قراءات نقدية
حميد بن خيبش: سيمين دانِشوَر.. قُداس فارسي
سعى الأدب الإيراني منذ أوائل ستينيات القرن الماضي وحتى قيام الثورة الإسلامية، إلى إرساء صلة واعية بتاريخ الأمة الفارسية وواقعها. وفي ظل الحالة المزرية للبلد آنذاك، والاحتكاك بالنظام البهلوي الذي جعل الأدباء عرضة للملاحقة السياسية والحظر الفكري، تشكلت موجة للأدب الملتزم، قادها كتاب ذوو ميول يسارية صرفوا حماسهم للدفاع عن المحرومين، وتميزت كتاباتهم بالاحتجاج، ورفض التضييق الحكومي على الحيز الاجتماعي والسياسي، وإحياء ذاكرة الأمة التي سعت التفسيرات الرسمية للنظام إلى طمسها.
داخل هذا المعترك برز اسم الأديبة سيمين دانِشوَر، ليقدم لعالم الأدب تفاصيل المجتمع الإيراني في فترة تاريخية عصيبة، التأم فيها الشعور القومي مع إحدى أوجه الصراع بين الحداثة والتقاليد. ويُعتبر عملها الروائي الأبرز "سووشون"، نموذجا للكتابة الروائية التي دمجت التراث الفارسي بالتقنيات السردية الحديثة، لتروي للعالم فظاعة الحرب من منظور المهزومين والمنسيين.
تعد "سُووَشون"(*) أول رواية نسائية حديثة باللغة الفارسية. وتدور أحداثها في مدينة شيراز خلال الاحتلال الإنجليزي، لترسم الفضاء الاجتماعي السائد آنذاك، وتنقل معاناة شعب مزقته تداعيات الحرب العالمية الثانية بشتى تعقيداتها. غير أن حس المظلومية لم يمنع الكاتبة من إبداء تشريح قاس للبنى التقليدية داخل المجتمع، ونقد الأوضاع الداخلية التي عمقت من أزماته، كقضايا المرأة، والنظام الطبقي، والتوتر المستمر بين مكونات النسيج القبَلي.
نستكشف أحداث الرواية بعيني زاري. امرأة إيرانية متعلمة تمارس أدوارها التقليدية كزوجة وأم، لكن يتخلل هذه الحياة لحظات ارتياب ويأس، نجمت عن تعقيدات زواجها من يوسف المثالي والصريح، والذي سيُعرض حياة الأسرة للخطر جراء مواقفه من الاحتلال.
بعد أن سيطرت قوات الحلفاء على أجزاء من إيران، سعت للاستيلاء على جميع المحاصيل المتاحة لإطعام جيوشها المتمركزة هناك. إلا أن يوسف الذي يمثل طبقة ملاك الأراضي، يرفض التعاون وتسليم المحاصيل، خشية أن يموت الفلاحون جوعا. تكسر معارضته فرضية تواطؤ الملاك مع القوى الأجنبية، بينما يبرز موقف شقيقه كممثل للطموح السياسي الذي أظهره بعض المتعاونين من أبناء البلد، لتأمين امتيازات ومناصب في الحكومة المحلية:
" كان الأمر أهون على آبائنا، وإذا لم نتحرك سيكون عسيرا على أبنائنا. كان آباؤنا يواجهون خصما واحدا، وللأسف استسلموا له. ونحن الآن نواجه خصمين، وسينضم إليهما غدا خصم ثالث بنفس جديد، وبعد غد خصوم آخرون.."
يتعرض يوسف للقتل بسبب موقفه الثابت، ليصبح دون قصد رمزا للمقاومة. أما زاري فإن موت زوجها يغير نظرتها للحياة، لتجد نفسها في قلب الأحداث بعد أن ظلت بمنأى عن معاناة الناس. تعود زاري في الفصول الأخيرة من حافة الجنون، وتستعيد رباطة جأشها لتنضم للحشد الذي حوّل موكب الجنازة إلى مظاهرة للثأر من مقتل زوجها:
"نحن لا نبتغي فتنة. أقمنا عزاء لابن بلدتنا. تصور أن هذا المكان كربلاء وأن هذا اليوم عاشوراء، هل تريد أن تكون الشمر؟
صدح أحدهم: يا حسين، فأطلقت الجموع صرخة مدوية ورددت بصوت ممطوط: يا حسين!"
بفضل شخصيات حية جرى تصميمها ببراعة، تمكنت سيمين من تحقيق سرد مقنع للحب والفقدان، ونقلت ببصيرتها العميقة تفاصيل مجتمع تحت الضغط. وتظهر براعتها تحديدا في رسم الشخصيات النسائية، سواء العادية أو السلبية كشخصية عزت.
وبما أن الأحداث تُروى من منظور زاري، فإن القارئ يلمس حضورا جليا للكاتب، خصوصا حين تكشف التناقض بين ذاتية زاري والعالم الخارجي. ذاك التناقض الذي سيحطم سعي البطلة للحفاظ على الهدوء داخل أسرتها، ليزج بها في أتون زمن مظلم يفكك أدوارها التقليدية كزوجة وأم؛ فتصبح امرأة واعية بالواقع من حولها. غير أن هذا التحول يتم ضمن مزيج من المثالية والواقع، مما يُكسب الرواية هالة من الغموض الشبيه بالأساطير.
يحيل عنوان الرواية على طقوس حداد قديمة، تعيد للذاكرة مأساة البطل الفارسي "سياوش"، تقول الأسطورة أن سياوش نجل الملك، وأحد أبطال إيران المعدودين، كان صاحب وجه حسن وملامح فاتنة. تعلقت به زوجة الملك لكنه امتنع عليها، فدبرت له المكائد حتى قُتل بفعل مؤامرة خبيثة؛ بينما تحول دمه الذي سال على الأرض إلى نبتة تُخلد حتى اليوم مظلومية أمير الفضيلة. وباستعارة هذا الحدث الأسطوري تخلصت الرواية من الوصف البسيط للواقع، لتمنحها الخلفية الفلكلورية أحد أسباب نجاحها الكبير:
" كنت أبكي لأجل سياوش.. لم أكن أعرفه في بادئ الأمر، وكنت أكرهه. أما الآن فصرت أعرفه جيدا وقلبي ملتاع له.. كنت واقفة تحت "شجرة الشَعر" أبكي سياوش. ياللخسارة! فأنا لا أملك شَعرا، وإلا كنت قد قصصته وعلقته على الشجرة مثلما تفعل الأخريات..".
أفسحت سيمين مجالا واسعا للمونولوج الداخلي، وللأحلام والتأملات التي يمكن القول أنها أكسبت هذا العمل سمة الرواية الاجتماعية، من خلال تتبع الدمار الذي لحق البنى الاجتماعية بما فيها الأسرة. غير أن موهبة الكاتبة الحقيقية تتجلى في ابتكارها لاستعارات تنقل بتعقيدها معاناة أمة أثرت فيها الحرب بشدة. يشرح فيليب ماريون ابتكار الاستعارة بأنه البحث، ثم اختيار ضمن فئة من العلامات وحدة تشبه الوحدة المراد استبدالها، لتمثيلها بشكل أفضل. ولا شك أن سيمين برعت في دمج التراث الفارسي بأبطاله ووقائعه، لتوجيه نقد لاذع للآثار المؤلمة التي تسبب فيها الاحتلال. ويظهر استحضار قوى البطل الأسطوري "رستم" على سبيل المثال، مدى يأس الشعب ومصائبه، بسبب إجباره على تسليم مؤنه للاحتلال؛ فرستم هو البطل الذي كسر أقفال مخازن المؤن لتوزيع الحبوب والتمر والدقيق على الفلاحين.
أدارت سيمين أحدث الرواية من داخل عقل زاري، بأسلوب مزجت فيه بين الواقعية والأصالة، إلى جانب العمق العاطفي الذي منحنا شخصيات معقدة، تعكس صراعات أخلاقية مفعمة بالتحدي والصمود دون ابتذال. وبدلا من التصريحات السياسية المباشرة، لجأت سيمين إلى الأساطير والعادات والمعتقدات المحلية، لتوجه نقدا قاسيا لفترة حرجة من تاريخ إيران المعاصر.
تقدم سيمين حكايتها من خلال رؤيتين، إحداهما واقعية والأخرى رمزية، وبذلك تضفي مزيدا من الغموض والترقب لدى القارئ الذي يواجه ما يمكن أن نعتبره سردا مزدوجا. فهناك طبقة سردية تقدم قصة شيقة لعائلة شيرازية، تورطت في دهاليز السياسة القذرة خلال أربعينيات القرن الماضي، حيث يجري توظيف مظاهر الثقافة والحضارة الإيرانية بلغة شعرية رائقة. أما الطبقة الرمزية أو المجازية فتمنح بعض الشخصيات والأماكن وظيفة رمزية، تساعد على تقديم مسار تفسيري للقارئ، يصل من خلاله إلى معنى أعمق.
حققت الرواية حضورا طاغيا منذ صدورها لأول مرة عام 1969. وعدّها النقاد ذروة الكتابة الروائية الفارسية، حيث لا أثر لأي ضعف في الأسلوب أو البنية. إضافة إلى أن تنوع الشخصيات في هذا العمل استوعب مختلف شرائح المجتمع الإيراني، بتطلعاتها، ومُثلها العليا، وتعبيراتها الشعبية. لذا يستمر حضور "سُووَشون" التي بلغت طبعتَها الثامنة والعشرين سنة 2021، وتُرجمت إلى سبع عشرة لغة.
بعد أن تلقت تعليما جيدا في كنف أسرة مثقفة، انتقلت سيمين من مسقط رأسها شيراز إلى طهران، لتدرس الادب الفارسي في كلية الآداب بجامعة طهران. غير أن وفاة والدها سنة 1941 أجبرتها على البحث عن عمل لمواجهة الصعوبات المالية، فالتحقت بإذاعة طهران لتقدم سلسلة بعنوان (الشيرازي المجهول)، بالإضافة إلى كتابة وترجمة مقالات لصحيفة "إيران".
نشرت سيمين مجموعتها القصصية الأولى (النار المُطفأة) عام 1948. وبعد حصولها على الدكتوراه استفادت من منحة فولبرايت، لتستكمل دراستها الأكاديمية بجامعة ستانفورد الأمريكية حول علم الجمال وعلم نفس الفن.
إثر عودتها التحقت بجامعة طهران كأستاذة مشاركة لتاريخ الفن. واهتمت إلى جانب الكتابة القصصية والروائية، بترجمة أعمال تشيخوف، وهوثورن، وسارويان، وأرتور شنيتسلر وغيرهم. وخلال هذه الفترة نضج أسلوب سيمين النثري، وصار أكثر اقترابا من لغة الناس، حيث طورت أسلوب كتابة أقرب إلى الواقعية السينمائية، تتجنب من خلاله إصدار الأحكام، لتقدم شخصيات قادرة على التعبير عن نفسها، ولتخلق ببراعة عوالم حقيقية وخيالية نابضة بالحياة عن المجتمع الإيراني.
إلى جانب مسيرتها الأدبية اضطلعت سيمين بأدوار قيادية لاستكمال مشروع رابطة الكُتاب الإيرانيين التي تأسست عام 1968، وتقديم الدعم المعنوي للمثقفين المعارضين لنظام بهلوي. كما عُرف عنها حرصها على المساعدة المادية والأكاديمية لطُلابها. وهو الأمر الذي عرّضها باستمرار للمضايقات من لدن شرطة السافاك، رغم أنها لم تتبنّ أية إيديولوجية سياسية محددة.
شكلت أعمال سيمين إسهاما قيما في عالم الكتابة الروائية. وقدمت نموذجا للأدب الذي يتولى مهمة التغيير الاجتماعي، دون أن يتخلى عن موضوعيته أو عن مقوماته الفنية التي تتيح للكاتب محاكاة الحياة. وتعكس مجموعاتها القصصية المنشورة فهما عميقا للمجتمع الإيراني من حيث عرضها للمشاكل الاجتماعية التي تعبّر عن الحقيقة أكثر من الخيال، كسرقة الأطفال، والاستغلال الجنسي، والفقر، ووضع المرأة في ظل التحول الاجتماعي الذي تشهده إيران.
منحت سيمين للمرأة الإيرانية صوتها من خلال معالجة قصصية تندد بالإقصاء واللامساواة، لكن دون الوقوع في فخ التغريب والاجتثاث. فهي تؤكد على أن حضور المرأة يستمد قوته من أدوارها كأم وزوجة، تُدعم الصمود الوطني في مواجهة النفوذ الغربي، وتدافع عن الأخلاق المتجذرة في الثقافتين الإسلامية والفارسية التي تحقق الاستقرار الاجتماعي والتكامل بين الجنسين.
***
حميد بن خيبش
.......................
(*) سيمين دانشور: المأساة الإيرانية-سووشون. منشورات الربيع. 2024






