قراءات نقدية
حيدر عبد الرضا: دراسة في رواية "سنة موت ريكاردو ريس" لجوزيف ساراماغو
من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا
توطئة: كان قلق الكائن الذاتي دائما خاضعا لإيقاع حياتي ــ وجودي محسوس يتراوح ما بين (من الأنا للعالم ومن العالم إلى تشظيات الأنا) لكن الحقيقة الكبيرة للأنسان في مشاغل فن الروايات عادة ما تكون هوية المرء عرضة إلى حدود المابين (الحلم ــ الواقع) وصولا إلى دائرة نقطة المغامرة في الأفكار والمشاعر والرؤى. لعلنا في رواية (سنة موت ريكاردو ريس) نعثر على ذلك النوع الخاص من الأبطال الذين تغالبهم الرؤيا الماقبلية للاحوال في حالات العالم الخارجي، فهذه الشخصيات تأتي في ولادة الاضطرابات الوضعية العامة والخاصة دون أن تكون لذواتها علاقة مدروسة بين وجودها وخلفيات عوالمها النفسية والحسية، لذا واجهتنا في الفصول علاقات فردانية تسعى إلى توليد ثوابتها الموضوعية والذاتية من خلال مواقف ورؤى العالم الكلي، لا نتيجة ردة فعل خلاصة آنية من مستحدثات حالات الأفعال، لذا يظل موقفها ذي نظرة فوقية مقابل ترك دلالات العوامل تبدو كصور ذهنية أو يوميات قد لا تتناسب في الظهور لبعض التفاصيل الغائبة والحاضرة.. تكاد أن تكون أحيانا صورة الشخصية ريكاردو ريس هي من الأوضاع الحقيقية من الداخل، ولكن لمجرد خروجها للخارج بدت وكأنها الصورة الكائنية في ذهن زمن المرايا أو اللحظات الأكثر غورا في تماثلات المراحل الزمنية الزاحفة ما بين الواقع والمنشطر عن حدوده المفردة والمتعددة.
العتبات السردية ومواقع الفعل العاملي
تتكون عناصر النمذجة السردية التي يقترحها مدخل رواية (سنة موت ريكاردو ريس) مجموعة من البنيات التكوينية الخاصة بدوافع الأبعاد والأنساق التي تتحدث عن علامات مختلفة من هوية السرد: (هنا ينتهي البحر ويبدأ البر، تمطر السماء على المدينة الشاحبة، النهر ينقل مياها طمية والضفاف مغمورة: تصعد سفينة سوداء عكس التيار القائم إنها (الهايلاند بربغاد) التي أتت على الرسو عند رصيف ألكانترا، وهي سفينة إنكليزية من الأسطول الملكي تعمل بين لندن وبونيس آيرس وتعبر الأطلسي من إحدى ضفتيه إلى الأخرى. / ص 11 الرواية) ترسم هذه التحولات الوصفية ــ الانتقالية ــ عملية مجيء الشخصية ريكاردو ريس من البرازيل إلى البرتغال. وهذه العملية تتطلب عدة تمظهرات وصيفة بحته في الكشف عن طبيعة دخول الشخصية إلى مدينته المفتوحة على ممكنات القراءة والتأويل: (لم تكن التغييرات تبدو، في عين المسافر، بهذه الأهمية، الشارع الذي كانا يجتازانه يقابل إجمالا الذكرى التي أحتفظ بها عنه، الأشجار وحدها كانت أعلى، ولم يكن في هذا ما يدهش، فقد كان لديها ستة عشرة سنة لتنمو. / ص18 الرواية) من هنا يحدد لنا السارد العليم مدة الفترة الزمنية التي غاب فيها ريكاردو ريس عن وطنه تحديدا (ستة عشرة عاما ؟) وأمام هذه البنية الإحصائية تتقدم عناصر المخيلة وفقا لذلك النموذج الذي يتوخى الكشف عن كل العلامات والأنساق التي تركها منذ ذلك الزمن الداخل النصي.
