قراءات نقدية
منذر الغزالي: شاعريّة التشابك.. قراءة في قصيدة "حين تتشابك الرموز يولد الوطن"
للشاعرة السورية: سمر الديك
تُقدّم الشاعرة سمر الديك في قصيدتها "حين تتشابك الرموز يولد وطن" رؤيةً حداثيةً لمفهوم الهوية، متجاوزةً التوصيفات التقليدية للوطن كجغرافيا صلبة، لتجعله كائناً حياً يتشكل عبر "التشابك" الإنساني والروحي.
1. البنية التصاعدية:
تتبع القصيدة هندسة لغوية دقيقة تنتقل بذكاء من الجزئي إلى الكلي. تبدأ الشاعرة برسم ملامح الوطن من خلال تفاصيل صغيرة وحميمية، لتؤكد أن الأوطان تُبنى من تآلف البسيط لا من ضجيج الشعارات، فتقول: "خصلةٍ لاتُقطع" وتنتقل من أثر الطين إلى أفق الأمة:
"يحمل ألواح الطين.. ويقول للقرون: ما زلتُ هنا".
"الوطن يبدأ من خصلةٍ لا تُقطع" وتنتقل من أثر الطين إلى أفق الأمة:
"يحمل ألواح الطين.. ويقول للقرون: ما زلتُ هنا".
2. تجسيد المجرد:
استخدمت الشاعرة اللغة البصرية لتحويل المكونات المجتمعية من أفكار مجردة إلى صور ملموسة، مما نزع عن الاختلافات صبغتها السياسية الجامدة.
فالحكمة تجسدت في: "حجرٍ صغيرٍ احتفظ الدُّرزيُّ به في جيبه.. ليذكّره أن الطريق الطويل يحتاج إلى قلبٍ ثابتٍ"
والإيمان تحول من عقيدة صامتة إلى فعل اجتماعي: "الإيمان ليس جداراً، بل نافذةٌ تُفتح على الجار".
3. الثنائيات الضدية
يقوم النص على صراعٍٍ صامتٍ بين عالم الانغلاق وعالم الانفتاح. ترفض الشاعرة "وطن البنادق" وتنشد "وطن الكلمات"، حيث تقول بوضوح: "نحن لسنا أسماءً، ولا طوائفَ، ولا خرائطَ تُرسم بالشك"
وتدعو لمواجهة الكراهية بالوعي: "من عرف عمقه، لم يغرق في الكراهية".
4. الخاتمة: فلسفة التحرّر والولادة
تصل القصيدة إلى ذروتها في المعادلة الوجودية الختامية التي تربط بين تحرر الرموز وولادة الوطن. فالوطن هو الجسر الذي يكتمل بتعانق الأرواح: "الحرف حين يتشابك مع الحرف يولد وطن، وأن القلب حين يتشابك مع القلب تولد أمة".
وتختم الشاعرة دعوتها بالعودة إلى الأصل الجوهري:
"تعال نعيدك إلى اسمك الأول: سلام".
القصيدة: حين تتشابك الرموز يولد وطن
***
بقلم: منذر فالح الغزالي
......................
يا وطني…
يا جسداً يتنفّس من شقوق الجبال،
يا اسماً يلمع في الذاكرة
كأن الذاكرة نفسها
تبحث عن يدٍ تمسك بها.
فيك…
تتدلّى جديلةُ الضوء
كحبلٍ من نورٍ يشدُّ الجبلَ إلى صدره،
وتتدلّى معها ذاكرةُ امرأةٍ
كانت تسرّح شعر ابنتها
وتقول:
“الوطن يبدأ من خصلةٍ لا تُقطع”.
وفيك…
يرتفع موجٌ بلا بحر،
موجٌ يشبه الروح حين تتذكّر أصلها،
كان العلويُّ يراه في داخله
قبل أن يراه في الماء،
موجٌ يكتب على الهواء:
“من عرف عمقه
لم يغرق في الكراهية”.
وفيك
تلمع حكمةٌ بلا شكل،كحجرٍ صغيرٍ
احتفظ الدُّرزيُّ به في جيبه
لا ليحميه،بل ليذكّره
أن الطريق الطويل
يحتاج إلى قلبٍ ثابتٍ لا إلى سلاح.
وفيك…
تعلو مئذنةُ السُّنّي
كأصبعٍ يشير إلى السماء
ويقول للريح:
“ارفقي بالبيوت… ففيها أطفالٌ
يحفظون أسماء الله
أكثر مما يحفظون أسماء البنادق”.
وفيك…
يدقُّ جرسٌ بلا كنيسة،
جرسٌ يشبه نبضاً
يذكّر المسيحيَّ
أن الإيمان ليس جداراً
بل نافذةٌ تُفتح على الجار.
وفيك…
يفتح الآشوريُّ جناحيه
كطائرٍ خرج من سفرٍ قديم،
يحمل ألواح الطين
ويقول للقرون:
“ما زلتُ هنا…وما زال الحرفُ أقوى من السيف”.
وفيك…
تُقام خيمةٌ بلا وترٍ ولا عمود،
ظلٌّ بدويٌّ يُقام أينما حلّ القلب،
ظلٌّ يقول للغريب:
“الطريقُ لا يكتمل إلا بمن يشاركه”.
يا وطني…
يا من علّمتنا أن الرموز
ليست جدراناً،
بل نوافذَ نطلُّ منها على بعضنا.
يا وطني…
يا من جعلتَ من اختلافنا
حديقةً تتفتح فيها اللغات،
وتتجاور فيها الحكايات
كما تتجاور القرى على كتف النهر.
يا وطني…
نحن لسنا أسماءً،ولا طوائفَ
ولا خرائطَ تُرسم بالشك.
نحنُ أنفاسٌ تتجاور،
وأصواتٌ تتعانق،
وخيوطٌ إذا تشابكت
صار اسمها: وطن.
ياوطني…
تعال نعيدك إلى اسمك الأول:سلام.
تعال نكتبك من جديد
بحبرٍ لا يعرف الكراهية،
ونرفعك على كتف القصيدة
لا على كتف البندقية.
تعال…
نعلّم العالم
أن الحرف
حين يتشابك مع الحرف
يولد وطن،
وأن القلب
حين يتشابك مع القلب
تولد أمة.
و أن الرمز حين يتحرّر من شكله
يصير لغة،
وأن اللغة حين تتحرّر من خوفها
تصير جسراً،
وأن الجسر حين يكتمل
يولد وطن.
***
26.01.2026







