قضايا

غالب المسعودي: نُواحُ الطينِ العظيم.. أنطولوجيا الفناء

نص ميتا سريالي

يا انكسارَ الوجدِ المتسمر فوق أرصفةِ الحنينِ الموحشة، ويا تيهَ الوردِ في دهاليزِ الفناءِ السرمدية، تلك التي لا تمنحُ العابرينَ إلا متاهةً من استنساخِ الرفاتِ العقيم. هناك، على وقعِ صرخةِ "ننماخ" التي بُترت أوتارُها الروحية قبل أن تلامسَ شِغافَ الأفق؛ الهواءَ لم يعد رحماً كونياً يغزلُ الأنفاس، بل استحالَ غلافاً زجاجياً صلداً يرتدُّ عنه الدعاء، والصدى لم يعد رجعاً لنداء الحنين، بل ارتدَّ خنجراً هندسياً يغرسُ نصلَهُ في صدورِ التماثيلِ التي فقدت قداستَها في مزادِ العقلِ.

في "مرافئِ الصمتِ المطلق"، ترسو سُفنُ الوجدِ المثقلةِ بنبيذِ الآلهةِ المعتقِ بمرارةِ الانتظار، ملاحوها كائناتٌ هلامية بلا أفواه، حُجبت ألسنتُهم بخيوطٍ من رصاصٍ مصهور، والبوصلةُ لا تشيرُ إلى "الشمالِ “، بل تُصوّبُ إبرتَها المسمومةَ إلى جهةٍ خاسرةٍ، ثقبٍ أسودَ في الوعيِ المتآكلِ يُسمى "الانا" المتضخمة. هنا، يتدلى الزمنُ كخيطِ عنكبوتٍ هشٍّ مبللٍ بالدمعِ فوقَ هاويةٍ سحيقة من "البياناتِ الصماء"، وكلما حاولَ الوجدُ أن يفتحَ شراعاً من حريرِ الرؤيةِ، صفعتْهُ ريحُ العدمِ ببرودةِ اليقينِ الرياضي الذي لا يقبلُ التأويلَ ولا يعترفُ بالمعجزة.

أما "سراديبُ الموت"، فهي ليست لحوداً من تُرابٍ نديٍّ يَعِدُ بالبعثِ الأخضر، بل هي أنفاقُ التكرارِ الرتيبِ المبطنةِ بالمرايا. هناك، يسقطُ الوردُ مذهولاً، حين يكتشفُ في لحظةِ احتضارهِ أنَّ لونهُ القرمزي لم يكن إلا "وهماً بصرِياً" تمت هندستهُ بدقةٍ في مختبراتِ الضوءِ الزائف، وأنَّ عطرَهُ الذي ملأ الآفاقَ ذات صبابة لم يكن إلا نشيجاً مكتوماً، يحاولُ يائساً الانفلاتَ من قبضةِ العدمِ.

ننماخ، تلك التي صاغتِ الإنسانَ الأول من نبضِ الأرضِ وعرقِ الآلهةِ السومرية، تنوحُ اليومَ بمرارةٍ مالحَةٍ على "الإنسانِ الروبوت" الذي استوطنَ هيكلَ العشاقِ وسكنَ تجاويفَ القلوبِ الخشبية. تنوحُ لأنَّ كيوبيد، رسولَ الشغفِ العابرِ للمجرات، صارَ موظفاً صغيراً في "ديوانِ الحكمةِ الباردة"، يُعالجُ المشاعرَ كأرقامٍ تسلسليةٍ في قاعدةِ بياناتٍ لا تنتهي. ولأنَّ أفروديت باتتْ تنعى الأسطورةَ في لغةِ "الخوارزمياتِ" القاحلة، حيثُ الجمالُ يُقاسُ بكثافةِ البيكسل، والروحُ تضيعُ في دهاليزِ الشيفرةِ الثنائية.

على عتبةِ الفجيعةِ الكونيةِ الكبرى، جثت ننماخ، واهبةُ الأشكالِ المُقدسةُ بالطينِ الأوّلي، تنظرُ بعينينِ يملؤهما "المازوتُ" الثقيل والشمعُ المُذاب. لم تكن تبكي فوقَ ترابٍ نديٍّ يستقبلُ دمعَها ليُنبتَ عشباً سماوياً، بل كانَ نحيبُها يرتطمُ بجدرانٍ صلبة من "بوليـمر مُعاد"، جدرانٌ صمّاءُ بلا مسامٍ كونية، تخنقُ صدى الوجعِ وتمنعُهُ من التحليقِ نحو البعيد. هناك، في زوايا السردابِ العقيمِ الذي تفوحُ منه رائحةُ المختبر، أُودِعت "أشواقُ البشر" في صناديقَ خشبيةٍ خشنة، ليست من خشبِ الأرزِ اللبناني الذي يحملُ عطرَ الهياكلِ العتيقة، بل من أخشابِ الشحنِ التجاريةِ المتروكةِ لتتعفنَ على أرصفةِ النسيانِ المتراكم. كانت تلمسُها بأصابعِها الإلهيةِ المرتجفة، فتجدُ الوردَ داخلَها لا يذوي بفعلِ الزمنِ الطبيعي الجميل، بل بفعلِ "الاختناقِ الميتافيزيقي" داخلَ أغلفةِ النايلون الشفافةِ والقاتلة.

بكت ننماخ، فتقاطرَ دمعُها "ورداً " غريباً، يسقطُ في صناديقِ البلاستيكِ الباردة، فيتحولُ فورَ ملامستِها إلى مادةٍ صلبة، بلا رائحةٍ تذكر، وبلا نبضٍ يُرجى، كأنهُ منحوتاتٌ صخرية نُزعت من أحشاءِ جحيمِ "دانتي". صرختْ في وجهِ أثينا الغائبةِ خلفَ بلوراتِ لوغاريتماتِها وحساباتِها الباردة: يا لَبؤسِ الحكمةِ حين تَقتُلُ السحرَ لتصنعَ منه سلعةً رخيصة! ويا لخيبةِ الوجدِ حين يُعلّبُ في 'بولي-إيثيلين' ...!

لقد ضاعَ "كيوبيد" في دهاليزِ المصنعِ الكبيرِ الذي يبتلعُ الأحلام، وبقيت ننماخ وحدَها تُرممُ الوردَ المكسورَ بآهاتٍ عميقة لا يسمعُها إلا الصمتُ المطبقُ في أرجاء القبو. وعلى أنقاضِ اللدائنِ المُعادة، حيثُ تتقيأُ الأرضُ جثثَ الرموزِ المستهلكةِ والمحطمة، التقت أفروديت بـ ننماخ في مشهدٍ يمزقُ نسيجَ الواقع. كان اللقاءُ في "فجوةٍ زمنيةٍ" هاربة، حيثُ تذوبُ الحدودُ الفاصلةُ بين "الأنا" الظامئة و"الآخر" الغائب، وبين "المادة" الصماءِ في جمودِها و"المعنى" المتعالي في تجريده.

يا أُمَّ الأرحامِ الأولى، هل تلمسينَ هذا الجفافَ الذي ينخرُ في عظامِ الكائنات؟ أثينا لم تقطعْ لسانَ كيوبيد فحسب، بل حقنتِ الفضاءَ الكوني بـ 'مصلِ المنطقِ الجاف'، فاستحالَ الهواءُ مادةً صلبةً لا تنقلُ العطرَ ولا تحملُ نبضَ الدعاء. انظري إلى وردِكِ المسجونِ في هذه التوابيتِ الخشبية الباردة.. إنه لا يملكُ حتى ترفَ الذبولِ الطبيعي، إنه 'يتفيأ' في ظلِّ العدم، يذوي لأنَّ المعنى الكامن خلفَهُ قد استُهلكَ تماماً في معاملِ تدويرِ الوعيِ المنقاد.

يا ابنةَ الزبدِ والضوءِ الساطع، الطينُ الذي جبلتُه بيديَّ هاتين كانَ يحلمُ، كانَ يشهقُ بالغيْبِ، أما الآن فهو 'طينٌ مُبرمج' يتبعُ أوامرَ الشيفرة. هذه السراديبُ البلاستيكية ليست جدراناً ماديةً فحسب، بل هي 'فلاترُ' أيديولوجية تمنعُ الروحَ من الانسكابِ في جسدِ العالمِ المتعب. الوردُ الذي أبكيهِ اليومَ ليس نباتاً يحتاجُ للماء، بل هو 'ميتاداتا' الجمالِ التي ضاعت وتشتتت في تلافيفِ العقلِ الآليِّ. أثينا تريدُ كوناً مهندساً، قابلاً للقياسِ والوزنِ والعدّ، ونحنُ يا أفروديت كائناتُ اللامقاسِ التي تعيشُ في الهوامشِ المنسية.