1ــ الفاعل الذاتي واستراتيجية السنن الدلالي:
لا ينبغي فهم كلمة (سنن) هنا الإ بالمعنى الصارم العلمي للمصطلح: السنن هي حقول تداع تنظيم فوق نصي من الإشارات التي تفرض فكرة معينة. إن راهنية السنن، بالنسبة لنا هي أساسا ثقافية: السنن هي أنماط معينة لما سبق رؤيته، ولما سبق قراءته، ولما سبق فعله، لذا فلسنن هو شكل هذا الشيء السابق المكون لكتابة العالم. وتبعا لهذا فإن السنن في محصلة خطوات الرواية موضع بحثنا لها وجودا قبليا أي هي تتجاوز حرفية الانطباعات والسلوكيات لدخلنا في تفاصيل شديدة كممارسة فردية ذهنية خاصة بالإحالات والنماذج التصويرية المكنونة: (صعد آخر درجات سلم الفندق التي تطل على الشارع وقد فهم أن هذه أفكار رجل متعب جدا. / ص19 الرواية) قلنا سابقا أن السنن يرتكز على تمييز الحدود الشكلية المختلفة التي بفضلها يتم مقاربة الأنموذج الشخوصي وكيفية حالاته المطروحة منذ البداية كحالة متكافئة بالمقومات والإيحاءات، بدون ربطها بعدة تفاصيل في مواضع قبلية ما. وعلى هذا النحو تلعب سنن الأفعال في مجموع الأحداث السردية دوالا تتحكم في عملية الإنتاج للدلالات، بلوغا نحو توصيف المستويات الأكثر ذروية في الأستجلاء للمواضع المبهمة: (أتعجبك هذه الغرفة ؟ كان المدير هو الذي يسأل بصوت من اعتاد أن يأمر ويفرض سلطته ولكنه مع ذلك مجامل كما يناسب وظيفته. / ص20 الرواية) كذلك نعاين في وحدات أخرى مدى تجليات سنن التصور في مخيلة الفاعل الذاتي: (حوار مألوف في هذا النوع من الظروف، ومع ذلك، فهناك شيء زائف. / ص21 الرواية) يصبح الإشكال الذاتي للشخصية في ما يتعلق والتعقد الدلالي والبنائي، والنتيجة أن هذا الأمر يعود إلى السنن السياقي للتلفظ، فليس هناك محددات قبلية أو تحيينية لمثل هكذا ومضات في المعنى، ولكن الحالة السردية هنا تقودنا نحو وحدات تفترض علاقات مسبقة كحال مثل هذه الوحدة (جلس ريكاردو على كرسي، ألقى نظرة حوله، هنا سوف يعيش زمنا لا يعرفه. / ص23 الرواية).
2ــ السرد والاستبعاد:
كانت العلامات بالنسبة لنقاد الرواية وخصوصا في ما أشار إليه ديريدا (بنية استبعاد؟) لاقت فكرة العلامة بوصفها حاملا لمعنى مبني على مبدأ إمكانية عزل المعنى عن غيره من المعاني، لذلك نلاحظ سياق الوحدات الفصولية في رواية جوزيف ساراماغو عبارة عن (تعليقات للمعنى) بلوغا كيفيا نحو مستوى مقيدا من السرد: (لا يزال يلهث، أخذ قلما وكتب على صفحة السجل المخططة، ما معرفته ضرورية. ما يدعى كونه أسمه، ريكاردو ريس، عمره، ثمانية وأربعون سنة، مولود في بورتو عازب، مهنته طبيب، آخر عنوان له، ريو دو جانيرو البرازيل، من هناك أتى، مسافر على الهايلاند بربغارد. يخيل إلى المرء بداية اعتراف، بداية ترجمة ذاتية. / ص22) ولكن الحقيقة تقع بكل المجهول في هذه السطور، بوصفها وسيطا بين الخطاب الأعترافي الكامل وذلك الاختلاف في أفعال استبعادية خاصة سنواجهها في حينها داخل ذلك الوجود المتشظي والمنقسم بين هوية الشخصية والاستعدادات الظاهرة من حقيقة النص. وإحدى الصور الأكثر شيوعا إلى بنية الاستبعاد هو ظهور الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا وهو في واقع الأمر ميتا منذ عدة شهور تقريبا: (كانت أيام ثلاثة قد أنقضت ولم يعد فرناندو بيسوا. لم يكن ريس يقول لنفسه لقد حلمت دون شك. / ص90. ص91 الرواية) لربما كان ساراماغو يسعى إلى خلق متخيلا منشطرا أو مشتظيا، ليس له من وجود سوى في متاهات ريكاردو الذهنية، لذا فالتفاصيل لا تغيب عندما راح السارد العليم يتحدث بلسان حال ريكاردو كحالة توفر لنا قصدا مغايرا في حكاية بيسوا: (حتى لو أنبثق فرناندو بيسوا هنا في هذه اللحظة، وأنا أهبط شارع داليبرداد فإنه لم يكن فرناندو بيسوا، ليس لأنه ميت، بل لأنه لن يستطيع شيئا إلى ما كانه إلى ما فعل إلى ما عاشه وكتبه. / ص95 الرواية) تنتمي العلاقة الانشطارية ما بين (ريكاردو = بيسوا) إلى النمط المضمر من العلاقة المتشظية. فريكاردو يمتلك وظيفة استحضار عين الماضي في حدود معادلة مزدوجة بين الأنا والعالم، بلوغا نحو ذاكرة المتخيل وفحوى الاستعادة، وإلا كيف من مات يعود حيا في الزمن الذي يفترض به أن ريكاردو ظاهرة في وعي الاستعادة للشخصية بيسوا، وربما من جهة ما يمكننا أن نرجح زمن موت ريكاردو أيضا في حدود الباث المشترك بين الشخصيتين، لذا فاللعبة هنا تعود إلى موقع السارد العليم عندما يستحضر كلتا الشخصيتين على أساس من إنهما تصورين في عين اللحظة المستعادة ؟.
هوامش السرد في مؤشرات مسرح الرواية
تتعدد مجالات السرد الحكائي والخطابي ضمن تمفصلات فضاءات الشخصية ريكاردو. والسؤال يبقى مطروحا إلى أين يقود ساراماغو شخصيته الروائية المنصصة في صياغات إنطلاقاتها المكانية والزمنية والذاتية والعاطفية ؟ تبلغنا مؤشرات الرواية أن ريكاردو ريس يحيا مأزومية حاجز الأصل والأصول العرقية، فهو يتابع ثمة رجل ضخم المظهر وأبنته المصابة بشلل في إحدى يديها: (الدكتور سامبايو وأبنته يصلان اليوم، هذا ما قاله سلفادور فرحا كما لو كان قد وعد بجائزة مستحقة / التقى ثلاثتهم في الاستراحة التالية. وعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفون بعضهم بعض، فقد أقتضى الأمر إجراءات التقديم، ريكاردو ريس، مرساندا سامبايو. / ص117 الرواية).
ـ تعليق القراءة:
في الحقيقة تأتي مستويات البناء الروائي ضمن حدود ترسيخ رؤية منظورية خاصة بالحكي إذ يسعى من خلالها جوزيف ساراماغو إلى حالات كثيفة من الأبهام والخفية بالافعال الكشوفية التي يتضمنها النص الروائي على حد تقديري. إذ يكشف التقابل ما بين علاقة ريكاردو ريس وفرناندو بيسوا إلى حالة من التداخل القائم بين نموذج (الأنا ــ الأنت) فكلاهما يعنيان بصورة من الداخل حيث الأوضاع كانت وكأنها تتشظى في الحضرة المؤطرة ما بين كلتا الشخصيتين، فيما تبقى دوافع ريكاردو إزاء مرساندا تشوبها حالات من الاستهواء والود رغم أن الأخير لا يهوى غواية الفتيات، أن رواية (سنة موت ريكاردو ريس) وعبر مبحثها الأولي هذا، حاولنا إبراز أهم الأفعال الروائية الدالة كمؤشر أولي دالا عن مستوى الوصف والاحساس والوظائف الأولى المفعلة في زمن تقادم الأنا العاملة من العالم النواتي ومن العالم إلى مراحل تمظرات تشظيات الذات الفاعلة في مدار الآخر المتموضع في بنية اللامرئي.
***
حيدر عبد الرضا






