عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

صالح الطائي: ملخص كتاب الروحانية واللاهوت التقني

نظرية اللاهوت التقني (Techno-Theology Theory) هي المعالجة الفلسفية والأكاديمية لتقديم نموذج تفسيري نقدي ونشأة ما يُعرف باللاهوت الرقمي. وقد شرحتُ في هذا الكتاب التحولات الأبستمولوجية والأخلاقية والأُنطولوجية المترتبة على هيمنة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي، واختراق التقنية للفضاءات الإنسانية الوجودية والوجدانية الحصرية بالإنسان. من هنا يمكن حصر أهم المحاور والخطوط العريضة الملخصة للكتاب في الآتي:

من حيث الإطار المفاهيمي والتعريف الإجرائي لللاهوت التقني يرفض المفهوم إضفاء أي دلالة عقائدية أو إيمانية أو إلهية على الآلة أو الخوارزمية نفسها، ولا يفترض حلول التكنولوجيا محل الدين أو الإله لا الآن ولا في المستقبل القريب. 

ويمكن تلخيص تعريف المفهوم إجرائيا، بأنه: إطار فلسفي نقدي مهمته رصد انتقال الوظائف المرجعية والوجودية مثل التفسير والتنبؤ وتوجيه القرار وتوفير المعنى ومنح الطمأنينة من نطاقها الميتافيزيقي والبشري التقليدي (الروحانية والدين والفلسفة) إلى البيئات التكنولوجية والخوارزمية.

توصلت النتائج النهائية للبحث إلى أن اللاهوت التقني يتأسس على أربعة أبعاد بنيوية:

1ـ الوظيفة التنبؤية: حيث تنبئنا من خلال التحليل والمتابعة بقرب تَحوّل الخوارزميات إلى سلطة استشرافية توجّه القرار البشري بناء على البيانات الضخمة التفاعلية. 

2ـ نقل مرجعية الحقيقة واليقين: يؤدي هذا النقل إلى منح الثقة المعرفية للمخرجات الحاسوبية بوصفها المعيار الأسمى للحياد والدقة ويتم الاستغناء عن المعايير الأخرى. 

3ـ ملء فراغ المعنى: وسيكون ذلك مدعوما بتقديم الأنظمة الرقمية إجابات شمولية سريعة تعوض تراجع الأطر الفلسفية والروحية. 

4ـ الوساطة الروحية والمعرفية: نجاح التقنية في هذه المهام يرشحها للقيام بدور الوسيط المهيمن بين الإنسان وذاته والعالم.

كل ذلك لأن غالبية المستخدمين سيُخْدَعون بكذبة (حياد التقنية). ولذا سعى المفهوم وراء تفكيك وهم الحياد التقني ومجتمع التوجيه الناعم من خلال نقد الثقافة المضلِلة القائلة بحياد الخوارزمية. فالأنظمة الرقمية نتاج مؤسسي وسياسي واقتصادي وأيديولوجي صريح، وهذا ينفي عنها صفة الحياد المزعوم.

وفي الوقت الذي تطالب فيه الكثير من الأيديولوجيات بتحرير الإنسان المعاصر من التبعية بكل أنواعها، سعى الكتاب إلى تأكيد حقيقة أن الاعتماد المطلق على الخوارزميات لا يحرر الإنسان من هذه التبعية، وإنما ينقله من تبعية المرجع البشري الذي يمكن اختباره ومساءلته، إلى تبعية مرجع شبحي غامض يُوهم بالحياد لمجرد اعتماده لغة البيانات والأرقام. وهذا سيتسبب بدوره في انتقال الشعوب من مجتمع الانضباط القائم على الإكراه والرقابة المباشرة، إلى مجتمع التوجيه الناعم، حيث تُصاغ الخيارات خفية لتُجبر الفرد على اختيارات مبرمجة مع إيهامه بأنه يمارس حريته الكاملة.

وقد فرق الكتاب بين الذكاء التقني مثل معالجة البيانات وأنماط التعلم والتكيف، وبين الوعي متمثلا بالتجربة الذاتية والخبرة الشعورية الحية والمعايشة من الداخل. وبين أن الوعي البيولوجي يعتمد مثلما هو معروف على الجسد والكيفيات الشعورية مثل الإحساس الذاتي بالألم ورؤية الألوان وتذوق القهوة والخوف ولقاء الحبيب، وهي كلها تجارب مركبة لا يمكن اختزالها في الوصف العاطفي أو النشاط العصبي المجرد. أما الوعي الرقمي/الحاسوبي فهو مهما بلغت دقته ومحاكاته للغة وللمشاعر سيظل مجرد معالجة رموز وبيانات من دون تجربة داخلية حية. فالآلة ممكن أن تعالج معلومات عن الألم لكنها لا يمكن أن تعيش تجربة الألم من الداخل. وقد نبه الكتاب إلى أن الخطورة ليست في امتلاك الآلة للوعي، وإنما في وهم الوعي الرقمي المترتب على منح نظام غير واعٍ سلطة التشكيل والإصدار المرجعي لوعي الإنسان وتصوراته الوجودية.

وخرج البحث بنتيجة مفادها أن الخوارزميات لم تعد أدوات بحث وتوسيع للمعلومات فحسب، فهي بسبب تطورها المتسارع أصبحت وسيطا لإنتاج المعنى وتشكيل محتوى الوعي عبر الانتقاء والترتيب وتوليد الأفكار. وهذه الهيمنة ستؤدي بالتالي إلى نشوء الواقع المفلتر والواقع الشخصي، حيث تجعل الخوارزمية كل فرد يرى العالم من خلال ما تتوقع هي أنه يفضله.  وقد نبه الكتاب إلى التحول الخطر من استخدام التقنية كأداة مساعدة إلى تفويض فعل التفكير ذاته إليها، وأكد أن هذا يُهدد بضمور مهارات التفكير النقدي والاستقلال المعرفي والقدرة على التأمل الحر عند البشر.

لكن بالرغم من ذلك كله لا يدعو الكتاب إلى محاربة التكنولوجيا ولا إلى الاستسلام المطلق لها، فهو بدلا عن ذلك يدعو إلى حماية إنسانية الإنسان وروحانيته.  فالروحانية في منظور الكتاب ليست طقسا ولا مذهبا، وإنما هي المسافة الوجودية التي تحفظ للإنسان حقه في الدهشة والخطأ والشك والإبداع، وتمنع اختزاله إلى مجرد مشروع بيانات قابلة للتحليل والتوقع والتحسين الرقمي. 

***

الدكتور صالح الطائي

في المثقف اليوم