قراءات نقدية
جبَّار البهادليّ: مِجْبِلُ المَالكيُّ.. الشَّاعرُ الَّذي رَثَى نَفسَهُ حَيَّاً
ينتمي الشاعر العراقي البَصري الدكتور مِجبلُ المالكيّ إلى جيل سبعينيَّات القرن العشرين، وهو الجيل التالي لشعراء الستينيّات الذين جاءوا ما بعد شعراء روَّاد الحداثة الشعرية في رِحلة مسار الشعر العربي، أمثال (السيَّابُ ونازكُ الملائكةُ والبيَّاتيّ)؛ لذلك فأنَّ مهمَّة الشعر المُلقاة عليهم كانت شاقّةً وعسيرةً بكلِّ تجلياتها، وليست بالمهمَّة الإبداعية الهَيِّنةِ أواليسيرة؛ كونها تحتاج إلى تجربةٍ ثرَّةٍ وتتطلَّب ثباتاً صُلباً وإقداماً كبيرين في التمكُّن من أدواتهم الشعرية أمام تيار ما حدثَ، وما سَيحدثُ مُستقبليَّاً للشعرالعربي الحديث من تغيُّراتٍ شكليَّةٍ ومعنويَّةٍ في ظلٍّ هذه التَّحوُّلاتِ الشعرية السريعة.
لقد نضجت تجربة مجبل المالكي وتفتَّحت آفاقها الشعرية الرحبة في الثمانينيَّات، واستطاعت أنْ تجد لها أرضاً خِصبَةً مؤاتيةً وموطِئاً في مسار الشعر الخليلي وشعر قصيدة التفعيلة الجديد من خلال مثابرته الدائمة ومشاركته النشر في الصحف والمجلَّات المحليَّة العراقية والعربيَّة، والتي أعلنت عن ولادة شاعر فاعلٍ بَصْرِيّ جنوبيّ يُشار لشعريته بِالبَنان وإمارات الإبداعيَّة العربيَّة.
ومن يطَّلع جيِّداً على نتاجات د.مِجبل المالكيّ العديدة ويدرس بتأمُّلٍ وَرَويَّةٍ قواعد الشعرية في معجمه الشعري الخاص من حيث بنائه اللُّغوي أو مستوياته اللُّغوية، كالمستوى المُعجمي والدلالي، والبلاغي الصُّوري والتركيبي النحوي والإيقاعي الموسيقي أو العَرُوضي الوَزني، سَيُدرك جيِّداً حجمَ الثراء النوعي الموضوعي المتنوُّع وغزارة الإنتاج الفكري الواثب لهذه التجربة الإبداعية المُتئِدة التمايز، والتي جعلت من الشِّعر لديه مناراً-تُستَضاءُ به النفوسُ-ومنْ الكلمةِ الفذَّةِ لوحةً فنيَّةً ناطقةً، ومِنْ سحرِ القصيدةِ مَسرحاً يُحاكي واقعها المعيش بكلِّ تفاصيلها التداولية والموضوعيَّة التي تعكس عقابيل راهن الإنسان وصورصراعه الدائر وتضادته اليُوتوبية والديستوبية المتناقضة.
إنَّ أهمَّ ما يُميِّز تجربة الشَّاعر المالكيّ الشعريَّة - شكلاً ومضموناً ولغةً وإيقاعاً- هو قُدرتهُ الإجرائيَّة الفذَّة ومثابرته في التَّحكُّم بزمام أدواته الشعريَّة المُتماسكة، واستنطاق موهبته الإبداعية المتواثبة، وسعة ثقافته المعرفيَّة الابستمولوجية في تأثيث القصيدة التجريبية وَصُنعها وتَخليقها فنيَّاً وجماليَّاًوفقَ الرُّؤية الفلسفيَّة التي تتطلَّبُها وحدةُ الموضوع، وتُمْلِيها عليه الواقعةُ الحَدَثيَّةُ زَمكانيَّاً الَّتي جسَّدتها إمكاناتُ ثقافته الشِّعريَّةِ، وجرأته الحركية المِقدَامة في التماهي مع مَخايل صُور الحياة:
نَياشينهُم فَوقَ صَخرِ الضِّفافَ الَّتي قُطُّعُوا فَوقَهَا
تَكتسِي حُمرةَ الجُلنَارْ.
والمِياهُ الَّتي أسرَجَتْ مُوجَهَا جُثَثَاً غَضَّةً
لًمْ يًزلْ وًقعُ مَأساتِها دَائِمَا فِي المَدَارْ (أقمارٌ مُنفرطةٌ، ص 130)
أمَّا الحديث عن شِعريَّة مِجبل المالكيّ في ضبط إيقاعهِ الأُسلوبي في فنيَّة التعبير الإبداعي الشعري، فلا بُدَّ من معرفة أغراضه الشعريَّة المُتعدِّدة، وكشف حقوله اللُّغويَّة الدلاليَّة والموضوعيَّة التي أبدع فيها من الناحية الجماليَّة والفنيَّة. فإنْ ذهبنَا إلى آخرَ إصداراتهِ الشِّعريَّة الصَّادرة في عام 2025م لنقفَ على مراثيه في ديوانه (أقمارٌ مُنفرطةٌ)، تلك العتبة العنوانية الدالة على متن نصوصها الشِّعريَّة الموازية في بناء هندستها لانزياحية الفنيَّة والمعماريَّة وجمال بلاغتها الأسلوبية الجديدة:
هَكذَا نَحنُ
نَبقَى نُطَرِّزُ أقمارَنَا فَوقَ عَرشِ التَّوابيتِ،
ثُمَ لَا نَعلمُ مَنْ سَوفَ يَمشِي بِنَا حُداءَ المَواكبِ
طَائرةً صَوبَ تِلكَ القُبُورِ؟! (أقمار منفرطة، ص 34)
فإذا كان مجبل المالكيّ قد رَثَى أبا منصور الحلَّاجَ والسيَّابَ ومحمودَ البريكان ود. عامر السَّعد ومحمَّد صالح عبد الرِّضا ومحمودَ عبد الوهاب وناصرَ بائعَ الجرائدِ وثُلَّةً كبيرةً حتَّى آخر المَرثيين العرب أمجد حسين صالح في ملحمته الخلوديَّة (مُعلَّقةُ التُّرابِ)؛ فإنَّي لم أجد شاعراً عراقيَّاً وربَّما عربيَّاً قد رثى ذاته الشِّعريَّة الموجعة وهو حيٌّ على قيد الحياة بحجم هذا التأثُّر والفقد والمصداقية! لنقرأ في هذا الاتجاه المقطع الأخير من قصيدته (مَرثاةٌ لَيستْ لِسوايَ) الِّتي يَرثى فيها نفسه اليائسة:
اللَّيلةُ لَا أكتبُ إلَّا مَرثاةَ قَتيلٍ
ضَيَّعَهُ العَصرُ المَاحقُ،
واحتَزَّ نَقاءَ رَؤاهُ المَسروجةِ بِالبرقِ، وَأسلمَ تَاجَ مَهابتهِ،
ومَفاتيحَ كُنوزِ مَدائنهِ القِدِّيسةِ لِلأغرَابْ!! (أقمارٌ مُنفرطةٌ، ص 164)
ربَّما كان سبب ذلك الرثاء النفسي؛ لشعور المالكيّ وإحساسه بِهُويَّةِ الاغتراب النفسي والمكاني، وشعوره المتزايد الأليم بخيبات النكوص ومرارة الارتكاس الذاتي المُميت تجاه عالمه المُحيط. حتَّى غدت قصائد الفقد والرثاء عنده عنواناتٍ حقيقيةً بارزةً للوفاء والاخلاص والمحبَّة والانتماء الأصيل إلى الأرض والمكان والإنسان، وليست مجردَ قصائدَ تعبويَّةٍ وشعاراتٍ لفظيَّةٍ وحماسيَّةٍ تُحْشَدُ وتُنظَّمُ لإحياء مناسباتٍ اجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ عابرةٍ تَمضي وتمرُّ مرورَ الرياح لا أثر لها يبقى.
إنَّها قصائد الكلمة الحقَّة ومرثيات الحبِّ الحقيقي غيرُ المُفتعل، التي ميَّزت شعريته بالطابع الإنساني في الخروج من شرنقة الذاتية الضيقة إلى فضاء الذاتية الجمعية المشتركة. فرثَائيَّاتُ الدكتور مِجْبل المالكيّ تُعدُّ بِحقٍّ كلماتٍ وصوراً ومُهيمناتٍ فكريَّةً وتراكيبَ شعريَّةً دافئةَ القلبِ والمشاعر تخرجُ من القلبِ لتقعَ في القلبِ، وليست مجردَ تعابيرَ خَاويةً جوفاءَ لا روح فيها تخرج من اللِّسان فلا تَتجاوز حدود الأُذنين. لا أثرَ لها مَحكِيٌّ أو صدىً، إنَّها رثاء الأحبة وصدق الخِلَّان. فلننظر كيف يصف مجبل المالكيّ غربة السيَّاب وعذاباته وجعه المستديم الذي لا ينتهي في الخليج
مُتماهياً معه في محنته ومرضه وشقائه في تراتيل قصيدته (مِنْ وَحيِ غُربةِ بدر شَاكر السيَّاب):
تَظلُّ تَصيحُ بِأعلَى صَوتِكَ
"يَا وَاهبَ هَذَا الدُّرِ وهَذَا المُوتٍ"
ولكنَّكَ تَبقَى مَركونَاً فِي الظِّلِّ،
وَتِلكَ السُّفنُ المَشبوبَةُ بِالبرقِ تَغيبُ،
وَيَندبُ حَظكَ حَتَّى هَذَا الطَّيرُ السَّابحُ فَوقَ سَماواتِ الشَّطِّ
وَتَطحنُ غَاباتِ حَنايَاكَ النَّارْ (وَشم فَوقَ جَبينِ النَّخلِ، ص 61، 62)
ولشِعريَّة المكان الوصفيَّة في قصائد مِجْبل المالكيّ ومجاميعه الشِّعريَّة مَهابةٌ مرموقةٌ ونظرةٌ تأمليَّةٌ ماتعةٌ محبوبةُ الأثرِ. فهيَ أشبهُ بِواسطَةِ العُقدِ الفَريدِ الذي يُطرِّزُ جِيْدَ أوعُنقَ تجربته الشِّعريَّة المُكتظَّةِ بثنائيَّات الأمل والألم والحياة والموت والخير والشرِّ والوجود والعَدم والإِقدام والإحجام.
فلا عجبَ أنْ تأتيَ مجموعته الشِّعريَّة (وَشْمٌ فَوقَ جَبينِ النَّخلِ) الصادرة عام 2021م عن مطبعة البصرة بأنسنتها العنوانية وأُسلوبيتها الانزياحيَّة الماتعة لِتُعبِّرَ عن أثر البصرة جنَّة النخل ومدينة الشعراء والمبدعين ذاتها. البصرة واحة الفنارات، وعذوبة المواويل، وباسقات النخيل. البصرة غادة الجَنوب وَدُرة الخليج التي تغنَّى بها المَالكيّ بدواوين السيَّاب الأثيرة ووجع غربته على الخليج، ووصف عزلة البريكان وتوحُّده مع شِعريته وغَرابة موتهِ السَّريع المُفاجئ والمثير. وليس كلُّ هذا، بل انعطف على محمَّد خضير في بَصرياثه وسرديَّاته المكانية وسحرِ هواجسهِ البَصريَّة:
هَادئٌ، وَادعُ القَلبِ
تَقرأُ فِي وَجهِهِ طِيبةَ النَّخلِ والأهلِ،
والبَصرةِ المُستحمَّةِ فِي نَبضهِ المُستضَاءْ. (وَشمٌ فَوقَ جَبينِ النَّخلِ، ص 70)
لقد استوطن المكان في قلب الشاعر المالكي وصارت البصرة وأزقة العشار والشواخص الأخرى من الضواحي والمثابات المَنسيَّة أهمَّ اشتغالاته الصورية الشعريَّة واهتماماته البَصَرِيَّة والمِخياليَّة. ومثلما غنَّى المالكيّ لنخيلِ العراق الشَّماء غنَّى لنخلِ البَصرة الباسقات ولمثابات السيَّاب، ولجيكور الأهل والأحباب، ولقافية الورد والشعراء الفحول الأفذاذ، وشكَّلت القصيدة المالكيَّة رمزاً وشاخصاً مكانيَّاً له مُوحياته الدلالية والزمانية التي تُسهمُ في خلوده عبر مَجسَّات هذا التراسل الحدثي القَارّ:
الشَنّاشيلُ مِرآتُها والنَّدَى كَحَّلَ أهدابَها
والفَناراتُ مِعصمُهَا
والمَواويلُ إيقاعُ سُمَّارِهَا،
والنَخيلُ المُعرِّشُ فَوقَ اِشتعالاتِ خُضرتِهَا
شَعرُهَا (وَشمٌ فَوقَ جَبينِ النَخلِ، ص 12)
وفي إطار آخرَ غرضيٍّ جديدٍ من أغراض شعر المالكيّ تُعدُّ قصيدة (إنشادٌ في حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ) إحدى مدوُّنات الشاعر الصادرة عن دار السُّكريَّة بمصر عام 2020م، ومن بابِ تقديم الجزء على الكلِّ لأغراض فنيَّةٍ اتَّخذت القصيدة من تسميتها الداخلية الفرعية عنواناً رئيساً لمجموعته الشعرية ذاتها وعتبةً من عتاب النصِّ التي أكدها الناقد جيرار جينيت وثبَّتها في عتباته التعددية. وبدلاً من أنْ يكون الإهداء مُفتتحَ هذه المدوُّنة الأول، ارتأى الشاعر المالكيّ أنْ تكون عتبة التصدير مُستهلاً لمطلعِها. وقد اختار لهذا التصدير ثلاثة أقوالٍ نَصيَّةٍ مُتواليةٍ من عُيون التُّراث في (الحبُّ الرُّوحي، والجزعِ، والهَوى)، الأوّل للنِّفَّري والثاني لجلال الدين الرومي والثالث لأبي الشِّيص الخُزاعي:
"سُدْ بَابَ قَلبِكَ الَّذي يَدخُلُ مِنهُ سِوايَ؛ لِأنَّ قَلبَكَ بَيتِي". النِّفَّرِي، (إنشادُ فِي حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ، ص 5).
وقد اردفَ الشَّاعر ذلكَ التَّراتبَ النسقي الفكري والحدثي بنصِّ لقصيدةِ (الهُدهدُ) التي هي من قصائد الشَّاعر العربي محمود درويش المعاصرة؛ لِيكتملَ بذلكَ التَّحاكي وَجهُ المُقاربةِ الجَماليِّة التناصيَّة المُباشرة بين ركني التُّراث والمعاصرة بهذا البناء الإنشادي الشعري والتراتلي الذي أسقط فيه الشَّاعرُ تجلِّيات التُّراث الخالد على مهيمنات عصرنة الواقع ومجاوراته الطبيعيَّة الكونية.
تقوم غنائية الإنشاد الشعري في مدوُّنة (إنشادٌ في حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ)على رُكنين أساسيين مُهمَّينِ، الأوَّل إنشاد للمرأة الكائن الأُنثوي الجميل، ذلك الإنشاد الرائع الذي شغل الإنسان الذكوري وملأ فكره عبر إمضاء الزمن وتعاقبه المستمرِّ، وسواءٌ أكانتْ الأمُّ الرمزَ أو المرأةَ الحبيبةَ والمعشوقة لا العاشقة.وأمَّا الركن الثاني فهوَ إنشادٌ لجماليَّات المكان والأرض والمثابات الرُّوحية والارتحالات السندباديَّة، ولكلِّ ما هو جميل ورائع في تفاعلات واقع الحياة المعيشية والاجتماعية الحيَّة الجمَّة. فماذ يقول مجبل المالكي من إنشاد شعري وتراتيل عشقٍ في حضرة (ضِفافُ البَصرةِ والسَّيَّاب):
لَمْ تِسرحْ ذَاكرتِي مُهرةَ حُلُمٍ
يَفتحُ فِي وَاحةِ عُمرِي نَهرَ الزَّنبقِ
والضَوءِ المُتهدِّلِ فَوقَ غصونِ المَاءْ.
لَمْ يَنبضْ فِي شَفتيَّ الشَّاحبتينِ غِناءْ
مُذْ شَيَّعتُ ضِفافَ البَصرةِ والسَّيَّابْ (إنشادٌ فِي حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ، ص 31)
إنَّ ما يَلفتُ النظر في وقائع بِثِّ هذا الإنشاد الذي جاءت أغلب قصائده من شعر التفعيلة الحديث للشاعر البَصري مِجبل المَالكيّ، أنَّها قصائد نقيَّةٌ انمازتْ نصيتُها بشآبيبَ من الرُّوحيَّة العالية وتراتيل قريبة من النزعة الصوفيَّة الغزليَّة المُبدعة، والتي شكَّلت في أغلبها لوحاتٍ فنيَّةً وجماليَّةً تستهوي ذائقة المتلقِّي، وتُمَتُّعُ ناظره برقَّةِ ألفاظها وعذوبة تشكُّلاتها ووقع أسلوبيتها التعبيريَّة، فضلاً عن كونها تدخل إلى تجويف القلب دون استئذان، وهو دليل على حسنِ متعة شفافيتِها اللُّغوية:
عَذبةٌ أنتِ
يَفطُرُ مِنْ ثَغركِ الوَردُ وَالشَّهدِ والعَبقِ المُشتَهَى.
شُعلة أنتِ
مِنْ فَيضِ هَذَا البَهاءِ المُطرَّزِ
فِي خُصلةِ الشَّعرِ وَالوَجهِ
والخَافِقِ المُزدَهَي بِالحَنينْ (إنشادٌ فِي حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ، ص 52).
وعلى وفق ما تقدَّم من قراءاتٍ نقديةٍ لشعريَّة الدكتور مِجبل المَالكيّ، فإنَّ مُنجزه الشعري الكبير ذو الأغراض والأفكار المتعدِّدة والتوجُّهات الإنسانيَّة المُتشابكة ينماز بتجربةٍ شِعريَّةٍ راكزة، لها خطُّها الخطابي النصَّي الشعري الثابت والمتساوق فنيَّاً، ولها أسلوبيتُها المُعجميَّة الجماليَّة المُنسابة لُغةَ ومعنىً وشكلَاً ومضموناً وتماهياً وتحاكياً وتقاطعاً وتقارُباً لا تحتاج إلى جهدٍ نقديٍّ كبيرٍ لفهمِها وفككِّ شفراتها اللُّغوية الغامضة وتحليلها للمُتلقِّي الواعي النابه الذي يستوعب نقاب الشعرية المُقنَّع.
ذلك لا لأنَّها تُعدُّ تعبيراً تقريريَّاً أو مُباشراً فَجَّاً، بل لكونها بعيدةً جدَّاً عن كلِّ أشكال التعقيد اللَّفظي والغموض المَعنوي، وحتَّى لغتُها الانزياحيَّة الفنيَّة تمنحكَ مُوحياتها الدلاليَّة وإشاراتُها السِّيميائيَّة صوراً كشفيةً واضحةً لفهم المعنى الكُلي قبل إدراك المَبنى القصدي، والغوص في عوالمه الداخليَّة ودهاليزه المستقبليَّة للتنقيب عن لُقى حفرياته الأثرية التراثيَّة والواقعيَّة المؤتلفة شعريَّاً وإنسانيَّاً:
قَلبِي: هَذَا العِشُّ المَهجورْ،
وَهَذَا النَّخلُ المَنخورْ،
وَهَذَا الوَطنُ المَفجوعُ بِموتِ بَنيهِ،
وَتِلكَ الأمُّ المَنقُوعَةُ بِالحزنِ مِنَ المَهدِ إلَى اللَّحدِ
وَتِلكِ الأرضُ المُكتظَّةُ بِالمَهمومِينَ وَأفواجِ الفُقراءْ (إنشادٌ فِي حَضرةِ مَلكِ الطَّيرِ، ص 58)
لقد كان المالكيّ راصداً بصريَّاً ومخياليَّاً ذكيَّاً واعياً في إعادة إنتاج الواقع الحياتي والإنساني الرفيع المذهل والنافع جماليَّاً، والتقاطِ صور المَعطوب من الزَبَدِ الجافي والقبيح المُستهلك الطافي وتمثُّلهِ وتشكيله شعريَّاً بأنساقٍ ثقافيةٍ جديدةٍ ولوحاتٍ فنيَّةٍ تمثِّل جدليَّةَ الحضور والغياب والفرح والحزن اختلطت فيها جماليَّات الإيقاع الشعري بجماليَّاتِ الإيقاع اللُّغويّ الأُسلوبي الذي هوَ ذاتُ الشَّاعريَّةِ.
***
د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ






