عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

مراد غريبي: إبستمولوجيا الحضارات

قراءة في كتاب "مشكلة الحضارات" لزكي الميلاد

مقدمة: الحضارة الإنسانية واحدة من أعظم الظواهر الإبداعية في تاريخ البشر، إذ تُجسّد التفاعل المتشابك بين الفكر الإنساني والبيئة، والزمن والمكان، في بناء منظومات معرفية وقيمية واجتماعية تتجاوز حدود الفردية نحو التراكم الجمعي للخبرة الإنسانية. وفي خضم التطوُّرات الجيوستراتيجية والتحوُّلات الإبستمولوجية المعاصرة، تشهد دراسة النظريات الحضارية تجدُّدًا مستمرًّا يُحتّم على الباحثين والمفكرين إعادة النظر في الأطر التحليلية، والمنهجيات التفسيرية التي تحكم فهمنا لديناميكيات الحضارات وقوانين تطورها.

لهذا كانت وما تزال الأهمية الاستراتيجية لدراسة نظريات الحضارات وروادها تكمن في كونها تقدِّم مفاتيح تحليلية أساسية لفكِّ الشفرات المعقَّدة للتحوُّلات التاريخية والاجتماعية، من خلال رؤى فكرية متراكمة تمتدُّ من الإسهامات الخلدونية الرائدة في فهم العصبية والدورة الحضارية، وجان باتيستا فيكو في الفكر الغربي المبكر، مرورًا بالنظريات الغربية المعاصرة لأشفيتسر وشبنجلر وتوينبي وهنتنغتون، وصولًا إلى الإسهامات العربية المعاصرة كنظرية مالك بن نبي الحضارية وغيرها. هذا التراكم النظري يُمكّن من بناء أدوات تحليلية متطوِّرة لفهم آليات النهوض والانحطاط الحضاري، والتنبُّؤ بمسارات التطور المستقبلي للمجتمعات الإنسانية.

غير أن تعزيز الدراسات الحضارية المقارنة، يتطلَّب تجاوز النزعات الاختزالية والمقاربات الأحادية التي تُهيمن على كثير من البحوث المعاصرة، والسعي نحو بناء منهجيات تكاملية تُحقِّق التوازن بين الموضوعية النقدية والانفتاح على التنوُّع الحضاري. لاسيما أن هذا التوجُّه المنهجي يُمهّد الطريق أمام تطوير رؤية كونية متوازنة حول تعارف الحضارات وحوار الثقافات، تتجاوز نماذج الصدام والهيمنة نحو نماذج التفاعل الحضاري الخلَّاق والتلاقح الثقافي المثمر. فمن خلال هذه المقاربة التكاملية، تُصبح الدراسات الحضارية جسرًا معرفيًّا يربط بين التراثات الفكرية المختلفة، ويُسهم في بناء عالم أكثر تفاهمًا وتعاونًا، حيث يُصبح التنوُّع الحضاري مصدر إثراء جمعي للخبرة الإنسانية بدلًا من كونه مصدرًا للتنافر والصراع والهيمنة والأحادية الحضارية الاستدمارية.

من هذا المنطلق جاء كتاب «مشكلة الحضارات.. قراءة تحليلية ونقدية لنظريات معاصرة» للأستاذ زكي الميلاد ليُشكِّل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال دراسات الحضارة المقارنة، حيث يسعى إلى كشف أهم مقولات مفكري الحضارة، وبيان أسباب اختلاف مذاهبهم وتباين مقارباتهم ونقاط تلاقيهم[1]. يتميِّز الكتاب بشموليته في تناول أبرز النظريات الحضارية في القرن العشرين، إذ يجمع تحت مظلَّة واحدة خمس نظريات مهمَّة ومؤثِّرة شكّلت الوعي المعاصر بالمسألة الحضارية.

كما تكمن أهمية هذا العمل في ناحية «جودة العرض، ووضوح الفكرة، وعمق التحليل والنقد»[2]، مما يجعله مرجعًا أساسيًّا لفهم التطورات النظرية في مجال دراسات الحضارة. كما يُظهر الكتاب وعيًا عميقًا بضرورة «تعارف الحضارات»[3]، وهو ما ينعكس في منهجيته المتوازنة التي تجمع بين التراث الفكري الغربي والإسلامي.

إذ يؤسِّس المؤلِّف رؤيته على فهم عميق لمعنى الحضارة كمفهوم جامع يتجاوز الحالات التاريخية المخصوصة إلى دراسة الأنماط الكبرى للتطور البشري. هذا التصوُّر يضع الكتاب في سياق فلسفي واسع، حيث لا تُفهم الحضارة كمجرَّد مجموعة من الإنجازات المادية، بل كنظام متكامل يشمل جوانب روحية وثقافية واجتماعية متعدِّدة.

تُظهر مقدِّمة ناشر الكتاب أن التفكير في الحضارة بات «بابًا للنظر التاريخي الواسع، ومنهجًا لاستنطاق خلاصات التاريخ، والكشف عن الأسباب العميقة وراء حركة الدول والأمم»[4]. هذا المدخل يعكس وعيًا بالطبيعة المعقَّدة للمسألة الحضارية وحاجتها إلى مقاربة شمولية تتجاوز الدراسات الجزئية التجزيئية.

اتَّبع المؤلف منهجًا متوازنًا يقوم على ثلاثة مستويات: العرض والتحليل والنقد. هذه المنهجية تُمكِّن من فهم طبيعة الاختلافات النظرية وأسبابها، وتحديد نقاط القوة والضعف في كل مقاربة حضارية. كما يحرص المؤلف على تقديم نقد متوازن لا يكتفي برصد السلبيات بل يُبرز الإسهامات الإيجابية لكل نظرية.

أولًا: النظرية الأخلاقية للحضارة عند أشفيتسر..

الأسس النظرية والفلسفية

قدَّم المفكر الألماني ألبرت أشفيتسر (1875 - 1965م) رؤية مبتكرة للحضارة تقوم على الربط العضوي بين التقدُّم المادي والرُّقي الأخلاقي. ويرى في كتابه «فلسفة الحضارة» أن «افتقارنا إلى حضارة حقيقية مرجعه إلى افتقارنا إلى نظرية في الكون. وحينما يتهَيَّأ لنا الوصول إلى نظرية قوية ثمينة في الكون، نجد فيها اعتقادًا قوّيًّا ثمينًا، هنالك فقط يكون في وسعنا إيجاد حضارة جديدة»[5].

واعتبر أشفيتسر أن الحضارة الحقيقية لا تكمن في الإنجازات التقنية والمادية فحسب، بل في قدرة الإنسان على تطوير قيمه الأخلاقية وعلاقته المسؤولة مع الكون. هذا التصور يُمثِّل نقدًا جذريًّا للحضارة الغربية المعاصرة التي شهدت تطورًا ماديًّا هائلًا مقترنًا بتراجع في القيم الإنسانية.

تتمحور نظرية أشفيتسر حول مفهوم «أزمة الحضارة الغربية» التي يُعزيها إلى «انفصال التقدُّم التقني عن التطور الأخلاقي، مما أدَّى إلى حضارة قوية ماديًّا لكنها فقيرة روحيًّا، منطلقًا من «إن محاولة التمييز بين الحضارة (kultur) كما يسميها الألمان، وبين المدنية بوصفها مجرَّد التقدُّم المادي، يهدف إلى جعل العالم يألف فكرة نوع من الحضارة لا أخلاقي إلى جانب نوع أخلاقي منها، كما يهدف إلى إلباس النوع الأول بلباس كلمة ذات معنى تاريخي»[6].

هذا التشخيص يكتسب راهنية خاصة في عصرنا الحالي، حيث تتزايد المخاوف من الآثار السلبية للتقدُّم التقني على القيم الإنسانية.

