قراءات نقدية

بهيج حسن مسعود: قراءة في نص الأستاذة المحامية مها مسعود

النص:

هل فاض العتب فأسفر عن متاهة كانت تسمى وطن...

أم أن الطيف تعرى.. فتراجع الرب عن ميثاق قوس قزح..

*

هل فك الصراخ ماكتمته خلايا الوصايا فأذهله تسرطن الفجائع *

أم أن المقدس شف.. فأربكه من أي الجهات يفقأ دمامل الخداع *

من أي الأرصفة ألملم تيه أناشيد الوطن التي تشربت دمي

واي حنين يهز شوقي اذا استبد بي الغياب وسبي السفر

أي المواويل تْعتٍق لغتي.. أولحني الذي تصحر..

*

بي وجد زنبقة أضنتها مفردات أثير تشبع بما لا يقال..

وهواجس كائنات لا يدركها إلا من تعمد على مجرة سرها لايستباح..

*

بي بيادر سنابل تعتق خصبها حيث كانت تراتيل أورنينا

وحيث يجهل ساكنوها بوابه أزهرت بها حدائق السماء

ورنين الصوت الذي اهتز... بكن.....

بي نذير سلالة الحجارة.. ألاتعلو ببراكينها الخامدة..

وقد عْجٍنَت بضفيرة جيني البشارة..

أنا من سئمت هذا الطين.. والعويل.. والضجيج..

وكرنفال المهرجين..

أنا الذرة من حفنة.. الصارخين بالحب أن تجلى..

والحق أن تعالى

والجمال أن اسلك الطريق

***

القراءة:

هذا النص للأستاذة المحامية مها مسعود يأخذك منذ جملته الأولى إلى فضاء لا تشبه فيه الكلمات نفسها، ولا تعني ما تقول فقط، بل توحي بما لا تقول. إنه نص لا يقرأ، بل يُعاش كحالة وجدانية مركبة، تنبت من شرخ ما بين الذات والوطن، بين المقدس والإنسان، بين ما كان يُفترض أن يكون ملاذاً، فإذا به متاهة.

يبدأ النص بتساؤل يفضي إلى تساؤل، وكأن الكاتبة تحفر في الذاكرة بسؤال لا جواب له: "هل فاض العتب فأسفر عن متاهة كانت تسمى وطن". هنا العتب ليس مجرد غضب عابر، بل فيض غامر يكشف عن حقيقة مؤلمة: أن ما كان يُظن وطناً، ما هو إلا متاهة. والمدهش في الصورة أن الفائض هو العتب ذاته، أي أن الألم هو الذي يضيء، لكنه لا يضيء إلا على ضياع. ثم تنتقل الصورة من متاهة الأرض إلى متاهة السماء: "أم أن الطيف تعرى.. فتراجع الرب عن ميثاق قوس قزح". الطيف يتعرى، أي يفقد غموضه وقدسيته، فيتراجع الرب عن وعده الرمزي بقوس قزح، ذلك الميثاق الذي كان يعني الأمان. هنا يصبح الخواء كونياً، أرضياً وسمائياً.

ثم يأتي الصراخ، لكنه ليس صراخاً عادياً، بل هو "فك الصراخ ماكتمته خلايا الوصايا". الصورة هنا بيولوجية تقشعر لها الأبدان، كأن الخلايا نفسها كانت تخزن وصايا مقدسة، والصراخ يفكّ أسرها، لكن ما يظهر ليس الخلاص، بل "تسرطن الفجائع". تحوّل الألم إلى ورم خبيث يلتهم الجسد من الداخل. وإزاء هذا الانهيار، يظهر المقدس ذاته في حالة ارتباك: "أم أن المقدس شف.. فأربكه من أي الجهات يفقأ دمامل الخداع". المقدس هنا لم يعد مصدر طمأنينة، بل أصبح يرى الخراج المنتفخ بالكذب ولا يدري من أي جهة يبدأ في فضحه.

وسط هذا الدمار الرمزي، تتحول الذات إلى من يسأل بمرارة: "من أي الأرصفة ألملم تيه أناشيد الوطن التي تشربت دمي". الدم هنا ليس مجرد دم، بل هو وعاء للذاكرة والهوية، والأناشيد ليست كلمات، بل جزء من هذا الدم، وقد تاهت، وعلى الذات أن تجمع شتاتها من أرصفة النسيان. ثم يتساءل الحنين: "وأي حنين يهز شوقي اذا استبد بي الغياب وسبي السفر". الغياب هنا طاغٍ، والسفر ليس اختياراً بل سبي، والحنين يهز الشوق كما تهز الريح الأشجار، لكنه لا يثمر إلا مزيداً من اللهفة.

اللغة نفسها تعاني الجفاف: "أي المواويل تْعتٍق لغتي.. أولحني الذي تصحر". المواويل لا تُغنى بل تُعتق كما يُعتق الخمر، واللحن لم يعد يثمر، بل صار صحراء. ولكن وسط هذه الصحراء، تظل الذات عامرة بما لا يُرى: "بي وجد زنبقة أضنتها مفردات أثير تشبع بما لا يقال.. وهواجس كائنات لا يدركها إلا من تعمد على مجرة سرها لايستباح". الزنبقة هنا ليست زهرة عادية، بل هي وجد متألم، تتغذى على مفردات غير مرئية، على ما لا يقال. والكاتبة تشير إلى أن هناك عوالم لا تدرك إلا بالتعميد في مجرة من السر المقدس الذي لا يُمس.

ثم تنتقل الصورة من الفردي إلى الجماعي: "بي بيادر سنابل تعتق خصبها حيث كانت تراتيل أورنينا". هنا يظهر البعد الحضاري، أورنينا (أور) رمز الحضارة العراقية القديمة، حيث كانت التراتيل تُرفع. لكن سكان هذه الأرض اليوم "يجهلون بوابه أزهرت بها حدائق السماء". هم لا يعرفون أنهم كانوا بوابة للجنة على الأرض. ورنين الصوت القديم لا يزال يهتز في الذاكرة، لكنه يهتز "بكن.."، بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات الأنوثة والحضور.

وتستمر الذات في استحضار الجذور: "بي نذير سلالة الحجارة.. ألاتعلو ببراكينها الخامدة.. وقد عْجِنَت بضفيرة جيني البشارة". الحجارة هنا ليست صماء، بل هي سلالة تنذر بثورة، لكن براكينها خامدة. ومع ذلك، فهي معجونة بالجينات، بالبشارة، وكأن الأمل ما زال كامناً في الخلايا.

ثم يأتي الإعلان الصادم: "أنا من سئمت هذا الطين.. والعويل.. والضجيج.. وكرنفال المهرجين". هذا هو ذروة السأم من كل ما هو زائف، من كل من يتغطى بالعويل ليخفي فراغه. لكنها لا تعلن انسحابها النهائي، بل تعيد تعريف نفسها: "أنا الذرة من حفنة.. الصارخين بالحب أن تجلى.. والحق أن تعالى.. والجمال أن اسلك الطريق".

هذه الخاتمة تحول النص بأكمله من مجرد تأبين للواقع إلى بيان وجودي. هي ليست وحيدة، بل هي جزء من حفنة صارخين، لكن صراخهم ليس عبثياً، بل هو دعوة للحب أن يظهر، للحق أن يعلو، للجمال أن يكون هو الطريق. وهي ليست متفرجة، بل تسلك هذا الطريق، رغم كل شيء. رغم المتاهة، ورغم تراجع المقدس، ورغم تسرطن الفجائع، يبقى الفعل الوحيد الممكن: أن تسلك الطريق.

***

بهيج حسن مسعود

 

في المثقف اليوم