عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عبد الجبار الرفاعي: محمد في المصادر السريانية

كتاب يعيد استكشاف المراحل التكوينية للإسلام

قبل عشرين عامًا تقريبًا، أرسل لي نصير الكعبي مخطوطة أطروحته للدكتوراه، الموسومة: "جدلية الدولة والدين في الفكر الشرقي القديم: إيران العصر الساساني أنموذجًا". شعرت للمرة الأولى أني أقرأ دراسة متميزة في هذا الموضوع؛ لم أقرأ قبلها بالعربية دراسة تناولته بهذا الاستيعاب والشمول، وكشفت عن تلاعب الملوك بالدين. قبل ذلك اطلعت على شيء من الكتابات الفارسية عن العصر الساساني، وكيفية تسخير الملوك للدين ورجاله لخدمة الدولة. فوجئت بتكوين رصين لمؤرخ يواكب مسيرة المدرسة العراقية في التاريخ، ويواصل التقاليد الأكاديمية الرصينة لجيل مؤسسيها: د. جواد علي (1907 - 1987م)، ود. صالح أحمد العلي (1918 - 2003م)، ود. عبد العزيز الدوري (1919 - 2010م). استطاع د. نصير الكعبي إنتاج رؤية ذكية لتفسير الصلة العضوية بين الدين والدولة في العصر الساساني، فأدركت وقتها أن المدرسة التاريخية العراقية ولد فيها مؤرخ من الجيل الجديد. بموازاة تكوينه الأكاديمي، كان الكعبي حريصًا على تكوينه اللغوي في مجموعة من اللغات الشرقية؛ بدأ محطته الأولى بالفارسية الحديثة، ثم الفارسية الوسطى "البهلوية"، فضلًا عن الإنجليزية، ثم تلقى تدريبًا متخصصًا لسنوات متعاقبة في الآرامية، والسريانية.

في سنة 2025، أهداني الكعبي كتابه: "مسمّى العراق: التاريخ الثقافي للمفهوم من سومر إلى الجمهورية". وبعد الاطلاع عليه، كتبت له: هذا هو كتابك الثاني الذي يعد إضافة نوعية للمكتبة التاريخية العراقية، بعد إنجاز أطروحتك للدكتوراه. ينقّب كتابك الجديد عن الولادة الموغلة في الماضي لتسمية وطننا العراق، وحضورها الساطع لبلاد النهرين، في دراسة استثنائية تتناول العراق كيانًا جغرافيًا ورمزيًا وحضاريًا وثقافيًا ودينيًا وسياسيًا على مر العصور. درس الكتاب تسمية العراق وواكب حضورها منذ العصور القديمة، وكشف عن تشكلها الرمزي والتاريخي في المتخيل، وفق السياقات الحضارية والثقافية والدينية والسياسية لهذا البلد العريق، الذي كانت هويته الوطنية ضحية الاحتلالات المريرة وصراعات الطوائف.

تنبّه نصير بذكاء إلى ضرورة الاحتفاء باسم وطننا "العراق"، واكتشاف حضوره العريق في تاريخنا، والعمل على ترسيخه. وأدرك أن تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى؛ فمَن يمتلك سلطة التسمية يتحكم في الوعي. الاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. مَن يحتكر تسمية الأشياء يحتكر نظام إنتاج معناها، ويستطيع توظيفه بالكيفية التي يراها لصالحه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها إياها. (راجع مقالتي في الصباح: (تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمّى، 2026/9/2).3335 naser

في معرض بغداد الدولي للكتاب هذا العام، 2026، صدر كتاب الكعبي الجديد: "محمد في المصادر السريانية: حين يرى الآخر تاريخ البدايات، النصوص والترجمات وإعادة بناء الصورة". بعد الاطلاع على الكتاب، وجدته يتجه إلى النصوص السريانية التي دوّنت أخبارًا عن النبي محمد والعرب، وكانت معاصرة لظهور الإسلام أو قريبة منه زمنيًا، من غير أن يعيد رواية السيرة الإسلامية المعروفة أو يدخل في مجادلة معها. بعض الوثائق السريانية يفصلها عن حياة النبي محمد "ص" زمن قصير نسبيًا، وهي بذلك تسبق عددًا من المصنفات الإسلامية في السيرة وأمثالها التي تبلورت لاحقًا. أخبرني المؤلف أنه استغرق في العمل على الكتاب أكثر من أربعة عشر عامًا.

تعالج المادة الوثائقية في هذا الكتاب مشكلة متجددة في دراسة السيرة، تتمثل في أن الرواية الإسلامية الكبرى عن النبي محمد وصلت إلينا بوساطة مدونات متأخرة نسبيًا عن زمن الحدث. وهذا لا يسقط قيمتها، لكنه يجعل البحث عن شهادات متزامنة ضرورة. لذلك تكتسب الوثائق السريانية أهميتها من أنها تمثل عينًا ثانية رأت بدايات الإسلام من خارج الجماعة الإسلامية، وفي أزمنة أقرب إلى الحدث. وتكشف هذه الوثائق عن صورة لمحمد أقل أحادية وأكثر تركيبًا؛ فعلى سبيل المثال، تبرز في بعض روايات السيرة الإسلامية صورة النبي قبل البعثة عاملًا في تجارة خديجة، فيما تقدم بعض المصادر السريانية صورة "محمد التاجر"، صاحب النشاط الاقتصادي والعلاقات التجارية الناجحة. وبعض الأخبار تفتح باب إعادة التفكير في المجال الجغرافي الذي تحرك فيه، وصلته بالعراق وبلدانه. رسم موروث السيرة خارطة لرحلات تحرك فيها النبي محمد، ضمن المجال الجغرافي لرحلات الشتاء والصيف، وتحديدًا إلى مناطق بلاد الشام وتخومها، في حين أن المصادر السريانية وأخبارها تجعل العراق ضمن تلك الحركة التأسيسية الأولى. (راجع ص 309، 391 - 392 من الكتاب).

 يشكّل قسم: "محمد في المدونة السريانية: النصوص الأصلية وترجماتها العربية" العمود الفقري للكتاب، ومصدرًا أساسيًا للدراسات اللاحقة بالعربية. استحضر الكعبي الوثائق السريانية الأصلية من مظانها المطبوعة أو مخطوطاتها، وترجمها إلى العربية، وأثبت الترجمة بإزاء الأصل السرياني، وحقق النصوص وعلق عليها. أما القسم الذي حمل عنوان: "صور محمد في المصادر السريانية: الألقاب والوظائف والدلالات"، فكان ذروة الجهد التحليلي في الكتاب؛ إذ أعاد فيه الكعبي تركيب ما سبق، وكشف عن النسق العام الذي يربط النصوص والإشارات السريانية التي ذكرت محمدًا، على الرغم من اختلاف أزمنتها وأماكنها.

سبقت كتاب نصير الكعبي مؤلفات حديثة تناولت الوثائق السريانية وغيرها من الكتابات غير الإسلامية التي تحدثت عن النبي محمد أو عن المسلمين في السنوات المتاخمة لعصره. أقدم الكتابات السريانية الصريحة التي تذكر محمدًا بالاسم ترجع، بحسب التأريخ الراجح، إلى سنوات قليلة بعد وفاته سنة 632م، ولا يصح الجزم بأنها نصوص دوّنها أصحابها في حياته.3336 naser

من أهم هذه المؤلفات التي جمعت هذه الكتابات ودرستها كتاب روبرت ج. هويلاند: "الإسلام كما رآه الآخرون: مسح وتقويم الكتابات المسيحية واليهودية والزرادشتية عن الإسلام المبكر"، الذي نشرته دار داروين في برنستون، بالإنجليزية سنة 1997م، وصدرت ترجمته العربية الممتازة، بترجمة وتقديم: د. هلال محمد الجهاد، عن: المركز الأكاديمي للأبحاث سنة 2024م. يدرس هذا الكتاب المصادر السريانية واليونانية والأرمنية والقبطية وغيرها، ويمحص تواريخ تأليفها ومصادر معلوماتها، ويقارنها بالروايات الإسلامية، ويغطي تقريبًا الفترة بين 620 و780م.

ومن المراجع الأساسية كتاب أندرو بالمر "القرن السابع في الحوليات السريانية الغربية"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة ليفربول في سنة 1993م، بمشاركة سباستيان بروك وروبرت هويلاند. اختار بالمر نصوصًا من الحوليات المنتمية إلى التقليد السرياني الغربي، وترجمها إلى الإنجليزية وقدم لها وعلق عليها، وأضاف هويلاند مقدمة تاريخية وتعليقات، فيما ترجم بروك نصين سريانيين عن نهاية العالم وقدم لهما وعلق عليهما، كما ترجم نصًا عن الكوارث. يتيح الكتاب دراسة ظهور الإسلام والفتوحات والتحولات السياسية والدينية في القرن الأول الهجري من خلال شهادات المؤرخين السريان، ويضم خبرًا عن فتح العرب لبلاد الشام يرجع تدوينه إلى نحو 637م، ومقتطفًا من حولية يرجع تأليفها إلى نحو 640م، ومقتطفات من الحولية الملكانية والحولية المارونية، وشذرة من حولية يعقوب الرهاوي، وقوائم للخلفاء. ويضم أيضًا نصوصًا أخرى. ويرفق النصوص بمقدمات تفحص الخلفيات الدينية والسياقات التاريخية، وجداول زمنية وخرائط وتعليقات تساعد على تمحيص الروايات.

ومن أكثر الكتب تخصصًا في جمع الوثائق السريانية المبكرة كتاب مايكل فيليب بِن: "حين التقى المسيحيون بالمسلمين أول مرة: كتاب مصادر لأقدم الكتابات السريانية عن الإسلام"، الصادر عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2015م. يقدم الكتاب ترجمات إنجليزية للنصوص، ويخصص لكل نص مقدمة تتناول مؤلفه وتاريخ تأليفه ومخطوطاته وطبعاته. ومن أبرز الوثائق التي يعرضها "خبر سنة 637م"، وهو ملاحظات سريانية دوّنها كاتب مجهول، على الأرجح نحو سنة 637م، على صفحة افتتاحية كانت فارغة في مخطوط يضم ترجمة سريانية لإنجيلي متّى ومرقس. يذكر النص محمدًا وأحداثًا من الفتوحات، ويرجح الباحثون ارتباط إحدى المعارك التي يرويها بمعركة اليرموك سنة 636م. ويعرض الكتاب أيضًا "حولية سنة 640م"، التي ينسبها بعض الباحثين إلى توما القس، ويرجع القسم المتعلق بالفتوحات فيها إلى نحو سنة 640م. تذكر هذه الحولية معركة وقعت على مسافة اثني عشر ميلًا شرقي غزة يوم 4 فبراير 634م بين الروم و"عرب محمد"، وهي عبارة تشهد على ارتباط الجماعة باسمه، ولا تثبت حضوره في المعركة. ومن الوثائق المهمة كذلك "حولية خوزستان"، وهي نص مجهول المؤلف من التقليد السرياني الشرقي، يرجع تأليف قسمه الأساسي إلى خمسينيات القرن السابع الميلادي أو بعدها بقليل، ويؤرخه الكتاب إجمالًا بنحو سنة 660م. يذكر هذا القسم محمدًا والفتوحات، فيما ترد الإشارات إلى الكعبة والمدينة في قسم ختامي يرجح كثير من الباحثين أن كاتبًا آخر أضافه لاحقًا، وتتراوح تقديراتهم لتاريخ تأليفه بين ستينيات القرن السابع وثمانينياته.

وفي سنة 2015م، أصدر مايكل فيليب بِن كتابه "تصورات الإسلام: المسيحيون السريان والعالم الإسلامي المبكر"، بالإنجليزية، عن منشورات جامعة بنسلفانيا. وهو دراسة تحليلية للرسائل والحوليات والمؤلفات الدينية والعلمية السريانية، تكشف تنوع تصورات كتّابها عن المسلمين وتطور العلاقات معهم بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين. ويتناول الكتاب أيضًا أخبارًا عن النبي محمد ودعوته وبعض الروايات المتصلة بحياته، ومنها قصة لقائه بالراهب بحيرا، ويمحص دلالاتها وسياقاتها الدينية والجدلية.

ومن الدراسات الحديثة الأوسع كتاب جيمس هوارد جونستون: "شهود على أزمة عالمية: مؤرخو الشرق الأوسط وتواريخه في القرن السابع"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة أكسفورد سنة 2010م، الذي يفحص الوثائق غير الإسلامية المعاصرة لظهور الإسلام والقريبة منه زمنيًا، ومنها المصادر السريانية والأرمنية، ويوازن بينها وبين الروايات الإسلامية اللاحقة.

ويأتي كتاب شون و. أنتوني: "محمد وإمبراطوريات الإيمان: تشكّل صورة نبي الإسلام"، الصادر الإنجليزية عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2020م، ضمن الدراسات التي أعادت تمحيص أقدم الأدلة المتعلقة بالنبي محمد، من خلال قراءة المصادر الإسلامية وغير الإسلامية معًا. يبدأ الكتاب بمناقشة ثلاث شهادات غير إسلامية مبكرة، ويتناول النص اليوناني المعروف باسم: "تعاليم يعقوب"، الذي يذكر ظهور نبي بين العرب من غير أن يسميه. يرجع بعض الباحثين تدوينه إلى نحو سنة 634م، فيما يقترح آخرون تاريخًا لاحقًا. وسبق لأنتوني أن خصص لهذا النص دراسة بعنوان: "محمد ومفاتيح الجنة وتعاليم يعقوب: لغز من العصور القديمة المتأخرة"، نشرها في مجلة "الإسلام" سنة 2014م.

من الكتب الأحدث والأقرب إلى هذا الموضوع كتاب ستيفن ج. شوميكر: "لقد ظهر نبي: نشأة الإسلام بعيون مسيحية ويهودية، كتاب مصادر"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2021م، ويجمع ترجمات مشروحة لشهادات عشرين مؤلفًا، كتبوها بالسريانية واليونانية والأرمنية والجورجية والعبرية والعربية واللاتينية. يضم "تعاليم يعقوب"، وشذرة سنة 637م السريانية، وحولية توما القس، والتاريخ الأرمني المنسوب إلى سيبيوس، الذي تمتد أحداثه إلى سنة 661م، مع اختلاف الباحثين في تأريخ مراحل تأليفه ومادته المبكرة. ويضم كذلك رسالة لمكسيموس المعترف يؤرخها بين سنتي 634 و640م، ورسائل لإيشوعياب الثالث من خمسينيات القرن السابع. وتتضمن هذه الوثائق شهادات عن أتباع محمد ومعتقداتهم وعلاقاتهم بالمسيحيين، وليست جميعها أخبارًا مباشرة عن شخص النبي.

قدّم كتاب نصير الكعبي "محمد في المصادر السريانية: حين يروي الآخر تاريخ البدايات"، وكتاب روبرت ج. هويلاند قبله: "الإسلام كما رآه الآخرون: مسح وتقويم الكتابات المسيحية واليهودية والزرادشتية عن الإسلام المبكر"، وغيرهما من الكتب المماثلة، التي درست النصوص اليونانية والسريانية والأرمنية واللاتينية والعبرية والفارسية والجورجية والعربية، رواية أخرى عن النبي محمد وبدايات الإسلام خارج المدونة الإسلامية. تكشف هذه الكتب، عبر جمع النصوص وتحقيقها وترجمتها ودراسة سياقاتها، كيف رأى الآخرون النبي والعرب في عصر البعثة، وكيف تشكلت صورة محمد في كتاباتهم. تؤكد هذه الشهادات شيئًا من الرواية الإسلامية حول السيرة النبوية، خاصة وجود النبي التاريخي وظهور دعوته وقيادته، مع اختلافها في بعض الأخبار والتفاصيل. وتتيح مقارنتها بالمصادر الإسلامية توسيع معرفتنا بتاريخ البدايات، وتمحيص ما اختلط في رواياتها بالجدل الديني والتصورات اللاهوتية وما راكمه المتخيّل الإسلامي لاحقًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في المثقف اليوم