قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: موتُ البلاغة وبعثُ الاستطيقا
في تحوّلات الشعر بين دولوز وصيرورة الحسّ
لم يعد السؤال اليوم: كيف نقول؟ بل: كيف يحدث القول؟.. ذلك أن البلاغة، بوصفها علماً لضبط القول وتزيينه، كانت تفترض مسبقاً عالماً قابلاً للتمثيل، ولغةً شفافةً تنقل المعنى من ذهنٍ إلى ذهن، كما تُنقل صورةٌ في مرآةٍ صقيلة. غير أنّ هذا التصور، الذي استقرّ قروناً في الوعي الفلسفي والأدبي، أخذ يتهاوى مع الانعطافة المعاصرة التي دشّنها مفكرون من طراز جيل دولوز، حيث لم يعد الفكر تمثيلاً، بل صار حدثاً، ولم تعد اللغة أداة، بل غدت صيرورة.
إنّ ما سمّاه دولوز بـ"موت البلاغة" ليس إعلاناً لنهاية اللغة، بل نهاية لوهمٍ قديم: وهم التماثل بين الفكر والعالم، بين الدالّ والمدلول، بين الذات والموضوع. هذا الوهم الذي غذّته العقلانية الدوغمائية، وأضفت عليه مسحةً لاهوتيةً تجعل من الانسجام الكوني غايةً مُسبقة، ومن الحقيقة تطابقاً مريحاً بين الداخل والخارج. وفي ظلّ هذا النسق، كانت البلاغة تزدهر بوصفها تقنيةً لإحكام هذا التطابق، وتجميل هذا الانسجام.
غير أنّ التحوّل الجذري الذي تقترحه فلسفة دولوز، ومعه تيارات ما بعد البنيوية، يقوم على تقويض هذا الأساس برمّته. فالفكر، في هذا الأفق، لا يُعيد إنتاج الواقع، بل يخلقه؛ واللغة لا تُحاكي العالم، بل تُفجّره إلى احتمالات؛ والمعنى لا يُكتشف، بل يُنتج عبر انزلاقات الدلالة وتكثّف الإحساس. وهنا، يتبدّى الشعر لا كفنّ للقول الجميل، بل كحقلٍ للتجريب الأنطولوجي، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الكائن والعالم.
إنّ الاستطيقا، في هذا السياق، لم تعد فرعاً من البلاغة، بل بديلاً عنها. فالصورة الشعرية لم تعد زينةً خطابية، بل أصبحت كثافةً إدراكية، "كتلةً من الإحساس" بتعبير دولوز، حيث تتشابك المؤثرات الحسية والانفعالية في نسيجٍ يتجاوز اللغة ذاتها. إنّ القصيدة، بهذا المعنى، ليست خطاباً يُفهم، بل تجربةً تُعاش؛ ليست رسالةً تُفكّك، بل طاقةً تُلامس.
ولعلّ المفارقة العميقة تكمن في أنّ البلاغة، التي كانت تُعنى بإقناع العقل وإمتاع الذوق، قد أُزيحت لصالح فنٍّ لا يسعى إلى الإقناع، بل إلى الإحداث؛ لا يطلب الفهم، بل يُربك شروطه؛ لا يُنتج المعنى، بل يُفجّر إمكاناته. وهكذا، يتحوّل الشعر من نظامٍ للعلامات إلى فضاءٍ للصيرورات، من بنيةٍ مغلقة إلى تدفّقٍ مفتوح.
في هذا الأفق، يغدو "المتناهي" – أي اللغة المحدودة، الجسد، اللحظة – معبراً نحو "اللامتناهي"، لا بوصفه ميتافيزيقا مفارقة، بل كطاقةٍ كامنةٍ في قلب التجربة. فالفن، كما يرى دولوز، يمرّ عبر المحدود لا ليُثبّته، بل ليُشظّيه، ويستخرج منه ما يتجاوز حدوده. ومن هنا، فإنّ القصيدة ليست تمثيلاً للعالم، بل انخراطاً في صيرورته؛ ليست وصفاً للواقع، بل إعادة خلقٍ له.
أما ما يمكن أن نلمحه عند بعض القراءات المعاصرة، ومنها ما يُنسب إلى "بومسهولي"، فهو محاولة لتأصيل هذا التحوّل في سياق نقديّ عربيّ أو كونيّ، حيث يُعاد التفكير في البلاغة لا كتراثٍ ينبغي تجاوزه فحسب، بل كبنيةٍ ذهنيةٍ ما زالت تحكم وعينا باللغة. إنّ موت البلاغة، بهذا المعنى، ليس حدثاً تاريخياً وقع وانتهى، بل عملية تفكيكٍ مستمرة، تتطلب وعياً نقدياً يقظاً.
غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يعني موت البلاغة انعدام المعايير؟ هل نحن بإزاء فوضى جمالية؟
الجواب، في العمق، هو النفي. فما يحلّ محلّ البلاغة ليس العدم، بل نوعٌ آخر من النظام: نظام الكثافة، التوتر، الإيقاع الداخلي، والقدرة على توليد الإحساس. إنّها معايير لا تُقاس بمقاييس البيان والبديع، بل بقدرة النصّ على خلق تجربةٍ فريدة، لا تُختزل في معنى، ولا تُستنفد في تأويل.
وهكذا، فإنّ الشعر، في أفق ما بعد البلاغة، لا يُكتب ليُفهم، بل ليُحدث أثراً؛ لا يُقرأ لاستخلاص فكرة، بل للانخراط في تجربة. إنّه انتقال من "بلاغة القول" إلى "استطيقا الحدوث"، من لغةٍ تُحيل إلى معنى، إلى لغةٍ تُنتج عالماً.
في خاتمة المطاف، لا يمكننا أن نرثي البلاغة بوصفها فناً ميتاً، بقدر ما ينبغي أن نفهمها كمرحلةٍ من تاريخ الوعي باللغة، مرحلةٍ تجاوزتها تحوّلات الفكر المعاصر. فموت البلاغة ليس نهاية الشعر، بل ولادته من جديد: شعراً بلا يقين، بلا مركز، بلا غاية مُسبقة؛ شعراً ينفتح على اللامحدود، لا ليُفسّره، بل ليُجسّده في ومضةٍ عابرة، أو ارتعاشةِ معنى لا يستقرّ.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







