قراءات نقدية
حبيب ظاهر: صناعة الأمل.. قراءة عرض مسرحية وقت إضافي
فكرة الأمل تلازم الحياة الإنسانية كضرورة لا بد منها ليستمر العيش والعمل والمحبة، الأمل بالنجاح، الأمل بالغنى، الأمل بالسعادة، الأمل بالشفاء.. وغيرها من سلسلة آمال لاتنتهي يعيش بها ومعها الإنسان. يقف الأمل بالضد من اليأس والإحباط والكآبة والركود والسكون.
والإنسان بحاجة دائما لمحبة ودعم واسناد الإنسان (الأب، الابن، الاخ، الام، البنت، الأصدقاء، الزوجة) ولأن الجميع -غالبا- ينصرفون إلى حياتهم، ولا يبقى مع الفرد سوى زوجه، فقد اختار المؤلف (مثال غازي) الزوجة وجعلها الشخصية ذات الاهمية الاولى في مسرحيته إلى جانب شخصية الزوج المصاب بالسرطان، والطبيب الذي يعلن ان الزوج سيموت بعد سبعة أيام.
المسرحية تدق جرس إنذار وتقول: إذا أزفت ساعة الموت، فأن الوقت الإضافي للعيش غير متاح، ما لم يكن يمتلك الإنسان أملا للعيش من أجله. استند المؤلف إلى فرضية مفادها: (البطل يموت بعد سبعة أيام) ومنها انطلق في بناء شخصياته الثلاثة.
سادت مشاهد العرض أجواء المستشفى ومواجهة المرض القاتل، إلى جانب ما عرض على السايك الخلفي/الشاشة من صور مؤشر النبض ولافتة (العناية المركزية) وسيادة اللونين الأبيض للجدران واللون السماوي للحواجز المتحركة المستخدمة في المستشفيات للفصل بين أماكن رقود المرضى وإجراءات الكشف والعلاج، وقد حركها المخرج لتنويع مداخل ومخارج الشخصيات وحسب، مع وجود قطعة الأثاث المركزية (نقالة المرضى ذات العجلات) التي تمركزت في وسط وسط الخشبة وتنوع حركة استخدامها.
تكررت الإشارات بالحوارات والصور الثابتة والمتحركة إلى حركة الزمن ومضي الأيام السبعة، وظهور اشكال الساعات وحركة عقاربها على الشاشة (داتا شو) لغرض ترسيخ فكرة هيمنة الزمن وأهميته، وللتأكيد على أجواء التوتر والترقب للآتي من الأحداث وما ستؤول اليه مواجهة السرطان.
يمكن قراءة عرض (وقت إضافي) ضمن الدراما الاجتماعية، لما فيها من موقف أسري نبيل وجميل من قبل زوجة ضربت مثلا طيبا في العلاقات الاجتماعية الوثيقة بعدما تسيدت أنواع من العلاقات السيئة والتفكك الأسري التي تم تسليط ضوء تطبيقات التواصل الاجتماعي عليها بقوة حتى جعلت اليأس يدب في النفوس من كونها الغالبة، في حين أن العلاقات الطيبة هي السائدة والتي ينبغي الترويج لها كما فعل القائمون على عرض مسرحية (وقت إضافي) ومن جهة أخرى تصدى العرض إلى إشكالية العلاقة المهنية لشريحة من الأطباء الذين تكلست مشاعرهم بالمرضى.
أهم مقاربات الشخصيات ومفارقاتها
لم يمنح المؤلف ولا المخرج الشخصيات اسماء ولا كنى، وبقصد التعويض عن ذلك أسبغ المخرج على الشخصيات بالاستناد إلى معطيات المؤلف مواصفات واضحة تجسدت بالفعل والأداء ومن خلال تصميم الأزياء، وبعض الاكسسوارات.
ما ينأى بالعرض عن الطابع الاجتماعي ومذهب الدراما الواقعية ويجعله منفتحا على قراءة مغايرة هو شخصية (الطبيب) التي جسدها (احسان هاني) الذي ارتدى قميص الأطباء الأبيض ووضع سماعة على رقبته، وظهر متجهم الوجه، حاد الطباع، وتجرد من مشاعر التعاطف مع المريض بالسرطان، ووقف بالضد تماما من وجود الزوجة إلى جنب زوجها في أيامه الأخيرة، حتى أنه طرد الزوجة عدة مرات من المستشفى، بدأ الطبيب حواره بقطع خيوط الأمل منذ بداية المسرحية ولم يحدث تغيير ولا تطور في شخصيته، التي استمرت بإيقاع ثابت حتى النهاية، يردد الطبيب عبارة: (لا شك) في الاصابة بالسرطان و (لا أمل) في الشفاء.
في الآن نفسه سعت الزوجة لزرع الأمل، بواسطة الذكريات والحب والاستعطاف للحد الذي تقول لزوجها -ما معناه- إذا مت أنت، من لي أنا؟ فلا قدرة لها على العيش دونه. تعمل على توفير الدعم النفسي له وتذكيره بأن الذي نجا من الحروب وحالة الحصار الاقتصادي إبان ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي … لابد أن يتمكن من النجاة من الموت بسبب مرض السرطان.
أظهرت الممثلة (هناء محمد) في تجسيدها شخصية الزوجة تناسق واضح بين أبعاد الشخصية الجسدية والنفسية والاجتماعية، ويمكن عَدْها نموذجا لشخصية الزوجة المثالية، لأنها أظهرت تفان واخلاص ومحبة كبيرة لزوجها، مستنهضة فيه قواه الكامنة بمقولة عميقة، وتجلت فيها ذروة العرض، إذ قالت الزوجة: (نعيش او نموت معا) انها اللحظة المفصلية التي وضعت الزوج في مفترق حالتين، إما الاستسلام التام للمرض والموت أو التماهي مع فكرة الامل. أرتدت الزوجة أزياء العباءة العراقية/ سمة محلية، التنورة السوداء، القميص ذي الأرضية السوداء ولكنه مزين بالورد.
جاءت مفارقة الواقعية في شكل شخصية الزوج وبنية سلوكه، اذ من المفترض بحسب الصورة النمطية الشائعة أن يكون المصاب بالسرطان ضعيف البنية الجسدية ومنهك وثقيل الحركة خصوصا من كان في المرحلة الاخيرة من الإصابة، في حين ظهر اداء الممثل (مازن محمد مصطفى) ببنية جسدية ممتلئة وقوية وامتازت حركته بالمرونة والخفة حتى أنه اعتلى سرير المرضى واقفا، بحركة خفيفة ومرونة عالية إلى حد ما. علما ان الضعف والإجهاد لا يعد قاعدة ثابتة تنطبق على جميع المرضى.
امتاز تقديم الشخصيات بالاسترخاء بصورة لافتة اقتربت من حالة يمكن تسميتها ب (اللا تمثيل) لما تمتع به الممثلون (مازن علي مصطفى هناء محمد وإحسان هاني) من تلقائية كبيرة. سار مستوى الاداء للممثلين (هناء محمد ومازن محمد مصطفى وإحسان هاني) بالتوازي مع العملية الإخراجية في رفع مستوى العرض الجمالي.
عملت شخصية الممرض على مساعدة الطبيب في تنظيم الأثاث على الخشبة ولم يكن لها دور في صناعة الحدث ولا أهمية في بناء الفعل الدرامي، لدرجة انها بدت زائدة.
الصراع
توجد دائرتان للصراع في عرض (وقت إضافي)
الاولى: الطبيب ❌ الزوجة
الثانية: الزوج ❌ الزوجة
تمضي سبعة أيام، يتصارع خلالها رأي الطبيب العلمي (لا شفاء من هذا المرض) مع رأي الزوجة الإنساني (بالأمل تشرق الشمس من جديد) وعندما ينتهي الوقت، ولا يبقَ إلا الزوجة العاملة على صناعة الأمل باستمرار الحياة، ويبقى السؤال: هل ثمة أمل؟
يمكن القول إن صراع المسرحية يدور بين الطبيب والزوجة ، وان محور الصراع هو التعامل مع المريض/ الزوج.