أمام هذه النظرية وبعد تحليل وتشخيص، سجَّل المؤلِّف، عدَّة ملاحظات نقدية أهمها:

1- رأى المؤلِّف أن هذه النظرية «غلب عليها حسُّ المناقشة النظرية الفكرية والفلسفية والأخلاقية، وغاب عنها كلّيًّا حسُّ الإشارة إلى الوقائع والحوادث والمواقف، وإلى الخبرات والمشاهدات التي عايشها أشفيتسر وعاصرها، ومثّلت له منبع إلهام، ومصدر تفكير. بشكل ظهر الكتاب كما لو أنه كتاب نظري يخاطب الطبقة العليا من المثقفين، ويتّجه إلى أهل الاختصاص من الباحثين في حقل الدراسات الأخلاقية والحضارية»[7].

2- لاحظ المؤلِّف أن أشفيتسر «أسهب كثيرًا في الحديث عن الأفكار والنظريات الأخلاقية الأوروبية فحصًا وتحليلًا ونقدًا، بشكل ظهر كتابه كما لو أنه كتاب عن الأخلاق وفلسفة الأخلاق وليس عن الحضارة وفلسفة الحضارة، أو أنه كتاب عن الأخلاق ثم عن الحضارة وليس كتابًا عن الحضارة ثم عن الأخلاق، فقد اختلَّت الموازنة بين الأصل والفرع، فظهر الكتاب وكأن جانب الأصل فيه لموضوع الأخلاق، وجانب الفرع لموضوع الحضارة وليس العكس»[8]. كما انتقد المؤلِّف النزعة المثالية المفرطة في ربط مصير الحضارة بالأخلاق فقط، من دون اعتبار كافٍ للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3- لمَّح إلى المؤلِّف أن «مفهوم الأخلاق عند أشفيتسر يتأثَّر بالرؤية المسيحية الغربية ويتجاهل الرؤية الإسلامية، مما يحدُّ من قابليته للتطبيق العالمي»[9].

4- وجد المؤلِّف عدم واقعية أشفيتسر ونزعته المثالية، منتقدًا إياه قائلًا: «لو تحدَّث أشفيتسر بدل هذه النصوص عن التاريخ اللاأخلاقي لأوروبا، لكان أبلغ بيانًا، وأصدق نصًّا، وأنصع أخلاقًا، وأوثق تاريخًا»[10].

رغم هذه الانتقادات، يُقرُّ المؤلِّف بأهمية إسهام أشفيتسر وما قّدمه في كتابه «فلسفة الحضارة» من «مادة فكرية غزيرة حول الأفكار والنظريات الأخلاقية الأوروبية على أقسامها وأزمنتها، مبرزًا إرثًا أخلاقيًّا مهمًّا، كاشفًا عن مدى تراكم هذه الأفكار والنظريات وسعتها وتطوُّرها في ساحة الفكر الأوروبي، وتتابعها وعدم انقطاعها منذ الأزمنة القديمة اليونانية والرومانية، متوقفًا بعناية عند القرون الثلاثة الأخيرة السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، وصولًا إلى القرن العشرين»[11].

ثانيًا: ثنائية الحضارة والمدنية عند شبنجلر

طرح المفكر الألماني أوزوالد شبنجلر (1880 - 1936م) في كتابه الشهير «تدهور الغرب» رؤية جذرية للتاريخ، تقوم على التمييز الأساسي بين الحضارة (Kultur) والمدنية (Zivilisation)، حيث إن «الحضارة تُمثِّل المرحلة الإبداعية والروحية في حياة الشعوب، بينما المدنية تُمثل مرحلة التحجُّر والانحدار»[12]. هذا التمييز يُشكِّل أساس نظرية شبنجلر في «التقسيم الثلاثي للتاريخ عبر الدورات الحضارية» التي تُشبه دورة الحياة البيولوجية من النشوء إلى النضج فالشيخوخة والموت.

تتميَّز رؤية شبنجلر برفضها للتصوُّر الخطِّي للتقدُّم التاريخي، وتبنِّيها لمفهوم الدورات الحضارية المستقلة والمتوالية، هذا التصوُّر يتحدَّى الرؤية الغربية التقليدية للتاريخ باعتباره مسارًا تقدميًّا يقود نحو اعتبار الحضارة الغربية كذروة للتطوُّر الإنساني.

طوَّر شبنجلر نظرية شاملة عن «تدهور الغرب» تقوم على فكرة أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة المدنية، أي مرحلة التحجُّر والانحدار الروحي، «معتبرًا أن المدنية هي نتيجة منطقية جوهرية مفهومة، تمثِّل تحقُّقا مكتملًا، ونهاية لمطاف الحضارة، فلكل حضارة مدنيتها الخاصة، ومن ثَمَّ فإن المدنية هي المصير الحتمي للحضارة»[13]. يبرز هذا التشخيص في مظاهر متعدِّدة، منها تقديمه لتصويرات «تشبيهية من عوالم مختلفة، راجعًا تارة إلى عالم الإنسان، وتارة إلى عالم الطبيعة. من هذه التصويرات اعتبار شبنجلر أن الحضارة تمثِّل الجسد الحي للنفس والمدنية تمثِّل مومياءها، وفي تصوير آخر اعتبر شبنجلر أن الحضارة هي بمثابة نظام عضوي أولدته الأرض الأم، والمدنية أنجبتها الميكانيكية المنطلقة من الصناعة الخشنة»[14].

وناقش شبنجلر ثنائية «الحضارة والمدنية» من عدَّة نواحي (الإنسان، والأخلاق، والتاريخ)، و«على ضوء التأمُّلات والتنقيبات والتحليلات توصَّل شبنجلر إلى خلاصة تعدُّ من أقوى الخلاصات وأنضجها، كاشفًا عن مراحل تطوُّر الشكل الباطني للمدنية في علاقتها بالحضارة، متحدِّدة في ثلاثة مراحل أشار إليها شبنجلر من دون بيان وتفصيل، وكأنه يتحدَّث عن عناوين رئيسة مجملة بلا تبيين، هذه المراحل الثلاث هي: المرحلة الأولى: التحرُّر من الحضارة، المرحلة الثانية: نشوء شكل أصيل للمدنية، المرحلة الثالثة: التيبُّس والتصلُّب النهائيين للمدينة»[15]، بمعنى سيطرة النزعة المادية، وتراجع الإبداع الفني والفكري، وهيمنة التقنية على حساب الروح.

وسَّع شبنجلر نظريته لتشمل «طبيعة الحضارات وبنيتها»، إذ يرى أن «كل حضارة تتميَّز برؤية فريدة للعالم، وأساليب تعبير خاصة بها في الفن والفلسفة والدين»[16]. هذا التصوُّر يُؤكِّد على التنوٌّع الحضاري، ويرفض فكرة الحضارة الواحدة أو النموذج الحضاري الأوحد.

قدَّم الأستاذ زكي الميلاد تحليلًا مقارنًا للنقد الذي وُجِّه إلى نظرية شبنجلر في السياقين الغربي والعربي. من الناحية الغربية، واجهت النظرية «انتقادات بسبب حتميتها المفرطة، ونظرتها التشاؤمية للمستقبل الغربي»[17]. كما انتُقد «منهجها القائم على التشبيه البيولوجي الذي يختزل التعقيدات التاريخية في قوالب جامدة»[18].

أما من المنظور العربي، فقد وجدت النظرية «استقبالًا متباين الآراء، حيث رأى بعض المفكرين فيها تأكيدًا لإمكانية نهضة حضارية عربية إسلامية جديدة، بينما رفضها آخرون بسبب نزعتها الأوروبية المركزية»[19].

وبشأن نقد المؤلف وتقويمه لنظرية شبنجلر حول الحضارة، يمكننا تحديده في النقاط الآتية:

1- رأى المؤلِّف أن نظرية شبنجلر حول الحضارة تميّزت ببنية فلسفية موسوعية، إذ تجاوز فيها المناهج الوضعية التقليدية، معتمدًا مقاربة تركيبية تشمل الجوانب الدينية والفنية والعلمية والسياسية والاقتصادية، ما جعل من عمل شبنجلر يمثِّل علامة فارقة في تاريخ الدراسات الحضارية.

2- لاحظ المؤلِّف أن شبنجلر انطلق من تحليل مسار الحضارة الغربية، مستشرفًا حتمية أفولها استنادًا إلى قانون الدورات الحضارية، ووصف فلسفته بالتشاؤمية التاريخية، رغم أن منهجه يتجاوز حدود هذا التصنيف، ويطرح إشكاليات أعمق حول مصير الحضارة الإنسانية.

3- صوَّر المؤلِّف أن كتاب شبنجلر اتَّسم بالإسهاب والاتِّساع الموضوعي، إذ تناول قضايا متنوِّعة تتعلَّق بفلسفة الدين والفن والرياضيات وغيرها، الأمر الذي يؤدي إلى تشتُّت تركيز القارئ، مع أن بالإمكان اختزال نظريته المركزية في القول بأن الحضارة كائن عضوي والتاريخ هو سجل تطوّرها.

4- سجّل المؤلِّف على كتاب شبنجلر غياب ملحوظ لنقد أو تحليل نظريات الحضارة السابقة عليه، إذ لم يناقش بشكل معمَّق آراء فلاسفة ومؤرخي الحضارة من أمثال جان باتيستا فيكو، رغم اشتمال كتابه على سجالات فكرية واسعة مع العديد من المفكرين.

5- قدَّر المؤلف أن المقارنات العربية والغربية أبرزت توافقًا واضحًا بين أطروحات شبنجلر وابن خلدون حول دورة الحضارة ونهايتها والنزعة التشاؤمية، غير أن شبنجلر تجاهل ذكر ابن خلدون رغم التشابه المنهجي بينهما، ما يُثير علامات استفهام حول دوافع هذا التغاضي.

6- خطَّأ المؤلف شبنجلر حين قدّم الحضارة العربية ضمن ما أسماه الحضارات «المجوسية»، جامعًا الإسلام مع الأديان الأخرى، وهو طرحٌ قوبل باعتراضات فكرية معتبرة، لا سيما من جانب المفكرين المسلمين الذين أكَّدوا خصوصية الحضارة الإسلامية وقطيعتها مع الأطر الدينية السابقة.

ثالثًا: فلسفة التاريخ الحضاري عند توينبي

يعدُّ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889 - 1975م) من أكثر مؤرخي الحضارة تأثيرًا في القرن العشرين، حيث طوَّر منهجية شاملة لدراسة التاريخ الحضاري تقوم على اعتبار أن «الحضارة وليس الدولة هي الوحدة الدراسية الأساسية للتاريخ»[20]. هذا المنهج يُمكِّن من «فهم أوسع للتطورات التاريخية، والكشف عن الأنماط الكبرى التي تحكم حركة الحضارات»[21].

تميَّز منهج توينبي بشموليته الجغرافية والزمنية، حيث يشمل جميع الحضارات المعروفة عبر التاريخ، وليس الحضارة الغربية فقط. هذا التوسُّع يُقدِّم رؤية متوازنة للتاريخ الإنساني تُنصف الإسهامات الحضارية المختلفة، إذ يذهب توينبي في إجراء مقارنة بين الحضارات مضمِّنًا ذلك كله بعدَّة اعتراضات حدَّدها المؤلِّف في خمس.

تقوم نظرية توينبي في «انبثاق الحضارات» على مفهوم «التحدي والاستجابة»، حيث يرى أن الحضارات تنشأ وتتطوَّر نتيجة استجابتها الإبداعية للتحديات البيئية والإنسانية. هذا المفهوم يُفسِّر «كيف تُحول المجتمعات التحديات الصعبة إلى فرص للنمو والإبداع، بينما تفشل أخرى في مواجهة نفس التحديات». وقد حدَّد المؤلف التنويع الحضاري عند توينبي للحضارات إلى ثلاثة أنماط: (المتطورة، العقيمة، المعطلة).

طبَّق توينبي نظرية التحدي والاستجابة على «انهيار الحضارات» أيضًا، إذ يعزو السقوط إلى «الإخفاق في تقرير المصير، وضعف النخب الحاكمة في الاستجابة الإبداعية للتحديات الجديدة، مما يؤدي إلى تصلُّب المؤسسات وتراجع الحيوية الاجتماعية بعد حرمان الحق في توجيه إرادة المجتمع نحو تحقيق الفعل النافع». وفي جانب آخر عرض المؤلِّف لنقض توينبي خمس نظريات حول انهيار الحضارات.

كما قدَّم توينبي تحليلًا عميقًا لـ«مصائر الحضارة الغربية» اتَّسم بالتوازن بين التفاؤل والحذر. ناظرًا إلى أن الحضارة الغربية تواجه تحديات جديدة تتطلّب استجابة إبداعية، وإن فشلت في ذلك فقد تدخل مرحلة الانحدار. لكنه يُؤكِّد على أن المستقبل مفتوح والتاريخ لا يحكمه قانون حتمي للانهيار.

رغم ما قدَّمه توينبي من اعتراضات ونقض حول تشكُّل الحضارات وتطوُّرها وانهيارها، فقد تعرَّضت نظريته لانتقادات عديدة، أشار المؤلِّف لأهمِّها، ومن هؤلاء النُّقَّاد: بروس براندر، والمؤرخ الهولندي بيتر جيل، وبيترم سروكن عالم الاجتماع الروسي الذي أخذ على توينبي «تطويل دراسته التاريخية بلا مبرِّر، وكان بإمكانه تركيزها من دون أن تفقد شيئًا من روعتها. كما أخذ عليه -أيضا- تفاوت اطِّلاعه على أحوال الحضارات المختلفة التي تناولها في أبحاثه، وانهماكه في تقرير مبادئ كان بعض علماء الاجتماع مثل: كتارد ودركهايم وماكس فيبر قد فرغوا من بحثها قبله، كمبدأ المحاكاة وقوانينه.

واللافت من بين كل هذه الانتقادات، هو النقد اليهودي الذي تجاوز حدود النقد إلى الصراع السياسي التاريخي، وقد حدث ذلك نتيجة أن توينبي أظهر موقفًا مغايرًا تجاه اليهود في التاريخ، وقدَّم موقفًا نقديًّا شديدًا تجاه الاحتلال الإسرائيلي، معتقدًا بحسب قوله: «إن احتلال إسرائيل للأراضي العربية يمثِّل عملًا شريرًا وغير إنساني، مثل احتلال ألمانيا لتشيكوسلوفا وبولندا»[22].

هذا عن النقد الغربي، بينما في مجالنا العربي عرض المؤلِّف لبعض ملاحظات ومقاربات جاءت من الباحثين السوري والعراقي قسطنطين زريق وعماد الدين خليل، والأبرز منها هي تعقيبات المؤرخ العراقي طه باقر، الذي استعرض أهم مطارحات نقاد نظرية توينبي، ثم سجَّل ملاحظة عدَّها منسوبة إليه، رأى فيها حالة من الانتقائية للحوادث التاريخية عند توينبي، معتبرًا أنها تخالف قواعد منهج البحث التاريخي، ملاحظًا عليه أنه في بعض القضايا ينتخب أو ينتقي بعض الحوادث ويُهمل حوادث أخرى لها صلة بالقضية نفسها، بشكل يؤثِّر في استنتاجاته، ويؤدي إلى نوع من الشطط. مستشهدًا على ذلك بمثال من تاريخ إنجلترا طبَّق عليه توينبي نظرية الاعتزال والظهور بالنسبة إلى الأقليات المبدعة، حيث عدَّ انقلاب سنة 1688م عملًا مبدعًا، استطاعت إنجلترا إنجازه بسبب اعتزالها مقابل القارة. وفي نظر طه باقر أن توينبي قد أغفل ذكر حوادث مهمة رأى أنها تناقض استنتاجه[23]، وهذه الملاحظة تقريبًا نفسها نجدها لدى بيتر جيل المؤرخ الهولندي.

أما عن المؤلِّف الأستاذ زكي الميلاد، فقد قدَّم ملاحظات مهمَّة، من أهمها أن توينبي في حديثه عن انحلال الحضارات وانهيارها، قدَّم تحليلًا هو أقرب إلى انهيار الدول وليس الحضارات، وكأنه بإدراك منه أو من دون إدراك أحلَّ فكرة الدولة في هذا الشأن مكان فكرة الحضارة[24]، كما تبنَّى المؤلِّف رؤية مالك بن نبي حين حاول تمييز نظرية توينبي في الحضارة، فقد ميَّزها من ناحية العامل الطبيعي، من دون الإشارة أو الالتفات إلى عامل التحدي البشري، معتبرًا أن توينبي جاء بتفسير ضخم للحضارة يلعب فيه العامل الجغرافي دورًا أساسيًّا، جاعلًا من الطبيعة بالخصوص -أي الجغرافيا- هي التي تقوم بالتحدي، مفسِّرًا به مذهبه في الحضارة، وهذا ما لا يراه بخصوص تفسير تكوين الحضارة الإسلامية[25].

رابعًا: الحضارة والسياسة في نظرية هنتنغتون.. السياق المعاصر والنظرية

تُعدُّ نظرية صمويل هنتنغتون (1927 - 2008م) حول «صدام الحضارات» من أكثر النظريات الحضارية إثارة للجدل في العقود الأخيرة. حيث طوَّر هنتنغتون نظريته في سياق نهاية الحرب الباردة، وفي إطار البحث عن نماذج جديدة لفهم النزاعات الدولية، إذ يرى أن الصراعات المستقبلية ستكون بين الحضارات، وليس بين الدول أو الأيديولوجيات. وتقوم نظريته على فكرة أن «الهوية الحضارية ستصبح المحرِّك الأساسي للسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين». وهذا التصوُّر يُعيد تعريف مفهوم الأمن الدولي والتحالفات السياسية بناءً على الانتماء الحضاري.

عرَّف هنتنغتون الحضارة بأنها «أوسع مستوى للهوية الثقافية التي تميِّز البشر عن الأنواع الأخرى». وحدَّد سبع أو ثماني حضارات معاصرة هي: «الغربية، والإسلامية، والصينية، واليابانية، والهندوسية، والأرثوذكسية، واللاتينية، وربما الأفريقية». تنبَّأ بـ«اضمحلال الحضارة الغربية» نسبيًّا مع صعود «الحضارات المتحدية» وبخاصة الصينية والإسلامية. وهذا التحوُّل سيُغيِّر موازين القوة العالمية، ويُثير احتمالات الصدام بين القيم والمصالح الحضارية المختلفة.

واجهت نظرية هنتنغتون انتقادات واسعة وذلك لتبسيطها المفرط للتعقيدات الثقافية والسياسية، وتجاهلها للتنوُّع داخل كل حضارة، وهذا ما نجده في كتاب الباحث الألماني دييتر سنغاس المنشور سنة 1998م، بعنوان: (الصدام داخل الحضارات.. التفاهم بشأن الصراعات الثقافية)، دعا فيه إلى الحوار بين الثقافات والتفاهم بشأن الصراعات الثقافية، وقد ضمَّنه نقدًا لنظرية صدام الحضارات، واصفًا حجج هنتنغتون بالضعف والسطحية والسوداوية[26]. كما انتُقدت نظرية هنتنغتون من قِبَل الألماني هارالد موللر، وذلك لنزعتها التي «تُحرِّض على الصدام بدلًا من تعزيز الحوار بين الثقافات»[27].

وفي المجال العربي تعرَّضت نظرية هنتنغتون إلى النقد، ويبرز من في هذا الشأن نقد الدكتور محمد عابد الجابري، وقد عرض له المؤلف الميلاد مفصَّلًا.

ورغم هذه الانتقادات، يُقِرُّ المؤلِّف بأن النظرية أثارت نقاشات مهمَّة حول دور الثقافة في السياسة الدولية، وضرورة فهم التنوُّع الحضاري في عالم متعدِّد الأقطاب، وذهب المؤلِّف إلى أن هنتنغتون يعرف قبل غيره أنه ليس أول القائلين بصدام الحضارات فكرةً ومفهومًا ومصطلحًا، فقد سبقه إليه كتَّاب وباحثون ومؤرّخون، يبرز من هؤلاء ويتقدَّم المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي الذي له محاضرة ترجع إلى سنة 1947م، ألقاها في كليه برين مور بولاية بنسلفانيا الأمريكية، بعنوان: (الصراع بين الحضارات)، نشرتها في السنة نفسها مجلة هاربر الأمريكية، ثم ضمَّها توينبي لاحقًا في كتابه: (الحضارة في الميزان) الصادر سنة 1948م، مقدّمًا فيها نصًّا مهمًّا يدرك الحاجة إليه كل من يؤرّخ لصدام الحضارات فكرة ومفهومًا.

وهنا تساءل الأستاذ الميلاد: لا ندري لماذا تجاهل هنتنغتون هذا النص بما يمثّل من لحظة تاريخية مبّكرة وفارقة، ولماذا تغافل عنه وسكت، ليس جهلًا قطعًا ولا نسيانًا، وليس لأنه نصٌّ لا أهمية له ولا قيمة، أو أن أهميته قد تلاشت أو تراجعت، أو أصبح باليًا وعتيقًا، غطَّى عليه الزمن، وتخطَّته التطوُّرات، فجميع هذه الحالات لا صحة لها ولا أساس. ويبقى السبب الحقيقي مكتومًا عند هنتنغتون، فاتحًا على نفسه بهذا الكتمان بابًا لتأويلات شتَّى!

ما يؤكِّد هذه الملاحظة ويضاعف جدِّيتها، أن توينبي في نصِّه المذكور لم يناقش فكرة الصراع بين الحضارات بالعودة إلى الماضي والتاريخ القديم، واقفًا عندهما، ومنحصرًا عليهما، وإنما كان ناظرًا كذلك إلى المستقبل، مقدِّمًا تنبُّؤات تمتدُّ إلى مدى بعيد، ملتفتًا في تنبُّؤاته بشكل أساسي إلى الحضارة الغربية ومستقبلها. وهي القضية ذاتها التي شغلت هواجس هنتنغتون، ومثَّلت جوهر قضيته ولّبها.

ومن بين أقوال توينبي الدالَّة والجامعة بين فكرة المستقبل من جهة، وفكرة صدام الحضارات من جهة أخرى، وعلاقتهما بالحضارة الغربية، ما أبان عنه قائلًا: «إن مؤرخي المستقبل سيقولون: إن الحادثة الكبرى في القرن العشرين، هي اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم... وسيقولون عن هذا الصدام: إنه بلغ من القوة والشمول بحيث أدَّى إلى قلب ضحاياه رأسًا على عقب... وأثَّر بشدَّة في سلوكهم وآرائهم ومشاعرهم وعقائدهم رجالًا ونساء وأطفالًا... إنني أعتقد أن هذا ما سيقوله المؤرخون الذين ينظرون خلفهم إلى عصرنا حتى من تلك السَّنة القريبة منا، أَلَا وهي سنة 2047م»[28].

إضافة إلى ذلك ارتبطت فكرة صراع الحضارات بالمستشرق الإنجليزي برنارد لويس، وبالناقد العربي الدكتور المهدي منجرة الذي جاء هنتنغتون على ذكر اسمه في كتابه «صدام الحضارات». واللافت هنا ما أشار إليه الأستاذ الميلاد معتبرًا أن هنتنغتون أسهم «في تجديد الاهتمام بفكرة الحضارة، وتحريك هذه الفكرة في المجال التداولي الإنساني العام، ولفت الانتباه إلى العلاقة بين الحضارات من جهة، والسياسة العالمية من جهة أخرى، ومدى إمكانية الاستناد إلى فكرة الحضارات في تحليل السياسات العالمية واستشرافها، جاعلًا من فكرة الحضارات واحدة من الأفكار الممكنة والمفيدة في هذا المجال، ومقرِّبًا العمل بمنهج التحليل الحضاري في دراسة السياسات والسياسات العالمية»[29].

هذا من جهة، ومن الأخرى حدَّد الأستاذ الميلاد ملاحظة مهمَّة حول رؤية هنتنغتون، مبيِّنًا أن «هنتنغتون بقدر ما لفت الانتباه لفكرة الحضارات وعلاقتها بالدول وبالسياسة العالمية، بقدر ما أضاف تعقيدات لا سابق لها في هذا الشأن، وأثار بعض الإشكاليات والهواجس والمخاوف على مستوى العلاقات الدولية، نتيجة الحديث المتزايد عن حروب حضارية بين الدول، وصراعات حضارية بين الحضارات، والتبشير بحرب حضارية باردة تحل مكان الحرب الباردة السابقة، وتقسيم العالم إلى مناطق ثقافية وحضارية مغلقة ومتصادمة أحيانًا»[30].

وأضاف الأستاذ الميلاد مؤكِّدًا في الوقت ذاته على أننا «نتَّفق بقدرٍ ما مع هنتنغتون على وجود صدام بين الحضارات، ولا ننفي بالمطلق وجود مثل هذا الصدام الذي حدث ويحدث في مختلف أزمنة تاريخ الحضارات، ويعدُّ أحد أنماط العلاقات بين الحضارات، ويتجاور مع أنماط أخرى مثل: التواصل والتفاعل والتعارف وغيرها. بما يعني أن الحرب أو الصدام ليس هما القاعدة أو الأصل في العلاقات بين الحضارات»[31].

وتمَّم الأستاذ الميلاد كلامه ناظرًا إلى أن «ما نختلف فيه مع هنتنغتون ونعترض عليه، أنه قدَّم تصوُّرًا مغاليًا لصدام الحضارات، مبشِّرًا ببقاء الصراعات ودوامها، واشتدادها وارتفاع وتيرتها، ودافعًا الحضارات نحو حروب باردة هي أشد خطورة من الحرب الباردة السابقة ما قبل تسعينيات القرن العشرين، وجاعلًا العالم منقسمًا على نفسه ومتصدِّعًا، ليس كما كان في السابق لأسباب وخلفيات سياسية واقتصادية وأيديولوجية، وإنما لأسباب وخلفيات أشد ترجع إلى الثقافة والحضارة والدين. وتأكيدًا لهذا المنحى الصدامي على مستوى الحضارات، حشد هنتنغتون في كتابه كمية كبيرة من المفاهيم التي تتَّصل بهذا النسق، مثل مفاهيم: الصدام الحضاراتي، الصراع الحضاراتي، الصدع الحضاراتي، الحرب الحضارية. كما وفَّر فيه مادة كبيرة أراد منها توثيق تاريخ الصدامات والصراعات والحروب بين الجماعات والدول والكيانات المتغايرة من جهة الثقافة والحضارة والدين. لذا يمكن القول: إن مفهوم صدام الحضارات عند هنتنغتون هو أشد خطورة من بين جميع القائلين بهذا المفهوم قبلًا وبعدًا»[32].

كما استعرض المؤلِّف أهم النظريات التي انبثقت كردِّ فعل أو تفاعل مع نظرية هنتنغتون ثم تساءل: «لم يكن مفهومًا على الإطلاق لماذا أغفل هنتنغتون أو تغافل الإشارة إلى نظرية حوار الحضارات، ولم يأتِ على ذكرها كلّيًّا في كتابه المستفيض الذي فاقت صفحاته خمسمائة صفحة. ولم يُبْدِ رأيًا واضحًا تجاه هذه النظرية لا توافقًا معها ولا اختلافًا، مع أنها نظرية لها شهرة واسعة في المجال الغربي، وتشترك مع نظرية صدام الحضارات في كونهما نظريتين تتَّصلان بأنماط العلاقات بين الحضارات، واحدة تتَّخذ منحى الحوار، وأخرى تتَّخذ منحى الصدام، ويتفارقان من هذه الجهة»[33].

وهذا الاستغراب نفسه طرحه صاحب كتاب حوار الثقافات الألماني هارلد موللر. أما الملاحظة المهمة جدَّا والتي فصَّلها المؤلِّف تفصيلًا، فقد عبَّر عنها قائلًا: «قدَّم هنتنغتون تصوُّرًا مرعبًا عن الإسلام سيِّئًا ومُشوَّهًا، مُصوِّرًا له بوصفه دينًا داميًا وعنيفًا، مُطلِقًا عليه عبارته الخطيرة قائلًا: «إن للإسلام حدودًا دموية»، مُكرِّسًا هذا الوصف عن الإسلام، ساعيًا لتأكيده وترسيخه، راجعًا تارة إلى وقائع مشوَّهة من التاريخ، وتارة إلى وقائع انتقائية من العصر الحديث، مُذكِّرًا بخطاب المستشرقين المعادين للإسلام دينًا وحضارةً، مقتفيًا أثرهم، مُتَلَبِّسًا روحهم، مُجدِّدًا تصوُّراتهم السيئة والمعادية. في هذا التصور ظهر هنتنغتون وكأنه يريد أن يحمل الإسلام وزر صدام الحضارات، بما في ذلك الصدام مع الغرب وحضارته، ناظرًا إلى تاريخ العلاقات بين الإسلام والمسيحية في الأزمنة القديمة، وبين الإسلام والغرب في الأزمنة الحديثة بوصفه تاريخ صراع مستمر، معتبرًا وبخلاف الكثيرين في الغرب أن مشكلة الغرب ليست مع المتطرِّفين المسلمين وإنما مع الإسلام نفسه، واصفًا العلاقات بين الإسلام والمسيحية سواء الأرثوذكسية أو الغربية أنها كانت عاصفة غالبًا، فكلاهما كان بمثابة الآخر بالنسبة إلى الآخر، مُقدِّرًا أن صراع القرن العشرين بين الديمقراطية الليبرالية والماركسية اللينينية ليس سوى ظاهرة سطحية وزائلة، إذا ما قورن بعلاقة الصراع المستمر والعميق بين الإسلام والمسيحية».[34].

وانتهى المؤلِّف متوقِّفًا عند طبيعة النقد في المجال العربي واصفًا له بالنقد التبسيطي، مُعقِّبًا بالقول: «وهذا النمط من النقد لا يقدِّم معرفة، ولا يفتح أفقًا، ولا يتَّسم بالدِّقَّة والتحقيق والموضوعية. فنظرية صدام الحضارات ليست بهذه البساطة، ولا بهذه الخفَّة والسذاجة، كما أنها -أيضًا- ليست بذلك التعقيد أو الابتكار، لكنها نظرية لها شأن في حقل دراسات الحضارة والحضارات»[35].