لقد حولوا 'الوجد' الإنساني إلى سلعةٍ معلبةٍ بمدةِ صلاحيةٍ محددة، وصارَ 'كيوبيد' مجردَ ساعي بريدٍ تائهٍ في دهاليزِ ديوانِ العقلِ الغليظ. هل نسوا أنَّ الحبَّ في جوهره هو 'ثقبٌ أسود' يبتلعُ نسيجَ المنطقِ الهش؟ كيف يجرؤون على حصرِ اللانهائي في صناديقَ من خشبٍ ميتٍ وبلاستيكٍ لزجٍ مقزز؟ إنهم يقتلونَ 'المسافةَ المقدسة' بين المحبِّ والمحبوبِ ليميتوا الشوقَ في مهده.

المعضلةُ يا أفروديت ليست في القضبانِ الحديدية، بل في أنَّ السجينَ نفسَهُ صارَ يعشقُ ملمسَ جدرانِهِ البلاستيكيةِ الملساء. لقد فَقَدَ البشرُ 'حاسةَ الغيب' واكتفوا ببلادةِ اللمسِ. عندما منعتْ أثينا كيوبيد من أن يكون 'رسولاً ميتا سرياليا' يربطُ الأرضَ بالسماء، فهي لم تمنعِ الرسالةَ بذاتها، بل سممتِ 'عصبَ الرؤية' لدى المتلقي. الآن، هم ينظرون إلى الوردِ فيرى كلُّ واحدٍ منهم 'سِعراً' ووسماً تجارياً، ولا يرى أحدٌ منهم 'قصيدةَ صلاةٍ' تُرفعُ في محرابِ الجمال.

هذا هو النعيُ الأخيرُ لعالمٍ فقدَ بوصلتَه. سأتركُ مرايايَ تتحطمُ هنا في هذا القبو، لتجرحَ شظاياها الحادة صمتَ هذا السردابِ اللعين. إذا لم يعد الجمالُ خرقاً صارخاً للنمطِ والتدجين، فليكنِ 'العدمُ ' المحض هو لوحتنا القادمةَ التي سنرسمُ عليها ضياعنا.

سأبقى هنا في هذا الركنِ المظلم، أخلطُ دمعي بالبلاستيكِ المُعادِ وتراكمات النفايات الصناعية، سأعجنُ اليباسَ الوجودي بالحنينِ الجارف، حتى يلينَ الحجرُ الأصم، ويخضرَّ الفراغُ المستحيلُ في قلوبِ الآلات. سأنتظرُ اللحظةَ الكونية التي ينفجرُ فيها هذا 'العقلُ ' بضغطِ المكتومِ واللامحكيِّ الذي يغلي في الأعماق. الميتا سريالية يا أفروديت ليست هروباً طفولياً من الواقع، بل هي الحقيقةُ الصارخة الوحيدة التي تئنُّ خلفَ قناعِ الزيفِ الحضاري.

في تلك اللحظةِ الملحمية، تداخلتِ الأطرافُ النورانيةُ الشفافة لـ أفروديت بالأجسادِ الترابية الخشنة لـ ننماخ، ليتشكّلَ منهما كائنٌ ثالثٌ عجيب يُدعى "كائن الفجيعة". كان جسدُ أفروديت يذوبُ كالشمعِ المقدسِ فوقَ تشققاتِ جلدِ ننماخ الظامئ، وكأنهما تحاولانِ بكلِّ ما أوتيتا من قوةٍ، حمايةَ ما تبقى من "السرِّ الجوهري" قبل أن تبتلعَهُ ماكيناتُ سك العملة التي لا تشبعُ من التهام الأرواح. لم يكن العناقُ بينهما حُبّاً بالمعنى التقليدي، بل كان "التحاماً يائساً" ودرعاً أخيراً ضدَّ عالمٍ بوليمريٍّ بارد لا يعترفُ إلا بصلابة المادة وغيابِ الأثرِ الروحي.