جعل المخرج (أسامة السلطان) الأيام السبعة تمضي مسرعة بأقل من خمس وأربعون دقيقة على وفق زمن العرض الرياضي، وختمها بتسلل الزوجة إلى المستشفى خلسة، وليتم بناء المشهد الاخير بحضور أطراف العرض الثلاثة، واحتدام الصراع، وتعالي أصوات الحوار بين الطبيب من جهة، والزوجة والزوج من جهة ثانية، غلبت القيمة الحوارية للصراع على قيمة الفعل الدرامي، إذ طغت لغة الكلام/ الصوت والإلقاء، على لغات العرض الاخرى، فكانت الصورة السمعية سيدة العرض وليس صورة الفعل، ولم تتوازن مع الصورة المرئية، هذا رغم سعي المخرج (اسامة السلطان) والى جانبه الدراماتورج (سعد عزيز) إسناد الحوار بصور شاشة (الداتا شو) والموسيقى والأغنية الشعبية التراثية التي تناغي وجدان الشخصيات وتحرك مشاعر المتلقي على حد سواء.
احدى مهام الفن ان يرينا ما لا نراه في الواقع ، ان يظهر أعماق الأمور ، ذلك أن الفنان يخترق السطح ليرى ما لا نراه ، وهذه قدرة لا يمتلكها الإنسان العادي.
بالحالة العادية/ التقليدية يفترض بشخصية الزوج (مازن محمد مصطفى) الذي أبلغ بموته بعد أسبوع ان ينهار نفسيا، في حين ظهرت الشخصية مستسلمة لمصيرها وليست باكية، يعتريها القلق والتردد بالذهاب باتجاه رأي الطبيب وفرضية الموت الحتمية، أم فرضية الأمل الذي تزرعه الزوجة في روحه، ولكنه حتى نهاية المسرحية لم يحسم أمره، يتجلى موقفه بحالة من التردد والوقوف في الوسط/الحياد بين هذا وذاك، وقد جسد تكوين المشهد الأخير ذلك، عندما جعل الطبيب ومساعده في اعلى وسط خشبة المسرح، ووقفت الزوجة في اسفل وسط الخشبة وقالت كلمتها الختامية بضرورة حضور الأمل والتشبث به ( الوقت الإضافي هو الأمل) في حين وقف الزوج حائرا بينهم في وسط الوسط. كل هذا ومنظر شروق شمس يوم جديد، يعرض على خلفية المسرح ليعضد ما ذهب إليه المخرج اسامة السلطان بتجسيد فكرة المؤلف مثال غازي: الإنسان يعيش على امل.. دائما.
ذهب العرض إلى ان الفنون لا تقدم الحلول والوصفات الجاهزة، الفنون تعبد وتنير الطريق وعلى المتلقي ان يسير بنفسه والذهاب إلى الفكرة والفعل الأكثر صوابا.
ولابد من الاشادة بجهود الفنيين في الكواليس، ومن عملوا في مرحلة إعداد العرض، وتحية للجهد الطيب للدراماتورج (سعد عزيز عبد الصاحب) الذين أمسكوا بدفة العرض وأسهموا في إيصال أفكاره وجمالياته إلى المتلقي ببساطة ووضوح.
كل المحبة والتقدير للمؤلف (مثال غازي) الذي قدم فكرة وبنية درامية مغايرة، وللممثلين (هناء محمد ومازن محمد مصطفى وإحسان هاني) وللمخرج الذي صنع توليفة عناصر العرض المتناغمة بايقاع محكم.
عرضت المسرحية لمدة ثلاثة أيام اعتباراً من ٢٩/ ١/ ٢٠٢٦ على مسرح الرشيد في بغداد، إنتاج نقابة الفنانين العراقيين- المركز العام بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح.
***
حبيب ظاهر







