قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: الاغتراب والبحث عن الذات في نص خلدون رحمة
يُعدّ النص الذي كتبه الشاعر والناثر الفلسطيني خلدون رحمة مثالاً بليغاً على الشعر الذي يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليغدو تأملاً في الوجود الإنساني الممزق. فاللقاء الذي يصفه النص بين صديقين شاعرين ليس مجرد حادثة عابرة في ذاكرة الحرب، بل هو لحظة انكشاف عميقة تتجسد فيها مأساة الإنسان حين يفقد ذاته في زمن الخراب.
في ظاهر النص، نرى مشهداً بسيطاً: شاعر يلتقي صديقاً قديماً بعد سنوات من الغياب الذي صنعته الحرب. غير أن هذا المشهد يتخذ، عبر اللغة الكثيفة والرموز الشفيفة، بعداً فلسفياً يتصل بمفهوم الاغتراب. فالاغتراب هنا ليس فقط تباعداً اجتماعياً أو سياسياً، بل هو انقسام داخلي تعيشه الذات حين تفقد انسجامها مع العالم ومع نفسها.
إن صمت الشاعرين في النص ـ حين يسأل كلٌّ منهما الآخر عن حاله ولا يجيب ـ يكشف عن مأساة عميقة؛ فالكلمات تصبح عاجزة عن نقل حجم التجربة. وهنا يتحول الصمت إلى لغةٍ بديلة، لغةٍ تُعبّر عن فيض الألم الذي يعجز الكلام عن احتوائه. وفي هذا الصمت تتجلى المفارقة الكبرى: فكلٌّ منهما يفهم الآخر تماماً، ومع ذلك يعجز عن التعبير.
يمكن قراءة هذه اللحظة في ضوء مفهوم الاغتراب عند معظم الفلاسفة ومنهم كارل ماركس، الذي رأى أن الإنسان في ظروف الاضطراب التاريخي يفقد علاقته الحقيقية بذاته وبالعالم. فالإنسان المغترب لا يشعر أنه ينتمي إلى ما يحيط به، بل يصبح غريباً حتى عن تجربته الخاصة. وهذا ما نلمسه في النص حين يبدو الشاعران كأنهما كائنان يلتقيان بعد أن غيّرت الحرب ملامحهما الداخلية.
أما من منظور فلسفة الوجود، فإن النص يلامس تجربة ما سماه الفيلسوف الألماني “الوجود في العالم بوصفه قلقاً”. فالإنسان في لحظة القلق الوجودي يشعر بأن الأرض التي يقف عليها لم تعد ثابتة. ويبدو هذا القلق واضحاً في وصف الراوي لصديقه: جسد نحيل، ملامح ضبابية، حزن كوني يسبح في العينين. إنها صورة الإنسان الذي أرهقه التاريخ حتى أصبح ظلًّا لنفسه.
وتتجلى فكرة أخرى قريبة من الفلسفة الوجودية، وهي أن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا عبر الآخر. ففي النص يرى الراوي نفسه “يلمع في بؤبؤ صديقه”، وكأن عين الآخر تحولت إلى مرآة تعيد للذات صورتها المفقودة. غير أن هذه اللحظة من الانكشاف لا تلبث أن تتحول إلى مأساة رمزية حين يختفي الصديق فجأة، ثم يختفي الراوي نفسه. فالاختفاء هنا ليس مجرد حدث سردي، بل هو استعارة مكثفة عن تلاشي الإنسان في زمن العنف.
ومن الناحية الجمالية، يعتمد النص على بنية التوازي والانعكاس:
اللقاء يقابله الاختفاء،
الحضور يقابله الغياب،
الصمت يقابله البكاء.
هذه البنية تجعل النص أشبه بمرآة مزدوجة تعكس انشطار الذات الحديثة، تلك الذات التي لم تعد قادرة على الإمساك بوحدتها القديمة.
ومع ذلك، فإن لحظة البكاء المشتركة بين الشاعرين تحمل دلالة تطهيرية عميقة. فالبكاء هنا ليس تعبيراً عن الضعف، بل هو محاولة لاستعادة إنسانية مهددة بالانطفاء. إنه لحظة مواجهة مع الحقيقة العارية: حقيقة أن الإنسان، مهما اشتدّ عليه الخراب، لا يزال قادراً على الاعتراف بألمه.
هكذا يتحول النص إلى تأمل شعري في مصير الإنسان العربي المعاصر، الإنسان الذي وجد نفسه في مواجهة العنف والتشرد وفقدان المعنى. لكنه في الوقت ذاته نصّ يلمح ـ ولو خافتاً ـ إلى إمكانية النهوض من الرماد، تماماً كما تنهض العنقاء الأسطورية من احتراقها.
إن شعر خلدون رحمة في هذا النص يبرهن أن القصيدة يمكن أن تكون أكثر من بناء لغوي جميل؛ يمكنها أن تكون شهادة وجودية على زمنٍ جريح، ومحاولة لاستعادة الذات التي ضاعت في متاهة التاريخ.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
....................
النص
بالمصادفة، التقيتُ بشاعر صديق، كنّا غائبَينِ عن ملامحنا حتى تشكّل فينا الغياب، لا اتصال بين هواجسنا مذ قطّعت الحرب أوصال الناس والطرق.
في البدﺀ لم أدرك ملامحه جيداً، ولا هو أدرك ملامحي، كان نحيلاً كخيط ضوﺀ شفيف، شَعره ناعم وذقنه شعثاﺀ، رأيتُ حزناً كونيّاً يسبح في عينيه، رأيت براﺀة مقموعة، قصائد خرساﺀ، ورأيتُني واضحاً، ألمعُ في بؤبؤيه.
سألته عن أحواله (لم يُجب)، سألني عن أحوالي (لم أجِب).
ارتبكنا، لم نستطع كسر صمتنا الدائريّ، ولكن بعد برهة انفجر فينا البكاﺀ، أدار وجهه عنّي، وأدرتُ وجهي عنه.
*
كأنّ كلانا فهم الآخرَ بعمق.
أدرتُ وجهي نحوه
يا إلهي !
لم أكد أودّعه حتى اختفى..
*
اختفى
واختفيتُ