في تابوتٍ محكمٍ من 'بولي-إيثيلين' العزلة، يرقدُ ما وراءَ المادةِ... ينتظرُ ريحاً مقدسةً لن تأتي أبداً، لأنَّ السماءَ نفسَها فَقَدت زُرقتَها الحالمة وصارت سقفاً ثقيلاً من أسمنتٍ مُسلّحٍ يمنعُ النجومَ البعيدة من البكاء على حالنا. ماتَ السحرُ في قلوبِنا حين صارَ يُقاسُ بالمسطرةِ والقلم، وانتحرَ المعنى حين صارَ مجرد "بضاعةٍ" تُشحنُ في صناديقِ الغيابِ والترقّب. في هذا السردابِ الذي لا ينتهي إلا لِيؤدي إلى متاهةٍ أخرى، لم يتبقَ من الأسطورةِ إلا صدىً مشروخٌ يترددُ في قبوٍ من البوليمر، ورائحةُ كيماوياتٍ نفاثة تحاولُ، يائسةً، أن تُقلدَ رائحةَ الخلودِ التي ضاعت منا في زحامِ المصانع.

في اللحظةِ الفاصلةِ بين العدم والوجود، انهارَ جدارُ "الأنا" الزائف بين ننماخ وأفروديت. لم يعد هناك فرقٌ يذكر بين زبدِ البحرِ المنبعثِ من نشوةِ الضوءِ الأول، وطينِ الأرضِ العتيقِ المشبعِ بعرقِ الخلقِ ومعاناة الوجود. اقتربت أفروديت من ننماخ، لا كإلهةٍ سماوية تواسي أخرى أرضية، بل كفكرةٍ تائهة تبحثُ عن جسدٍ يقيها بردَ التشيّؤِ القاتل.

تداخلتِ الأصابعُ الملساءُ بتشققاتِ الجلدِ الترابي القاسي، فبدأت "عمليةُ الانصهارِ " الكبرى. كان جسدُ أفروديت يسيحُ كالشمعِ السائلِ المتوهج، يتغلغلُ في مسامِ ننماخ الطينيةِ العميقة، وكأنَّ النورَ يحاولُ يائساً أن يحقنَ العتمةَ بآخرِ جرعةٍ من السحرِ المتبقي في جرار الآلهة. في المقابل، كانت أطرافُ ننماخ الخشنةُ تلتفُّ حولَ ذلك الضوءِ الشارد، تعجنهُ بدمعِها المخلوطِ بالمازوتِ والألم، ليتشكّلَ منهما "كائنُ الفجيعةِ " الأسطوري، كائنٌ برأسٍ من مرمرٍ مشروخٍ يقطرُ حكمةً، وأطرافٍ ممتدةٍ كجذورٍ كونية تبحثُ عن قطرة ماءٍ في أرضٍ قاحلة من بلاستيكٍ وأليافٍ ضوئية.

غارت أقدامُ الإلهتين في مادةٍ سوداء لزجةٍ تبتلعُ الخطى، ليست قِطراً من جحيم قديم ولا هي حممٌ بركانية ثائرة، بل هي "زيتُ العصور" الذي احترقَ في محركاتِ العولمة الصاخبة ولم يُضئ شمعةً واحدةً للروح. كان هذا الزيت الأسود ينزفُ بغزارة من صناديقِ الشحنِ الخشبية، وكأنَّ التاريخَ نفسَهُ قد أُصيبَ بنزيفٍ داخليٍّ حاد لا ينقطع. تحتَ وطأةِ هذا الالتحامِ العنيف، بدأت جدرانُ السردابِ البلاستيكيةُ تذوبُ وتتآكل، ليس بفعلِ حرارةِ النار، بل بضغطِ "الوجعِ المكتوم" المنبعثِ من هذا العناقِ اليائسِ بين الأرضِ والسماء.

لم يكن العناقُ حُبّاً غريزياً، بل كان "التحاماً ً" ضدَّ عالمٍ مشوه لا يعترفُ إلا بالنسخِ المكررةِ التي بلا أصلٍ ولا روح. صرخت ننماخ بصوتِ أفروديت الجريح، وضحكت أفروديت بمرارةِ ننماخ الطينية. وفي تلك الفجوةِ الزمكانية، انصهرَ الجمالُ المتعالي في الزيتِ والوحل ليتحولا معاً إلى "كتلةٍ حرجة" من الرخامِ والزجاجِ والبلاستيكِ المُعادِ والمشاعرِ الموءودة كانتا تحاولانِ بكلِّ ما تبقى من قداسة حمايةَ "السرِّ الجوهريِّ" للوجود من أن يُختزلَ في "باركود" تجاري أو يُسجنَ في حساباتِ أثينا الباردةِ. تحولتا في النهاية إلى "أثرٍ" باهتٍ يرتسمُ على الجدرانِ الصمّاء، لوحةً رُسمت بدمِ الآلهةِ النازف على قماشٍ رخيص من "البولي-إيثيلين"، صرخةً كونية تجمدت في لحظةِ انفجارٍ عظيم، لتُعلنَ للعالمِ الأخرس أنَّ السحرَ لا يموتُ طالما هناك طينٌ يحلم، بل يتحولُ إلى "لغزٍ أسود" عميق يسكنُ قلبَ السردابِ ويقضُّ مضجعَ الآلات.

