التجربة عام 2003، عندما احتضن الزوجان طفلاً عراقياً حديث الولادة من أحد مستشفيات الناصرية، وأطلقا عليه اسم رامي. وبعد أن بلغ عامه الثاني، انضمت إليه طفلة وُلدت في ستوكهولم وتُركت، وهي في أيامها الأولى، في أحد مساجد المدينة، فأسمياها رونيا.
ومنذ تلك اللحظة، لا يعود هناك طفل جاء من العراق وآخر وُلد في المهجر، بل أخ وأخته يجمعهما بيت واحد، واسم واحد، ومستقبل واحد.
ويتابع الكاتب هذه التجربة بتفاصيلها اليومية الهادئة؛ فيكبر الطفلان معاً، يتقاسمان اللعب والدراسة، ويختلفان ثم يتصالحان كما يفعل أي أخ وأخته، حتى تصبح رابطة الحياة المشتركة أقوى من أي رابطة أخرى. وفي الوقت نفسه، تحرص الأسرة على أن يبقيا على صلة بجذورهما العراقية، فيتعلمان العربية، ويتعرفان إلى تاريخ العراق وثقافته، بينما يندمجان بصورة طبيعية في مجتمع نشأتهما الأوروبي. وهكذا تغدو الهوية في السيرة الروائية مساحةً للاتساع لا للانقسام، ويصبح الانتماء المزدوج مصدر غنى لا سبباً للاغتراب.
ومن خلال هذه التجربة يؤكد الكاتب أن الأسرة ليست رابطة دم فحسب، وإنما مشروع محبة ومسؤولية والتزام، وأن الأبوة والأمومة تُقاسان بما يمنحه الإنسان من رعاية وأمان، لا بما يرثه الأبناء من جينات.
ومن الناحية الرمزية، تبدو رحلة التبني امتداداً لرحلات البطل السابقة. ففي الماضي كان يعبر الحدود حاملاً السلاح والحلم الثوري، أما اليوم فهو يعبرها حاملاً طفلة تبحث عن مستقبل. بقيت الحدود كما هي، وبقيت المخاطر والبيروقراطية والمهربون وتعقيدات الدول، لكن الهدف تغيّر؛ من محاولة تحرير وطن إلى إنقاذ إنسان.
وتكمن هنا إحدى أعمق دلالات السيرة الروائية؛ فهي توحي بأن بناء مجتمع أفضل قد يبدأ أحياناً من بناء أسرة أفضل، وأن إنقاذ طفل واحد قد يكون أكثر أثراً من آلاف الشعارات التي بقيت عاجزة عن تغيير الواقع.
ولعل أجمل ما يميز هذا العمل هو رفضه الاستسلام لليأس. فبرغم الحروب والمنفى والخسارات، لا يغرق الكاتب في السوداوية، بل يمنح شخصياته القدرة على النهوض مرة بعد أخرى، مؤكداً أن الإنسان لا يُقاس بعدد هزائمه، بل بعدد المرات التي ينهض فيها ليواصل الطريق.
أما فنياً، فيتميز الكتاب ببنية تعتمد على تداخل الأزمنة، حيث تتحرك الذاكرة بحرية بين البصرة والقامشلي ودمشق وستوكهولم، دون أن يفقد السرد تماسكه. كما ينجح الكاتب في المزج بين الواقعية التسجيلية والنبرة الوجدانية، فيمنح الأحداث صدقيتها التاريخية، ويمنح الشخصيات عمقها النفسي في آن واحد.
وتحضر السخرية العراقية في أكثر من موضع بوصفها وسيلة لمقاومة القسوة، لا للتخفيف منها فحسب. فهي سخرية تنبع من خبرة طويلة مع الحروب والهزائم، وتجعل القارئ يبتسم في اللحظة التي كان يتوقع فيها البكاء، فيكتشف أن الضحك قد يكون، هو الآخر، شكلاً من أشكال النجاة.
وفي المحصلة، لا يقدم "الخيار الآخر" إجابات جاهزة بقدر ما يطرح سؤالاً وجودياً بالغ الأهمية: ماذا يفعل الإنسان عندما تتهاوى الأحلام التي كرّس لها عمره؟ ويأتي الجواب هادئاً وعميقاً؛ يبدأ من جديد، ولكن على أرض أكثر صلابة، ويبحث عن معنى آخر للحياة، ويصنع انتصاره الخاص، ولو كان بحجم طفل وجد أخيراً من يمنحه اسماً، وعائلة، ومستقبلاً.
إن القيمة الحقيقية لـ"الخيار الآخر" لا تكمن في أنها تؤرخ لتجربة سياسية أو شخصية فحسب، بل في أنها تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية النهائية لكل نضال. فالثورات قد تنجح أو تخفق، والأنظمة قد تسقط أو تستبدل بغيرها، لكن الرحمة والمحبة والقدرة على منح الآخرين فرصة لحياة جديدة تبقى الانتصار الوحيد الذي لا تهزمه الأيام. ومن هنا تبدو هذه السيرة الروائية أكثر من استعادة للماضي؛ إنها دعوة هادئة إلى إعادة تعريف معنى النجاح، والانتصار، والوطن، والأسرة، وإلى الإيمان بأن الطريق إلى عالم أفضل قد يبدأ من قلب إنسان اختار أن يمنح إنساناً آخر بيتاً واسماً ومستقبلاً.
***
جورج منصور








