قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: حوارٌ ساخنٌ افتراضي بين أبي الطيب المتنبي ومحمود درويش
جلس أبو الطيب المتنبي، كما لو أنّ اللغة ما تزال سيفاً يلمع في قبضته، وقال بنبرةٍ يختلط فيها الزهو بالحكمة التي صقلتها التجارب:
ـ ما بالُكم يا أهل هذا العصر تكتبون الوجع أكثر مما تكتبون المجد؟ كنتُ أرى الشعر صهوةً يمتطيها الشاعر ليعلو، فإذا به عندكم جرحاً مفتوحاً يمشي على قدمين. كأنّ القصيدة عندكم مأتمٌ طويل لا ينتهي.
ابتسم محمود درويش، وفي ابتسامته شيء من هدوء زيتونةٍ عتيقةٍ تعلّمت أن تقاوم الريح دون أن تنكسر:
ـ لأن المجد يا أبا الطيب لم يعد حصاناً فردياً كما كان في زمانك. لم يعد الفارس وحده يصنع الحكاية. المجد صار شعباً كاملاً يبحث عن ظلٍّ لا تقطعه الطائرات، وعن أرضٍ لا تُقتلع من تحت قدميه. نحن لا نصعد فوق الآخرين، بل نحاول أن نحملهم معنا كي لا يسقطوا في هاوية النسيان.
قطّب المتنبي حاجبيه قليلاً، وقال وكأنّ صهيل الخيل ما يزال يتردّد في صدره:
ـ الشعر سيادة، يا ابن هذا الزمن. ومن لم يرفع نفسه رفعته الأقدار تحت أقدام غيره. أنا قلتُ:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
لأن الشاعر إن لم يُعرّف نفسه، ضاع في ضجيج القوافل، وصار صوته مثل حبة رملٍ في صحراء لا نهاية لها.
أجابه درويش بصوتٍ يشبه المطر حين يهبط على أرضٍ عطشى:
ـ وأنا قلتُ: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
لم أبحث عن اسمي وحدي، بل عن اسمٍ يتسع للجميع. البطولة عندكم فردٌ يتوهّج مثل شهابٍ في ليل التاريخ، أمّا عندنا فهي شعبٌ يحاول ألا ينطفئ.
القصيدة لم تعد درعاً للفارس، بل صارت خبزاً للجائعين إلى المعنى.
ضحك المتنبي ضحكةً قصيرةً تحمل شيئاً من المفارقة:
ـ إذن أنتم شعراء الهزيمة الجميلة؟
هزّ درويش رأسه بهدوء وقال:
ـ بل نحن شعراء الأمل العنيد.
أنتم قاتلتم بالسيف حين كان السيف لغة العصر، ونحن نقاتل بالكلمة حين صار الرصاص أعمى.
أنتم أردتم أن تُخلّدوا أسماءكم في الدواوين، ونحن نحاول أن نمنع النسيان من أن يبتلع شعباً كاملاً.
قال المتنبي، وهو يميل قليلاً كأنّه يفكّر في أمرٍ لم يخطر له من قبل:
ـ لكن الشعر بلا كبرياء يُصبح بكاءً، والبكاء لا يصنع تاريخاً.
أجابه درويش:
ـ والكبرياء بلا إنسانٍ يصبح صدىً في صحراء.
القصيدة ليست مرآة الشاعر وحده، بل نافذة الذين لا صوت لهم.
إنها ذلك الضوء الصغير الذي يظلّ مشتعلاً في بيتٍ مهدّدٍ بالانطفاء.
سكت المتنبي لحظةً، ثم قال:
ـ كنتُ أطلب دولةً تليق بشعري.
قال درويش:
ـ وأنا كنت أبحث عن وطنٍ يتّسع لقصيدة.
قال المتنبي، وقد بدت في صوته مسحة تأمل:
ـ عجيب أمركم يا شعراء هذا العصر.
أنتم تجعلون الشعر بيتاً يسكنه الجميع، بينما كنتُ أجعله حصناً أسكنه وحدي.
ابتسم درويش وقال:
ـ لأن المنفى يا أبا الطيب يعلّم الشاعر شيئاً لم يتعلّمه في القصور.
يعلّمه أن البيت الحقيقي ليس الجدران، بل اللغة.
ولهذا كتبتُ:
نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.
رفع المتنبي رأسه وقال بنبرةٍ فيها شيء من الاعتراف المبطّن:
ـ يبدو أنكم جعلتم الشعر وطناً، بعدما كان عندنا تاجاً.
قال درويش:
ـ وربما لأن التيجان تسقط، أما الأوطان فتبقى في الذاكرة حتى لو ضاعت على الخرائط.
ساد صمتٌ طويل، كأنّ قرناً كاملاً يعبر بينهما.
في الأفق مرّت قافلةٌ لا تُرى، ربما كانت قافلة التاريخ نفسه.
ثم قال المتنبي فجأة:
ـ لو عشتُ في زمانك، ماذا تظنني أكتب؟
ابتسم درويش وقال:
ـ كنتَ ستغضب كثيراً… ثم تكتب أجمل قصائدك.
كنتَ ستكتشف أن الكبرياء لا يتناقض مع الحزن، وأن الفارس قد يحمل جرحاً في قلبه دون أن يسقط عن صهوته.
ردّ المتنبي:
ـ ولو عشتَ أنت في زماني؟
أجاب درويش:
ـ لكنتُ سأعلّم سيوفكم أن تصغي قليلاً إلى القلب.
ولقلتُ لفرسانكم إن الأرض التي لا يسكنها العدل ليست جديرةً بكل هذا الدم.
تأمّل المتنبي كلامه طويلاً، ثم قال:
ـ لعلّ الشعر في النهاية ليس مدحاً ولا رثاءً… بل محاولة لفهم الإنسان.
أجابه درويش:
ـ نعم، إنه محاولة الإنسان الأخيرة ليهزم الفناء بالكلمات.
وعند تلك اللحظة، تصافحت القصيدتان.
واحدةٌ تمشي بخطى الفارس الذي يعرف الطريق إلى المجد،
وأخرى تمشي ببطء العائد من المنفى وهو يحمل وطنه في حقيبة اللغة.
لكنّهما أدركتا معاً حقيقةً واحدة:
أن الشعر ـ مهما تغيّر زمنه، وتبدّلت لغاته ووجوهه ـ
سيظلّ ذلك الصوت الخفي الذي يقول للعدم:
لن تنتصر ما دام في الإنسان قلبٌ يكتب.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين






