عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عبد الحكيم كشاد: ما وراء اﻷكمة.. امرأة من برلين!

   كيف نتصور مدينة كبرلين عشية حرب عالمية تسدل ستارها؟ وكيف لمدينة تغمض عينيها وتنام على أحزانها تلك الليلة والحرب تضع أوزارها؟.. أي أحزان؟! بعد كل ذلك الهول الذي أصابها لتبقى جرحا ينزف في خاصرة إنسانها البسيط.. مدينة تنشطر إلى نصفين، وفي العين ثم جدار ظل شاهدا على مأساة مابين عالمين انقسما في برلين ذاتها إلى شرق وغرب.. في حين أن الحجر العازل الممتد كأفعوان فصل اﻷجساد عن القلوب! انفعالات ورسومات على ذلك الجدار ظلت تشي بتمزق أواصر العائلة الواحدة!.. يقال أن سكان برلين كانوا يتواصلون عن قرب لسنوات طويلة بين طرفي الجدار المزعوم، وبالرغم من وجوده كان العلو يسمح بالرؤية واﻷطمئنان ففي مساءات ثقيلة قد يصعد الحنين في قلب رجل عجوز ليطمئن على حفيده في الطرف اﻵخر، في حين قد تومئ أم لابنتها وبقية العائلة من وراء ذلك الجدار في الجهة المقابلة!.. أي مأساة تلك؟! لكننا سنرجع قبل ذلك بسنوات حين كان الجرح لازال طريا والعصف المريع عقب نهاية الحرب يؤسس لكل مايمكن أن يخطر على قلب بشر من وحشية ودمار لا يتخيله عقل..

 السكين والمحز

الجنود هم الجنود.. والمنتصر كاتب تاريخ مزيف على حجر ميت.. فالمنتصر باستطاعته أن يبول على كل القيم ويحصد خريف أيام الجوه الكابية، وحين يصبح الانتهاك في الروح عبر الجسد فقط يكون القهر مطيته، تتغير الوجوه، ويكنس كل ما يقابله بلاستثناء.. حين قرأت كتاب " امرأة من برلين " علمت إلى اي مدى يمكن أن يستسلم الإنسان لمصيره خاصة إذا انقلب عن قناعة راضية لما يمكن أن يحدث له في زمن يتهيأ لهكذا فعل.. إنسان بعد الحرب، والدنيا تسود في عينيه، والعالم بكل رحابته يقرر أن يتخلى عنه.. ولا يبقى سوى السكين والمحز لا ثالث لهما فقط بعد ذلك دع المشيئة تفعل فعلها ذلك أنه في قرارة نفسه يعلم هذا اﻹنسان المنتهك، بأنه لربما كان هو المنتهك نفسه، ولو اختلفت اﻷدوار وكان المنتصر، فالخياران مصير ان، وحالاتان تعودنا عليهما في كل حروب البشرية بين منتصر ومهزوم.. كاتبة المذكرات يبدو في بالها اعتقاد تنام عليه مطمئنة، رغم قسوة التجربة، ومرارة الواقع الذي عاشته وأن كنا نرى أيضا بأن كتابة المذكرات في شكل يوميات، تنام وتسترخى على الذكريات المريحة المصابة بالحنين للماضي، ورصده كحالة نوستولجيا أما كتابة هذه المذكرات يوم بيوم تأتي في ظل التجربة اﻷصعب، وهي تطل على هوة مفزعة من أحداث مابعد الزحف الساحق على مدينة تستباح على مرأى من العالم أجمع، وكأنها تعاقب ممن حولها قصاصا، فهذا مايبدو ثقيلا حتى على القارئ نفسه كتجربة مع هذا الكتاب، وماذا لو كان الراوي لهذه المذكرات امراة تنهض من بين ركام الفوضى والجوع، وحالالت الاغتصاب اليومية لمدينة واقعة تحت الأسر، لتروي ماعاشته بنفسها خطوة بخطوة بل وما تعرضت له من اغتصاب تعرضن له المئات من النساء أكثر من مرة في تلك المدينة! وظل الجانب المسكوت عنه، وألم روايته استعادة لذلك اﻷلم في صيرورته لدى أغلب النساء اللاتي تعرضن له لكن هذه المرأة تروي بشجاعة، وتتعامل مع ماتعرضت له ببرجماتية واقعية فرضت نفسها على واقع الحال..

البرابرة القادمون من الداخل!

 يبدو أن هتلر لم يلعب على تلك الديباجة المعتادة "البرابرة قادمون " كما استعملها غيره من الطغاة بل على العكس ظن نفسه القادم المفزع لكل من حوله كان حسب اعتقاده على تلك الشعوب أن تخافه... لكن بالمقابل ماطعم الخوف الذي عاشه سكان برلين، عشية المساء الدراماتيكي اﻷخير المرعب، ودوي القنابل لازال فوق الرؤوس، ليل نهار وفزع المصير يضرب بأطنابه وجوه بشر ماعادوا كما كانوا! كل مافي تصرفاتهم ينقلب رأسا على عقب... يحكى عن نكتة انتشرت تلك الأيام عن هتلر تقول (كم كنا محظوظين جدا لو اجهض!) العجوز الذي إلى جواري بكى ولم يضحك!.. تمضي صاحبة المذكرات تصف معايشة حياة مابعد الحرب في مدينة كبرلين مورست فيها كل الحزازات التي ظلت مكبوتة في مدن غزاها النازي من قبل، وروع شعوبها وقتها كان الفوهرر يستمد زهوه من آلته العسكرية الساحقة في تقدمها، وهي تخطف اﻷبصار غير مبال بالنتائج. تقول الكاتبة: غريب أمر هذا الرجل ألم يفكر في برلين ولمثل هذا اليوم بالذات هذا شيء لا يصدق!.. والغريب أن تطلب هذه المرأة بالذات (صاحبة المذكرات) من أعدائها الحماية! داخل المدينة فبين حالات اﻷغتصاب الشنيعة التي تعرضت لها وعدد الجنود الذين استباحوها، قررت البقاء على حام واحد لها فقط، ذلك أجدى كما تقول بدل ان تستباح من الكل بل حتى هذا المصطفى الراعي عرضة لتغيير مكان عمله في أي وقت، وهي نتيجة المضطر بالنسبة ﻷمراة ليس لديها خيار سوى المفاضلة بين أمرين احلاهما مر. قيل أن طبيبة أنشأت مستشفى في ملجأ يعالج الأمراض المعدية، وفي الباطن هو حقيقة لتختبئ فيه الفتيات الصغيرات من أجل الحفاظ على عذريتهن! إن النساء والفتيات اللاتي كن يختبئن في مخازن المؤن، وتحت اﻷسرة بوجود عوائلهم حتى لا يغتصبن من الجنود الروس، ذلك أن المنازل عرضة للاقتحام في أي لحظة من قبل الجنود على ساكنيها.. ثمانية أسابيع هي عمر المذكرات بالتاريخ واليوم فهل يفلح هذا الزمن في تحويل امرأة إلى عاهرة؟.. وتدخل في جدل وهي تستعرض أمامها ما كانت تفعله ويتضح أنه يشبه في الحقيقة تلك المهنة القديمة التي استثمرت فيها المرأة جسدها، فالحرة تجوع كما تقول العرب ولا تجود بثدييها فكيف بالجسد؟! وان كان الطعام والشراب، هو كل الثمن الذي يمكن أن تحصل عليه في تلك اﻷيام اﻷولى من نهاية الحرب.. وهل هناك من كرامة تساوي حفظ اﻹنسان ﻵدمية وجوده المهدد في لقمة العيش؟.. لكنها كما تقول تعرض الكاتبة لوحات من البؤس ظلت عالقة لوقت طويل في ذاكرة أصحابها.

***

عبد الحكيم كشاد

كاتب من ليبيا

في المثقف اليوم