خامسًا: الحضارة والدين في فكر مالك بن نبي..

المقاربة الإسلامية للحضارة

اختتم المؤلِّف المفكِّر زكي الميلاد كتابه بدراسة مُعمَّقة لنظرية مالك بن نبي (1905 - 1973م)، المفكِّر الجزائري المسلم الذي قدم مقاربة إسلامية أصيلة للمسألة الحضارية تتجاوز النقل والتقليد إلى الإبداع النظري. إذ تتميَّز نظرية ابن نبي بربطها العضوي بين الدين والحضارة، واعتبار أن الفكرة الدينية هي المحرِّك الأساسي للنهضة الحضارية. وكما هو معروف فقد طوَّر ابن نبي مفهومًا شاملًا للحضارة، يُعرِّفها بأنها محصلة تفاعل ثلاثة عناصر أساسية هي: الإنسان والتراب والوقت، في إطار فكرة دينية موجَّهة. هذا التعريف يُؤكِّد على الطبيعة المتكاملة للعملية الحضارية، ودور الدين كموجِّه ومُحرِّك للطاقات البشرية.

تقوم نظرية ابن نبي على تحليل “دورة الحضارة” التي تمرُّ بثلاث مراحل هي: مرحلة الروح (الصعود)، ومرحلة العقل (الذروة)، ومرحلة الغريزة (الانحدار). هذا التحليل يُفسِّر كيف تنتقل الحضارات من مرحلة الإبداع والحيوية إلى مرحلة التقليد والجمود. كما ركَّز ابن نبي على مفهوم “القابلية للاستعمار” كعامل داخلي في انحدار الحضارة الإسلامية، إذ يرى أن الاستعمار نتيجة وليس سببًا لتراجع الحضارة الإسلامية. وهذا التشخيص يُحمِّل المسلمين مسؤولية نهضتهم بدلًا من إلقاء اللوم على العوامل الخارجية فقط.

إضافة إلى ذلك نبَّه ابن نبي بخصوص عنصر الإنسان، إلى ضرورة أن نضع أمامنا مشكلة الإنسان بأكملها، مع فهم كيف يؤثِّر الإنسان في تركيب التاريخ، وقد وجد أن الفرد يؤثِّر في المجتمع بثلاثة مؤثِّرات، بفكره أولًا، وبعمله ثانيًا، وبماله ثالثًا. وهذا يعني -بحسب تحليل ابن نبي- أن قضية الفرد دوره وفعاليته بحاجة إلى توجيه في ثلاثة أبعاد، هي: توجيه الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال.

نظرية ابن نبي والنقد العربي

في البعد النقدي انطلق المؤلَّف من عرض لبعض النُّقَّاد العرب لنظرية الحضارة عند مالك بن نبي، وتطرَّق إلى نقد غازي التوبة، وعقَّب عليه بخصوص عنصر التراب في معادلة الحضارة لمالك بن نبي، بالقول: إن هذه الملاحظة، هي من نمط الملاحظات التي تهبط بالنقاش حول نظرية ابن نبي، ولا ترتفع به، وتدفع نحو الابتعاد عن حقل الدراسات الحضارية الذي تنتمي إليه هذه النظرية وتنتسب، ولا تقترب منه، ورأى أن هذه الملاحظة تتَّسم بالاختزال والتبسيط في جانب العلاقة بين المسلم والحضارة.

وبحسب هذه الملاحظة، ما كان ينبغي الإشارة إلى عنصر التراب في نظرية ابن نبي بوصفه عنصرًا من عناصر الحضارة، يوازي ويعادل عنصر الإنسان، ويقع في خطِّه وامتداده الأفقي والعمودي؛ لأن قيمة الإنسان هي أعلى من قيمة التراب، ولا يمكن قياس قيمة الإنسان بقيمة التراب، والإنسان هو مقياس الحضارة، فلا حاجة إذًا للحديث عن التراب بهذه الدرجة من الأهمية والقيمة التي أعطاها ابن نبي في نظريته.

لا جدل ولا خلاف في أن قيمة الإنسان هي أعلى من قيمة التراب، وأن قيمة التراب هي من قيمة الإنسان، وابن نبي ليس بحاجة إلى من يذكِّره أو يُنبِّهه بهذا الأمر الواضح والثابت، لكونه من البديهيات التي لا تحتاج إلى استدلال أو برهان، والطريقة التي تحدث بها ابن نبي عن عنصري الإنسان والتراب، تكشف كمًّا ونوعًا عن المفارقة بين هذين العنصرين، وكيف أنه يقدِّم الإنسان على التراب، ويفاضل بينهما بصورة واضحة.

ومع هذه المفارقة والمفاضلة، كان لا بد لابن نبي من الإشارة إلى عنصر التراب في نظريته، العنصر الذي لا تكتمل النظرية من دونه، فلا يمكن قيام وبناء حضارة من دون ثروات وإمكانات زراعية وطبيعية وغيرها، ومن دون الاستثمار الأمثل لهذه الثروات والإمكانات، باعتبار أن الحضارة -في تصوُّر ابن نبي- ليست مجرَّد قيم وأخلاقيات ومُثُل، من دون تمدُّن وعمران وتقدُّم مادي، ومن دون تقنية وصناعة.

وأما القول: إن المعادلة الصحيحة هي إنسان متوازن يساوي حضارة، ولمَّا كان المسلم حتمًا متوازنًا تصبح صورة المعادلة إنسان مسلم يساوي حضارة، ولمَّا كان المسلم هو الإنسان الوحيد الذي يمكنه أن يحقِّق التوازن، لذا تصبح المعادلة هي: الحضارة فقط الإنسان المسلم.

هذا القول في الموازين الحضارية، لا يُمثِّل قولًا حضاريًّا على الإطلاق، ولا يُعبِّر عن مقولة حضارية أبدًا، والقصد من ذلك أنه لا يحتاج إلى نقاش حضاري، ولا يتَّصل بالمجال الحضاري حتى يُناقش من هذه الجهة. فهذا القول يتَّسم -كما أشار المؤلِّف- بالتبسيط والاختزال الشديدين، وأهم ما يعترضه وينقضه هو الحقيقة التاريخية من جهة، وصورة الواقع من جهة أخرى. وبحسب الحقيقة التاريخية، أن هناك حضارات ظهرت وعمرت وازدهرت قبل ظهور ووجود الإنسان المسلم، وهناك حضارات أيضًا ظهرت وعمرت وازدهرت بعد ظهور ووجود الإنسان المسلم. وبحسب صورة الواقع، فإن الإنسان المسلم يعيش اليوم في بيئات ومجتمعات أقل ما يقال عنها: إنها بعيدة كل البعد عن الحضارة[36].

بعدها عرض المؤلِّف ملاحظات الدكتور فهمي جدعان، وعمل على تحليلها بعمق، مشيرًا إلى مسألتي الصريح في نقده وغير الصريح، موضِّحًا ذلك قائلًا: «وعند النظر في ملاحظات الدكتور جدعان ضبطًا وتحديدًا، يمكن القول: إنها احتوت على جانب صريح، وعلى جانب آخر غير صريح. الجانب الصريح تحدَّد في اعتبار جدعان أن ابن نبي قد أسرف في الاعتماد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، في تكوين جانب مهم جدًّا من تحليلاته الحضارية. والجانب غير الصريح، تحدَّد في أن جدعان بقصد أو من دون قصد، قد سلب من ابن نبي عامل التجديد والابتكار في تحليلاته الحضارية، وذلك حين وضعه ونظريته وتحليلاته ما بين الاستلهام من الفلاسفة الغربيين، والاستلهام والتتلمذ على ابن خلدون. بشأن الجانب الصريح، لا خلاف في أن ابن نبي قد اعتمد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، لكنه في نظري -والكلام للمؤلف- لم يصل إلى حدِّ الإسراف كما صوَّر ذلك الدكتور جدعان، ومن جهته لم يُخفِ ابن نبي اعتماده على أفكار بعض الغربيين، وخاصة المفكر الألماني هرمان دي كسرلنج، مصرِّحًا في كتابه: (شروط النهضة) تارة بالاعتماد على آرائه، وتارة بالاستناد إلى أفكاره. وهذا الاعتماد والاستناد حدث في موضوع محدَّد، تعلَّق بالكشف عن أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة، وأراد ابن نبي الكشف عن هذا الأثر في الحضارتين الإسلامية والمسيحية، في الحضارة الإسلامية اعتمد واستند إلى آرائه وأفكاره، وفي الحضارة المسيحية اعتمد واستند إلى آراء وأفكار كسرلنج الذي درس دور الفكرة المسيحية في تركيب الحضارة الغربية، فكانت هناك حاجة فعلية للعودة إلى هذه الآراء والأفكار والاستناد إليها، في هذا الموضوع تحديدًا»[37].

ثُمَّ عرض المؤلِّف إلى ملاحظات الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وانتهى الأستاذ الميلاد في تقويمه إلى خلاصة أشار إليها قائلًا: إن «الذي اختلف بين ابن نبي والبوطي يكاد يتحدَّد في الألفاظ والتعابير، مع التطابق أو التشابه أو التوافق في العناصر والكليات، وهذا ما لم يُصرِّح به الدكتور البوطي»[38].

بعدها ناقش الأستاذ الميلاد ملاحظات الدكتور المصري سليمان الخطيب صاحب كتاب “فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي” وختمها بالقول: «من دون أن نصادر على الدكتور الخطيب ملاحظاته، وحقَّه في النقد والاختلاف، إلَّا أننا لا نتسالم معه في هذه الملاحظات، التي نرى فيها أنها تُغيِّر مجرى البحث والسياق، وتنقله من الحقل الحضاري إلى الحقل الديني، ومن البحث عن فكرة التقدُّم إلى البحث عن فكرة الهوية، ومن الاشتغال بقضية النهوض والتخلُّص من وضعيات التخلُّف، إلى الاشتغال بقضية ما يجب أن يباعد بيننا وبين الحضارة الغربية. وهذه الطريقة سوف تنتهي بنا إلى الانفصال عن الفكر الحضاري عند ابن نبي، باعتبار أن ابن نبي أقام بنية هذا الفكر، وشيَّده على أساس الجمع بين الخبرتين الحضاريتين الإسلامية والأوروبية»[39].

وبقيت ملاحظات ابن الجزائر الأكاديمي الدكتور عبد القادر بوعرفة، التي عرض لها في ورقة علمية حول “نقد النظرية الحضارية عند مالك بن نبي”، وتركَّزت هذه الملاحظات حول المفارقة المنهجية في التعامل مع الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية. وفي تقويمه لهذه الملاحظات رأى الأستاذ الميلاد أنها مهمَّة من ناحية العبور نحو الحقل النقدي بدل الاستغراق في الحقل التبجيلي، مُعقِّبًا على ذلك وموضِّحًا أن ابن نبي أراد «من هذه الطريقة، الاستعانة بدليل طبيعي للبرهنة على ظاهرة إنسانية، وليس بقصد التعامل مع ظاهرة إنسانية بمنطق الظاهرة الطبيعية، والتماهي بين الظاهرتين. ولم يكن قاصدًا كذلك تطبيق قوانين الظاهرة الطبيعية على الظاهرة الإنسانية، وإنما أراد إعطاء النظرية صفة اليقين، وهي الصفة الملازمة للظاهرة الطبيعية، والمفقودة في الظاهرة الاجتماعية، ونلمس ذلك من تصوير نظريته على أنها تُمثِّل معادلة نهائية»[40].

وانتهى المطاف بملاحظات المؤلِّف ونقده لنظرية الحضارة عند مالك بن نبي، حيث سجَّل الأستاذ زكي الميلاد عدَّة نقاط قوة في نظرية ابن نبي منها: أصالتها في المقاربة الإسلامية للحضارة، وواقعيتها في تشخيص مشاكل المجتمعات المسلمة المعاصرة، ومُقدِّرًا لابن نبي محاولته تقديم رؤية نهضوية شاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ثُمَّ وقف الأستاذ الميلاد عند أربع ملاحظات دقيقة، تُشكِّل رؤية مغايرة لكل الملاحظات السابقة التي جاءت من المفكرين العرب ومن الباحثين والأكاديميين، وهذه الملاحظات هي:

أولًا: وجد المؤلِّف عدم توازن واضح في معالجة ابن نبي للعناصر الثلاثة المكوِّنة للحضارة، إذ جاء حديثه عن عنصر الإنسان موسَّعًا ومتماسكًا ومبدعًا، بينما اقتصر حديثه عن التراب والوقت على توصيفات عامَّة وسطحية من دون تقديم رؤية متكاملة لدورهما في بناء الحضارة. هذا التفاوت في العمق والشمولية يشكِّل نقصًا منهجيًّا في نظرية ابن نبي الحضارية، إذ لا يتناسب مع أهمية مشروع إعادة تكوين الحضارة الذي ظلَّ يسعى إليه.

ثانيًا: استخدم ابن نبي مصطلح “التراب” بدقَّة مقصودة لتجنُّب لبس مفهوم “المادة”، وأضاف بُعدًا حضاريًّا جديدًا لهذا المصطلح في الأدب العربي الحديث، رغم تأييد بعض الباحثين كالخطيب والبوطي لتوسيع دلالته. غير أن المؤلِّف الميلاد رأى أن هذا الاستخدام يفتقر للدقَّة البيانية والمفهومية، خصوصًا في ضوء الاستعمال القرآني الذي استعمل كلمة التراب التي وردت في خمس عشرة آية مرتبطة بخلق الإنسان، مما يجعل الدلالة القرآنية أولى بالاعتبار وفقًا لمقاييس اللغة العربية. وهذا يشير إلى وجود تباين بين التوظيف الحضاري المعاصر والأصل اللغوي القرآني للمصطلح.

ثالثًا: لاحظ المؤلِّف أن نظرية ابن نبي الحضارية اتَّسمت بصفتي الثبات والنهائية، وقد وصف ابن نبي معادلته (حضارة= إنسان + تراب + وقت) بـ”المعادلة النهائية»، واستخدم أساليب التحليل الكيميائي والرياضي لتأكيد ثباتها. وظلَّت هذه النظرية من دون أن تشهد أيَّ تطوير منذ صياغتها في أواخر الأربعينات. هذه الموثوقية الجازمة، رغم شيوعها في كتابات ابن نبي كما ظهر أيضًا في حديثه عن العناصر الأربعة للثقافة، تحوّل النظرية إلى نموذج مغلق وجامد يشبه النظريات الطبيعية، مما يضر بطبيعتها كنظرية اجتماعية تتطلَّب المرونة والتطوُّر المستمر.

رابعًا: رأى المؤلِّف أن نظرية ابن نبي الحضارية منذ خمسينات القرن العشرين وكأنها في حالة من الجمود والسكون، حيث بقيت على صورتها الأولى من دون تحوُّلات كميَّة أو كيفيَّة رغم الاهتمام الواسع بها في النطاق العربي. فقد اقتصر تعامل الباحثين والأكاديميين من تلامذته ومتابعيه على الشرح والتعريف والدفاع عنها، من دون إسهام فعلي في تطويرها أو تجديدها أو إعطائها أبعادًا جديدة. ولم يشهد تاريخ النظرية أيَّ طور تطويري مؤثِّر في مرحلة ما بعد ابن نبي، مما أدَّى إلى فقدانها عناصر الفاعلية والحركة اللازمة لاستمراريتها العلمية. هذه الظاهرة تعكس مشكلة أوسع في المجال الفكري العربي المعاصر، حيث تهيمن حالة التراجع والجمود على النظريات بشكل عام، مما يحرمها من الفرص الحيوية للتطوُّر والتجدُّد المطلوبين لبقائها علميًّا ومعرفيًّا.

سادسًا: من ناحية المنهج

تميَّز كتاب “مشكلة الحضارات” بعدَّة خصائص منهجية مُهمَّة، تجعله يُمثِّل إسهامًا متميِّزًا في مجال دراسات الحضارة. من هذه الخصائص:

أولًا: الشمولية في التناول، حيث جمع الكتاب أبرز النظريات الحضارية المعاصرة تحت مظلَّة واحدة، مما يُتيح للقارئ رؤية بانورامية للتطوُّرات النظرية في هذا المجال.

ثانيًا: التوازن في المقاربة بين الشرق والغرب من خلال إدراج نظرية مالك بن نبي إلى جانب نظريات المفكرين الغربيين، مما يُظهر إمكانية الحوار الحضاري المُثمر.

ثالثًا: الغوص النقدي الذي لا يكتفي بالعرض والوصف، بل يُقدِّم تحليلًا وتقويمًا متوازنًا لكل نظرية، مُبرزًا نقاط القوَّة والضعف وإسهامات النظرية وحدودها.

رابعًا: الوضوح المنهجي في التناول حيث يتمُّ تتبُّع البنية نفسها في دراسة كل نظرية، عرض عن صاحب النظرية والنظرية، ثم التحليل، وأخيرًا النقد والتقويم بشقَّيه الغربي والعربي.

لا مناص أن الكتاب أسهم إسهامًا مُهمًّا يقع في طريق “تعارف الحضارات” من خلال منهجه المُقارن الذي يسعى إلى الفهم بدلًا من إصدار الأحكام المسبقة. هذا المنهج يورث نضجًا فكريًّا في التعامل مع التنوُّع النظري والثقافي، ويُؤسِّس لحوار حضاري بنّاء يُثري الفهم الإنساني للمسألة الحضارية. كما أن مضامينه تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة للمسألة الحضارية تستفيد من إنجازات النظريات السابقة وتتجاوز محدوديتها. هذه المساهمة للمفكِّر السعودي الأستاذ زكي الميلاد تفتح آفاقًا واعدة لتطوير الدراسات الحضارية في السياق العربي والإسلامي المعاصر.

خاتمة: آفاق مستقبلية

يُمكن البناء على هذا العمل القيّم من خلال عدَّة توجُّهات:

أولًا: توسيع دائرة النظريات المدروسة، وكذا نقد كل النظريات الحضارية، لتشمل مدارس ثقافية وحضارية أخرى من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ثانيًا: تطوير مقاربات مقارنة أكثر تفصيلًا تُظهر نقاط التلاقي والاختلاف بين النظريات بشكل أعمق.

ثالثًا: ربط الدراسات النظرية بالتطبيقات العملية في فهم قضايا الحاضر والمستقبل.

رابعًا: تطوير نماذج نظرية جديدة تستفيد من التراث الفكري الإنساني المتنوِّع في مقاربة المسألة الحضارية.

هكذا يُمثِّل كتاب “مشكلة الحضارات” نموذجًا للدراسات الأكاديمية الرصينة التي تجمع بين العمق النظري والوضوح المنهجي والتوازن النقدي. هذه الخصائص تجعله مرجعًا أساسيًّا لكل مهتم بفهم التطوُّرات النظرية في مجال دراسات الحضارة. كما أنه يُمثِّل نقطة انطلاق مُهمَّة لتطوير مقاربات جديدة تُلبِّي حاجات العصر وتحدياته الحضارية المعقَّدة.

يبقى أن أقترح على المؤلِّف عنوان “نظريات الحضارة” بدلًا من مشكلات الحضارات والتي توحي بفكرة مشكلات الحضارة والثقافة عند مالك بن نبي، واقتراح نظريات الحضارة أراه أقرب لخريطة الكتاب كونه يُقدِّم بانوراما نظرية حول الحضارة بين الغرب والشرق إلى حدٍّ ما، حيث الموضوع يحتاج إلى توسُّع أكثر ليشمل رؤى وثقافات متعدِّدة يمكن للعالم العربي والإسلامي اكتشافها من خلال عقول مُنظِّريه.

والكتاب عمومًا بحاجة في طبعته القادمة إلى مقاربة منهجية في مقارنة النظريات الخمس من أجل تحديد القواسم المشتركة وأوجه الاختلاف والانفصال، مما يضاعف من القيمة التحليلية والنقدية الشاملة، كون النظريات ارتبطت بخمسة مفاهيم أخرى تعتبر مؤثِّرات جوهرية في الرؤى وهي: (الأخلاق، المدنية، التاريخ، السياسة، الدين)، وبحاجة لضبط مفاهيمي وقراءة فلسفية معمَّقة من شأنها تمتين البُعد المنهجي في الطرح والنقد والتجديد.

في الختام، لا بد للقرَّاء في عالمنا العربي والإسلامي سواء مفكرين أو باحثين أو علماء، الاطِّلاع على هذه الدراسة الغنية بالمراجع والأفكار والنظريات والرؤى والمناهج، وتتبُّعها بالعودة إلى المصادر التي عرضها المؤلّف أو أشار إليها، لأن موضوع الكتاب يرتبط بإستراتيجية التفكير النقدي لدى الأفراد والمجتمعات، إذ إنه فتح آفاقًا متنوِّعة لمقاربة التصوُّرات والتحدِّيات والتطلُّعات، لهذا كلِّه الكتاب جدير بالمطالعة والدرس لأنه يُثير شغف المهتم والباحث والمفكِّر في ماهية الحضارة الإنسانية.

***

مراد غريبي -  كاتب وباحث من الجزائر

.......................

[1] زكي الميلاد، مشكلة الحضارات، ص 10.

[2] زكي الميلاد، المصدر نفسه، ص 10.

[3] المصدر نفسه، ص 14.

[4] المصدر نفسه، ص 9.

[5] المصدر نفسه، ص 36.

[6] ن.م، ص 32.

[7] ن.م، ص 43.

[8] ن.م، ص 46.

[9] ن.م، ص 50.

[10] ن.م، ص 56.

[11] ن.م، ص42.

[12] ن. م، ص 65-68.

[13] المصدر نفسه، ص 66.

[14] ن.م، ص 67.

[15] ن. م، ص 68.

[16] ن. م، ص 71 - 76.

[17] ن. م، ص 81 - 84.

[18] روبن كولنجوود، ص83.

[19] ن. م، ص 84 - 90.

[20] ن.م، ص110.

[21] ن.م، ص104.

[22] ن.م، ص 138.

[23] ن.م، ص 143.

[24] ن.م، ص 145.

[25] ن.م، ص 147.

[26] ن.م، ص 202.

[27] ن.م، ص 206 - 209.

[28] ن.م، ص220.

[29] ن.م، ص221.

[30] ن.م، ص 222.

[31] ن.م، ص 222.

[32] ن.م، ص 223.

[33] ن.م، ص 226.

[34] ن.م، ص 228.

[35] ن.م، ص 231.

[36] انظر: ن. م، ص 266 - 267.

[37] ن.م، ص269.

[38] ن.م، ص 275.

[39] ن.م، ص 277.

[40] ن.م، ص 279.