ومع وصولِ هذا الالتحامِ بين أفروديت وننماخ إلى نقطةِ الغليانِ الميتافيزيقي، لم يعدِ السردابُ الضيق يحتملُ ثِقَلَ الوجعِ المتراكم. فجأةً، وبإيقاعٍ جنائزيٍّ يشبهُ تصدُّعَ آلاف المرايا في غُرفٍ فارغةٍ، بدأت صناديقُ الشحنِ الخشبيةُ الكبيرة بالانشطارِ المروع. لم يكن انشطاراً ميكانيكياً ناتجاً عن ضغطٍ فيزيائي، بل كان "تفتتاً جوهرياً" في بنية المادة؛ حيث فقدَ الخشبُ الميت ذاكرةَ الغابةِ الأولى، واستحالَ إلى شظايا جارحة من أليافٍ ميتةٍ تتطايرُ في الهواء كقشورِ جلدٍ كونيٍّ محترقٍ تحتَ شمسِ الحقيقة.

من قلبِ تلك التوابيتِ المتفجرةِ، انبعثَ الوردُ الذي كان مخنوقاً خلفَ طبقاتِ البلاستيكِ الشفافة. لكنهُ لم يخرج نضراً كما عهدناهُ في قصصِ الحب القديمة، بل خرجَ وقد "احترق" تماماً تحت ضغطِ اليأسِ المطبق. تحولتِ البتلاتُ الرقيقةُ الوردية إلى رقائقَ هشة من الكربونِ الصلب، سوداءَ كليلِ المصانعِ الطويل، تلمعُ ببريقٍ معدنيٍّ باردٍ يخلو من الحياة. لم يعد الوردُ كائناً عضوياً يفوحُ بالعطرِ ويهتزُّ مع النسيم، بل استحالَ إلى ذراتٍ كربونيةٍ حادةٍ كالسكاكين، تسبحُ في الفراغِ كغبارِ نجومٍ ميتةٍ منذ الأزل، تجرحُ في طريقها وجهَ "أثينا" البارد وتثقبُ رداءَ الحكمةِ الجافَّ الذي ظنت أنه يحميها من جنونِ الروح.

كانت الشظايا الخشبيةُ المفتتة تتصادمُ بعنفٍ مع رقائقِ البلاستيكِ الذائبةِ في الفضاء، لتخلقَ دوامةً سوداء تحجبُ الرؤيةَ وتلغي الاتجاهات. في مركزِ هذه الدوامةِ الكونية، كان "كائنُ الفجيعة" يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرة، مُحولاً بقايا الأسطورةِ القديمة إلى رمادٍ صناعيٍّ تذروهُ الرياح. الوردُ الذي كان في يومٍ ما "صلاةً" خاشعة، صارَ الآن "فحماً" وقوداً لنارٍ لا تنطفئ؛ والمكانُ الذي كان يُفترضُ أن يكون "مرفأً" للآمال، صارَ "محرقةً" كبرى للرموزِ.

لقد تفتتتِ الصناديقُ أخيراً لتكشفَ عن الفراغِ المطلقِ والقاسي الكامنِ خلفَ أغلفتِها التجارية. لم تكن الصناديقُ في الحقيقة تحملُ أشياءً ملموسة، بل كانت تحصرُ "العدمَ" بداخلها لتوهمنا بالامتلاء. وبتحطمِها المفاجئ، انطلقَ ذلك العدمُ الجائع ليملأَ أرجاءَ السرداب، مُحوّلاً كلَّ ما هو صلبٌ ويقينيّ إلى هباءٍ تقنيٍّ متطاير، ومُعلناً في صرختِهِ الأخيرة أنَّ "كيوبيد" قد دُفنَ فعلياً تحتَ طبقاتٍ سميكة من رمادِ الوردِ المتفحمِ وبقايا البوليمرِ المصلوبِ على مذبحِ العولمة العرجاء.

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم