قراءات نقدية

حسن لمين: الأدب الذي يتحوّل باستمرار.. مراوغة الخطاب ومغامرة الكتابة الجديدة

يشكّل الحديث عن التحوّلات النصيّة ومراوغة الخطاب الأدبي مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعة الكتابة الحديثة، تلك التي لم تعد تقف عند حدود البنية الكلاسيكية، ولا تكتفي بمرجعيات واضحة أو دلالات جاهزة، بل صارت تشتغل على الحافة؛ حافة اللغة، والمعنى، والهوية النصية. لقد تحوّل النص الأدبي اليوم إلى كيان حيّ، يتغيّر ويتشكّل باستمرار، وينزاح عن أنماطه المألوفة ليبتكر لغته الخاصة. في هذا السياق، تبدو التحوّلات النصية ممارسة واعية للعبور بين الأجناس، أو لتكسير حدود البنية، أو لإعادة توزيع الوظائف السردية والدلالية. كل تحوّل هو إعادة كتابة، وإعادة تفكير في علاقة النص بذاته وبقارئه، وفي طرائق إنتاج المعنى داخله. فالرواية التي تبدأ بضمير المتكلم قد تنقلب فجأة إلى راوٍ عليم، والزمن الذي يبدو خطياً سرعان ما يتشظّى إلى طبقات، واللغة التي تُفترض واضحة قد تنحرف إلى استعارات كثيفة تشكّل شبكة دلالية مغايرة.

وتتعزّز هذه الدينامية بوجود خاصية مراوغة الخطاب، تلك القدرة العجيبة للنص على أن يقول شيئاً ويخفي أشياء، أو أن يقدّم دلالات بقدر ما يموّهها. فالنص المراوغ لا يسعى إلى إرباك القارئ بقدر ما يدفعه إلى تأمل أعمق، إلى بحث متأنٍّ عن المعنى داخل المساحات البيضاء، وفي ما وراء الإحالات والتلميحات. هنا يصبح الغموض ليس نقصاً، بل فضيلة جمالية، ووسيلة للتكثيف، ولتعميق أثر النص. والكتابات الكبرى، شعراً وسرداً، أدركت منذ زمن أن وضوح المعنى قد يُفقد الأدب سحره، لذلك فهي تراهن على التعدد: تعدد الأصوات، ومنظورات الرواة، واللغات الداخلية، والإشارات العابرة التي تنفتح على نصوص أخرى.

وتبدو العلاقة بين التحوّل والمراوغة علاقة تبادلية؛ فكل تحوّل في البنية ينتج قدراً من الإرباك الجميل، وكل مراوغة في القول تفتح الباب أمام تحول جديد في تأويل النص. ولهذا بات القارئ المعاصر شريكاً في عملية البناء، إذ لم يعد يتلقى المعنى، بل يشارك في صناعته، عبر إعادة تركيب الشذرات، وربط العلامات، وتأويل مناطق الظلّ التي يتركها الكاتب عمداً. وقد أصبح هذا كله جزءاً من جمالية النص الحديث، الذي لم يعد يطمح إلى تقديم حقيقة نهائية، بل إلى خلق فضاء للتفكير، ولطرح الأسئلة، وتحفيز الحس النقدي.

ومع تطور السرد العربي والعالمي، تظهر هذه المزايا بوضوح في روايات تعتمد على تفكيك الزمن، وعلى التعدد الصوتي، وعلى المزج بين الذاتي والموضوعي، وبين الواقعي والغرائبي. كما تتجلى في الشعر الحديث الذي يراهن على الانزياح، وعلى الصورة المتفلتة من القياس التقليدي. وفي القصة القصيرة، يتحقق هذا النهج عبر النهايات المفتوحة، واللغة الكثيفة، والحدث المفارق الذي يقلب المعنى في لحظة.

إن التحوّلات النصية ومراوغة الخطاب الأدبي ، تمثل تعبيرا عن تحوّل أعمق في رؤية الكاتب للعالم. فالنص الراهن لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقترح احتمالاتها. ولا يسعى إلى تمثيل الواقع كما هو، بل إلى مساءلته، وإعادة تشكيله داخل بنى لغوية وجمالية جديدة. وهكذا يصبح الأدب مساحةً حرّة للتجريب، ولإعادة اكتشاف اللغة، ولابتكار طرق جديدة في الحكي والتعبير، تسمح للنص بأن يظلّ مفتوحاً على أفق لا ينتهي من القراءة.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

في المثقف اليوم