قراءات نقدية

ليلى بوشمامة: سيميولوجيا الخراب وترميم الهوية المفقودة.. دراسة في مدينة بلعها الطوفان

النص كحفرية معرفية وأركيولوجيا للروح الشقية

يشرع الكاتب آلان الأنصاري في منجزه الأدبي هذا بتأسيس ما يمكن وصفه بـ "أركيولوجيا الوجع الكوني"، حيث لا تغدو الكتابة مجرد تدوين، إنما هي عملية تنقيب مضنية في طبقات الذاكرة الجيولوجية للروح الإنسانية. فمنذ العتبة الاستهلالية الأولى، ينصب الكاتب فخاخا سيميائية لمتلقيه عبر استراتيجية التخييل الوثائقي؛ إذ إن ادعاء العثور على نصوص موغلة في القدم تعود للألف الثالث قبل الميلاد (ص 5) يتجاوز كونه حيلة سردية أو تقنية لاستدرار عاطفة القارئ، ليصبح إعلانا فلسفيا مدويا عن تذويب التراتبية الزمنية المستقرة، وإلغاء المسافة بين فواجع الماضي وانكسارات الحاضر، ما يسمح بانبعاث الزمن الدائري الذي يعيد إنتاج المأساة بوجوه شتى.

إننا هنا بإزاء نص مراوغ بامتياز، نص يرتدي قناع الأسطورة السومرية ببراعة مذهلة، لا لينكفئ على الماضي، بل ليمرر من خلال مساماته كوابيس الواقع الراهن بحدة جارحة. فالطوفان في رؤية الأنصاري ليس مجرد واقعة ميثولوجية غابرة، إنما هو استعارة كبرى للخراب المعاصر؛ فنحن نلمس بوضوح أن طوفان بابل التاريخي هو ذاته القناع الجمالي لـ "طوفان الحصار" العراقي في تسعينيات القرن الماضي، وهو ذاته "طوفان الضياع" في سراديب المنفى مع مطلع الألفية الجديدة.

هذه وحدة المصير التراجيدي هي التي تجعل من الخراب في هذا العمل قدرا جغرافيا وتاريخيا عابرا للعصور، لا ينفك يلاحق الذات العراقية بضراوة، ويحولها من ذات فاعلة إلى أثر يحاول الكاتب استعادته من بين أنياب الموج والنسيان. إن الأنصاري في هذا التمهيد يضعنا أمام مواجهة حتمية مع ذواتنا، حيث تصبح المدينة الغارقة هي مرآتنا التي تعكس ملامحنا المشوهة بفعل توالي الانكسارات.

عتبات النص: جدلية العنوان وأنطولوجيا الغلاف

يمثل العنوان "مدينة بلعها الطوفان" مفتاحا تأويليا يحيلنا قسرا إلى "المركزية المائية" المهيمنة على الخيال الأدبي الرافديني، لكنه هنا يكتسي ببعد سيميائي مغاير؛ فاستخدام فعل البلع يتجاوز الدلالة الميكانيكية للغرق، ليصبح فعلا بيولوجيا يتضمن الالتهام، الهضم، والمحو التام. إنها "سيميولوجيا الافتراس" التي تضعنا منذ اللحظة الأولى أمام مدينة مفعول بها، مدينة مسلوبة الإرادة والكيان، مما يمهد الطريق لفهم علاقة الضحية بالقدر العنيف الذي يجسده الطوفان.

أما الغلاف، بتكوينه البصري القائم على الضبابية وتداخل الظلال (صورة الطيور المهاجرة، تجاعيد الأشجار، وشحوب الغروب)، فهو لا يعمل كمجرد وعاء خارجي، إنما هو "أنطولوجيا للتيه" الوجودي. نحن نلمس في هذا التكوين البصري تجسيدا للحالة التي تسبق الكارثة أو تلي النجاة المتعثرة؛ حيث الأشياء تفقد ملامحها الواضحة لتصبح أشباحا بصرية. الغلاف هنا هو "عتبة تشكيلية" تجهز وعي المتلقي للدخول في منطقة اللا-يقين، حيث كل ما هو قائم آيل للزوال، وحيث النجاة بحد ذاتها تبدو في نصوص الأنصاري كنوع من اللعنة التي تحكم على الناجي بحمل أطلال مدينته الغارقة في ذاكرة مثقوبة.

إن الجدلية القائمة بين العنوان العنيف (البلع) والغلاف الساكن والضبابي (الغروب) تخلق توترا دراميا يسبق القراءة؛ فبينما يشي العنوان بضجيج الكارثة وانهيار الجدران، يفرض الغلاف صمتا جنائزيا مهيبا. هذه الثنائية هي التي تشكل وعينا بـ "المدينة"؛ فهي لم تعد مكانا جغرافيا، بل أصبحت حالة ذهنية مسكونة بالانتظار والخوف من الابتلاع القادم.

لغة الكاتب: "أنطولوجيا الألم وشعرية النواح المستعاد

تعد لغة آلان الأنصاري لغة عضوية بامتياز؛ فهي لا تكتفي بنقل الدلالة، بل تشتبك بالحواس في عملية صهر فنية فريدة. إننا أمام لغة منحوتة وليست مكتوبة، لغة تستعير من الأثر صلابته ومن الدمع سيولته، ويمكننا تفكيك هذا النسيج اللغوي عبر ثلاثة مسارات جوهرية:

أولا: التكثيف الصوري (فتنة الومضة السردية):

يبتعد الكاتب عن الترهل الإنشائي والثرثرة الوصفية، متبنياوجماليات "الاقتصاد اللغوي". هو يقدم ومضات بصرية خاطفة لكنها مشحونة بطاقة درامية هائلة. في نص "نشيد البحر" (ص 23)، تتحول الكلمة إلى مادة فيزيائية ملموسة؛ حيث نشم فيها رائحة الملوحة ونبصر من خلالها زرقة المنافي الشاحبة. اللغة هنا ليست وعاء للفكرة، بل هي الجسد الحي للألم.

ثانيا: النزعة الجنائزية (سيمياء النقش على الحجر):

تسيطر نبرة الرثاء الوجودي على مفاصل الجمل، حيث يعيد الكاتب تدوير مفردات البيئة الرافدينية (الطين، الرماد، النخيل، الغياب) ليشحنها بدلالات معاصرة. إن لغته في الصفحات (37-43) تبدو وكأنها "نقش مسماري" حديث؛ لغة مقتضبة، حادة، وكأنها تسابق الزمن وتخشى المحو الوشيك تحت وطأة طوفان النسيان. إنها لغة الأمانة العلمية والتاريخية التي ادعاها في التمهيد، لكنها هنا أمانة الوجع لا أمانة الحجر.

ثالثا: الموسيقى الداخلية (صدى النواح السومري):

ينساب تحت سطور المجموعة إيقاع شجي يحاكي في جوهره "تعديد" النساء في المآتم السومرية القديمة. هذا الإيقاع الموسيقي يبلغ ذروته الجمالية عند استحضار الهويات الأنثوية مثل "منار" أو "زينب"؛ حيث تتحول هذه الأسماء في يد الأنصاري من مجرد شخصيات ورقية إلى تمائم سحرية ورُقى لغوية، يستنزل بها السكينة على روح البطل المتشظية، محاولا عبر هذه الهارموني الحزينة أن يقاوم ضجيج الخراب المحيط بالمدينة.

إن اللغة لدى الأنصاري هي "طوق النجاة" الوحيد من العدم؛ ففي عالم يبتلعه الماء، تظل الكلمة هي اليابسة الوحيدة التي يمكن الوقوف عليها لترميم ما تبقى من هوية.

التحليل العميق: تراجيديا الصدام بين الماكينة القمعية والطوفان الوجودي

ينحرف المسار السردي عند الأنصاري ببراعة نقدية مذهلة من آفاق الرمزية الأسطورية العالية إلى تخوم "الواقعية الصادمة"؛ حيث لا يعود الطوفان مجرد قدر غيبي، بل يتجسد في "آلة" بشرية قمعية تطحن الروح. ففي الصفحة (27)، ينفتح النص على توثيق مروع للسقوط الإنساني داخل دهاليز سجن أبو غريب ومعسكرات التجنيد القسري، وهي لحظة تحول مفصلية يغادر فيها الكاتب عباءة الناجي السومري ليرتدي قميص المعذب المعاصر.

إننا نرى في هذا المفصل أن الأنصاري قد نجح في إحداث صدمة نقدية لوعي المتلقي؛ فبينما يستغرق القارئ في استعادة ميثولوجيا الغرق التاريخي، يباغته الكاتب بحضور شخصية "المدير" الذي يمارس سطوته وصراخه في وجه "جعفر" (ص 28). هنا، يتحول المدير في السيميولوجيا النصية إلى تجسيد لـ "الطوفان المؤسساتي"؛ ذلك الطوفان الذي لا يغرق الأجساد بالماء، بل يغمر الكرامة بالهوان.

إن الصراخ داخل العلبة المغلقة كما يصوره الكاتب، هو التوصيف الأركيولوجي الدقيق لانسداد الأفق الإنساني في ظل الأنظمة الشمولية؛ حيث يتحول الوطن من مرفأ إلى معتقل، وتتحول المواطنة من انتماء إلى تيه. الطوفان هنا في جوهره هو "إرادة المحو"؛ سواء كانت ريحا صرصرا أو قرارا إداريا جائرا، كلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها: مدينة مبلوعة بالصمت والنسيان. نحن أمام قراءة نقدية تعري بشاعة الماكينة التي لا تكتفي ببلع المدن، بل تحاول هضم الذاكرة الفردية وتحويلها إلى مجرد حطام في أرشيف الخراب.

ثيمة "ياسين" واستعارة المفقود: رحلة البحث عن المركز الضائع

في نص "ياسين.. أين أنت؟" (ص 44)، نصل إلى ذروة التعرية الوجدانية التي يمارسها الأنصاري في مجموعته؛ فالبحث هنا يتجاوز استعادة شخص غائب جسديا ليصبح بحثا عن المركز الوجودي الذي فقده الإنسان في خضم الطوفانات المتلاحقة. "ياسين" في هذه القراءة ليس مجرد اسم لرفيق أو حبيب ضائع، بل هو "الأنا المغتربة" التي انشطرت عن جسد الوطن، وهو المعنى الذي انزلق من بين الأصابع في زحمة الهروب الكبير.

إننا نلمس في هذا النداء المتكرر قدرة الكاتب على تحويل السؤال الشخصي إلى صرخة كونية تتردد أصداؤها في أزقة المدينة المبلوعة؛ فالاستفهام الاستنكاري (أين أنت؟) هو إدانة لخراب لا يكتفي بخطف الأجساد، بل يغتال الحضور الإنساني ذاته. "ياسين" هنا هو الأيقونة التي تمثل كل المفقودين في حروب العبث، وهو الوجه الذي يحاول الكاتب استرداده من ملامح الماء العكرة. نحن نرى أن هذا النص يمثل البوصلة التي يوجه بها الأنصاري قارئه؛ فكل من سكن هذه المدينة هو "ياسين" بشكل أو بآخر، يبحث عن مرفأ آمن في عالم تحول فيه الاستقرار إلى محض خيال أسطوري. إن البحث عن ياسين هو في جوهره محاولة لترميم الثقب الأسود في الذاكرة الجمعية، وجعل الغياب حضورا لغويا يقاوم المحو.

أنطولوجيا التغريب: "آنا كلارسيا هول" وترميم الهوية في المنافي

نحن نلحظ في المنعطفات الأخيرة من المجموعة (ص 53) تقاطعا حادا ومصيريا بين الذاكرة الرافدينية المثقلة بالطين وبين الواقع الأوروبي البارد. إن حضور شخصيات مثل "آنا كلارسيا هول" لا يمثل مجرد انفتاح على الآخر، بل هو تجسيد لمحاولة الكاتب المستميتة لترميم هويته المتشظية عبر مرآة مغايرة. الغربة في نصوص الأنصاري ليست مجرد إحداثيات جغرافية أو "تذكرة سفر"، بل هي لغة وجودية جديدة يحاول الكاتب من خلالها إعادة صياغة انكساراته القديمة بلغة المكان البديل.

في هذا المحور، يتحول الطوفان من كونه حدثا تدميريا إلى كونه تيارا جارفا قذف بالذات إلى شواطئ غريبة لا تشبه أحلامها الأولى. ومع ذلك، يظل الكاتب مخلصا لجذره؛ فهو إذ يخاطب "آنا"، إنما يحاول البحث عن المشترك الإنساني في الوجع. وهنا  نرى أن الأنصاري يمارس نوعا من الاستلاب العكسي؛ فهو لا يذوب في الآخر، بل يستحضر الآخر ليكون شاهدا على مدينته المبلوعة. إن الغربة هنا هي المختبر الذي يعيد فيه الكاتب اكتشاف قيمة حفنة الطين البابلية التي ما زال يحملها في مسامات لغته، مما يخلق توازناً دراميا مذهلا بين حنين العودة وبين حتمية البقاء في اللا-مكان.

الخاتمة الدرامية: المسرحية بوصفها محاكمة جماعية للغياب

إن قرار الكاتب بختم عمله بنص مسرحي (ص 61) ليس مجرد تنويع في القوالب الأدبية، بل هو تتويج بنيوي وفلسفي لعملية "البعث من تحت الركام". فبعد رحلة طويلة من السرد المنولوجي والاعترافات الذاتية، يختار الأنصاري الخشبة لتكون الميدان الأخير للمواجهة.  وترى أن في هذا التحول الدرامي فعل "الخروج من الطين"؛ حيث تغادر الشخوص صمتها الكتابي لتجسد مأساتها حية أمام القارئ.

المسرحية هنا هي المطهر الأرسطي الذي يغسل أدران الانتظار؛ فالممثلون الذين يتحركون على حواف المدينة الغارقة هم نحن، القراء الذين تحولنا بفضل لغة الكاتب من متلقين سلبيين إلى شهود عيان على هلاك الحضارة والروح. إنها "محاكمة وجودية" للغياب، حيث يصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة لترميم الشروخ التي أحدثها الطوفان في جدار الكيان الإنساني.

الخلاصة: استعادة المدينة من براثن الطمي

إن كتاب "مدينة بلعها الطوفان" لآلان الأنصاري هو نص "عابر للحزن" ومتجاوز للبكائيات التقليدية التي وسمت أدب المنافي. هو لا يكتفي برصد لحظة الانهيار، إنما يحاول تأريخ الألم وتأطيره في قوالب جمالية شديدة الكثافة والعمق. تكمن القوة القاتلة لهذا العمل في قدرته على جعل القارئ يشعر ببرودة ماء الطوفان ورائحة الطمي المبلل في كل فكرة يطرحها.

ونخلص إلى أن هذا المنجز يمثل حجر زاوية في الأدب العراقي والعربي المعاصر؛ لكونه استطاع بفرادة نادرة أن يزاوج بين الجذر السومري الغائر في القدم، وبين التيه الحداثي في المنافي، ليخلق ملحمة ضياع عصرية تخاطب جوهر الإنسان المهدد بالزوال في كل زمان ومكان. إنه كتاب لا يُقرأ بالعين فحسب، بل يُستعاد بالذاكرة، ويُعاش كوجع شخصي أصيل، محولا الهزيمة التاريخية إلى انتصار أدبي باق.

***

بقلم: الأستاذة ليلى بوشمامة - المغرب

في المثقف اليوم