قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قراءة نقدية في المجموعة القصصية "من أين وإلى أين" لعبد الكريم عبد الصمد

إنّ إدهاش القارئ الحقيقي لا يصدر عن براعة الإقناع المنطقي وحدها، ولا عن زخرفة الأسلوب أو هندسة العبارة فحسب، بل ينبثق قبل كل شيء من حرارة التجربة الداخلية التي يحملها الكاتب، ومن قدرته الواعية على تحويل انفعالاته النفسية إلى طاقة جمالية نابضة تنتقل إلى المتلقي دون وسيط. فالكاتب الذي يكتب بروحه لا بحبره فقط، يصبح شخوصه أو يكاد؛ يلبس وجوههم، ويتكلم بارتعاشاتهم، ويحمّلهم جزءاً من قلقه وأسئلته واحتراقاته. وهنا تحديداً تسطع الكتابة حين تتحول إلى فعل مشاركة وجدانية، قادرة على إشعال الآخر بأحاسيسنا وطموحاتنا وأوجاعنا المؤجلة.

في مجموعته القصصية «من أين وإلى أين» الصادرة عن وزارة الثقافة في دمشق عام 2002، يسعى الأديب الدكتور عبد الكريم عبد الصمد إلى انتشال القارئ من سطحية الوضوح ومن النبل التقليدي المفترض لسير الوقائع. فهو لا يقدّم أحداثاً مكتملة الطمأنينة بقدر ما يفتح أبواب الأسئلة على احتمالاتها القلقة، حيث تتوزع قصصه الست عشرة بين واقعٍ يبدو عادياً في ظاهره، وعواصف نفسية تضطرب في أعماقه. إنّها كتابة تشتغل على المسافة الدقيقة بين ما يحدث وما يُحسّ، بين الفعل الخارجي والانكسار الداخلي.

البعد النفسي وبنية الاغتراب

في القصة الأولى المعنونة «رصاصة في لحم الكتف» يدخل الكاتب مباشرة إلى مختبر النفس الإنسانية. بطل القصة طالب عربي يدرس في موسكو، المدينة التي تتحول إلى فضاء نفسي بارد يعكس شعور الغربة والاغتراب بوصفهما من سمات الإنسان المعاصر. الغربة هنا ليست جغرافية فقط، بل وجودية أيضاً؛ إذ يعيش البطل حالة انفصال عن ذاته وعن العالم من حوله.

تتداخل في النص حالات الهلوسة الناتجة عن الكحول مع كوابيس زميله الذي يحمل ذاكرة حرب دامية في براغ وإصابة جسدية لم تندمل. غير أنّ الرصاصة لا تبقى جرحاً جسدياً فحسب، بل تتحول إلى رمز نفسي دائم للحرب المقيمة داخل الإنسان. فالقصة تنفتح على علاقة مركّبة بين الوعي واللاوعي، بين الحلم واليقظة، حيث تتجاور الذكريات والصدمات في بنية سردية تستدعي التحليل النفسي بوضوح.

المفردات المختارة هنا تكشف عن حساسية نفسية عالية؛ إذ تتكرر مفردات مثل: الدم، الكتف، الكابوس، الصمت، الهلوسة، وكلها تنتمي إلى حقل دلالي يوحي بالصدمة والانكسار. وهي ليست مفردات عرضية، بل أدوات لخلق مناخ ذهني يجعل القارئ شريكاً في التجربة الشعورية لا مجرد متابع لها.

إنّ الكاتب يبرهن عبر هذه القصة على اطلاعه العميق على الدراسات النفسية الحديثة، إذ ينجح في جعل السرد مساحة عبور بين طبقات الوعي المختلفة، فتغدو اللغة أشبه بممرّات خفية نحو أعماق الإنسان.

اللغة الإيروسية والحنين العاطفي في «رذاذ الشمبانيا»

أما في قصة «رذاذ الشمبانيا» فإنّ شاعرية العنوان تمهّد لدخول عالم آخر، عالم الرغبة والحلم الأنثوي واللقاء الثقافي بين الشرق والغرب. المرأة الغربية هنا ليست شخصية عابرة، بل صورة رمزية لرغبة اللقاء مع المختلف.

يعتمد الكاتب لغة أدبية مشبعة بالعاطفة، مبللة بالحنين والتوق، وكأن المفردات نفسها تبحث عن خلاصها عبر الحب في زمن فقد فيه الحب معناه التضحيتي. فالألفاظ تنتمي إلى معجم الحسّ والجسد والدفء والأنفاس والاشتعال، وهو معجم يكشف توتراً نفسياً بين الرغبة والذنب، بين الانجذاب والمساءلة الأخلاقية.

المشهد الذي يصف فيه الكاتب لحظة الاقتراب الجسدي لا يُقرأ بوصفه إثارة حسية فحسب، بل باعتباره لحظة انكشاف نفسي؛ إذ تتحول اللمسة إلى لغة بديلة عن الكلام، وتصبح الأنفاس خطاباً داخلياً يعكس وحدة الإنسان في مواجهة ذاته.

إنّ تبسيط ردود الأفعال الحسية في هذه القصة ليس تبسيطاً فنياً، بل استراتيجية سردية تسمح للقارئ بالدخول إلى الحدث دون حواجز، حيث تتحول اللغة إلى وسيط وجداني مباشر.

«موعد»: الضمير بوصفه شخصية سردية

في قصة «موعد» يبتكر الكاتب حيلة سردية لافتة، إذ يجعل البطل يختلق موعداً مع نفسه هرباً من جلسة أنثوية. غير أنّ الموعد الحقيقي هو مع الضمير، مع ذلك الصوت الذي ينام ويستيقظ داخل الإنسان.

اللغة هنا تعتمد مفردات الزمن والانطفاء والشمعة والليل، وهي مفردات ذات بعد نفسي واضح تشير إلى التآكل الداخلي. فالشمعة التي تذوب حتى لا يبقى منها إلا خيط ضوء واهٍ ليست مجرد صورة شعرية، بل استعارة لحياة أخلاقية تتلاشى ببطء.

تكشف هذه القصص التي كُتبت في موسكو عن فجوة حضارية يعيشها الإنسان الشرقي بين انفتاح العلاقات الاجتماعية في الغرب وبين حالة الجفاف الروحي والعاطفي التي يعانيها في مجتمعه الأصلي. وهنا يصبح النص مساحة مقارنة صامتة بين نمطين من الوجود.

إنّ تجربة الكاتب في الولوج إلى الأعماق تنبع من إدراكه علاقة الذات بالموضوع، والجمال بالمعرفة، والحدس بالرغبة في تجاوز المحدود نحو المطلق. فالوعي بالماضي والحاضر يتداخل ليصنع وعياً جمالياً كونياً، قوامه الانفعال بالفضاء الواسع والرغبة في التحرر من قيود الواقع.

المفردة اللغوية بوصفها حاملة للمعنى النفسي

تتميز المجموعة بثروة لغوية تقوم على اقتصاد التعبير دون فقر دلالي. فالمفردة عند عبد الصمد لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل نفسية أيضاً. الكلمات تتنفس داخل النص، وتتحول إلى إشارات انفعالية.

نجد معجماً يتكرر عبر القصص: الخوف، الانتظار، الليل، المطر، الجسد، الصمت، الذاكرة، السفر. وهذه المفردات تنتمي إلى حقل الاغتراب والبحث والقلق الوجودي. كما أنّ الانتقال بين الأفعال الحركية والأفعال الذهنية يعكس انتقال الشخصية بين الخارج والداخل.

كذلك يكثر الكاتب من الاستفهام: أين؟ كيف؟ لماذا؟ وهو استفهام وجودي لا معلوماتي، يعبّر عن أزمة المعنى أكثر مما يبحث عن إجابة.

العناوين بوصفها مفاتيح تأويلية

احتوت المجموعة على عناوين موحية مثل: «كوابيس»، «من أين وإلى أين»، «حكاية»، «حدث في المستقبل»، «يفرجها الله»، «الكتابة الطبشورية أو بترول العرب للعرب»، «أغنية الثأر» وغيرها. وهذه العناوين تشكّل عتبات دلالية تمهّد للدخول إلى النص.

إنها تطرح سؤال الزمن والمصير والتاريخ الاجتماعي والسياسي، وتدفع القارئ إلى قراءة الحالة الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على السلوك الفردي وبنية الشخصية.

القصص المكتوبة في دمشق وحمص تكشف تحوّلاً في النبرة؛ إذ تصبح اللغة أكثر التصاقاً بالواقع المحلي، وأكثر احتكاكاً باليومي والمعيشي.

البنية السردية والتشكيل اللغوي

ينوء النص القصصي عند الكاتب بلغة سردية تتصل وتنقطع عبر حوارات ومنولوجات قصيرة وطويلة، بحيث يصعب أحياناً تحديد نقطة الفصل بين الوصف والسرد. فهو يدخل ويخرج من المشهد بخفة، مستبدلاً الزوايا ومبدلاً الإيقاع وفق مقتضى الحالة الشعورية.

حين يتسارع السرد يتدخل الوصف لتهدئة اندفاعه، وحين يطول الوصف يعاود السرد ضخّ الحركة من جديد. هذه الدينامية تمنح النص حرارة داخلية.

وقد استخدم الكاتب أنماطاً لغوية متعددة في الجملة الفعلية، مثل توظيف الفعل الناقص «كان» ماضياً ومضارعاً، والاستفهام بـ«هل» و«أين» و«كيف» و«لماذا»، واستخدام «لقد» للتوكيد، والفعل الماضي مع واو الجماعة، إضافة إلى كثافة حروف العطف التي تمنح الجملة امتداداً نفسياً يوحي بتراكم الأفكار.

أما في الجملة الاسمية فقد نوّع بين الضمير المنفصل مبتدأ وخبره المفرد أو الموصوف، وبين الخبر الجملة الفعلية، واستخدام أسماء الإشارة، والحروف المشبهة بالفعل، مما أتاح تنويعاً إيقاعياً ودلالياً واضحاً.

الأسلوب المباشر وتوتر التعبير

حرص الكاتب على الأسلوب المباشر القادر على إيصال المعنى دون تعقيد، مستخدماً أدوات الشرط والتعجب والقسم والنفي والتأكيد. وقد سار هذا الأسلوب في منحنيين: الجمع بين السرد والحوار، أو الاعتماد على السرد وحده.

الوصف في المجموعة يرفع من وتيرة النص عبر زخات انفعالية متتابعة، أشبه بزفرات حارقة مرصوفة بلغة أنيقة مشغولة بعناية. إنها لغة تمتلك حساسية جمالية ترتعش على حافة العاطفة، وتكشف معرفة دقيقة بعالم المرأة والنفس البشرية.

الذاكرة والزمن والانكسار العاطفي

تستدعي المجموعة التوقف عند مفاتنها الفنية لأنها تحيلنا إلى شرائح زمنية مقتطعة من الذاكرة الجزئية. إنها نصوص مشحونة بطاقة إدهاش عالية توازي حجم الاندحارات العاطفية التي تعيشها شخصياتها.

الزمن هنا ليس خطاً مستقيماً، بل ذاكرة تتكسر وتعود، وشعوراً دائماً بأن الإنسان يسير بين سؤالين مفتوحين: من أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟

وهكذا تنجح مجموعة «من أين وإلى أين» في خلق انسجام داخلي يدفع القارئ إلى التورط الوجداني في عوالمها دون مقاومة، لأنّها لا تقدّم حكايات فقط، بل تقدّم الإنسان وهو يواجه نفسه في مرآة اللغة، ويبحث عن خلاصه بين الواقع والحلم، بين الرغبة والضمير، وبين الذاكرة والمصير.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم