عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاطمة عبد الله: تفكيك البنية الدلالية وتمثلات القلق الوجودي في قصيدة "حسرة الفراغ"

للشاعر يحيى مطوال

تعتمد هذه الدراسة على منهج تكاملي يجمع بين التحليل البنيوي والتأويل الفلسفي والقراءة الوجودية بهدف تفكيك البنية الدلالية للنص والكشف عن تمثلات القلق والعدم داخل الخطاب الشعري.

وتتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي:

كيف يتشكل "الفراغ " داخل النص بوصفه بنية دلالية منظمة تنتقل به من مستوى التجربة الشعورية إلى مستوى إعادة إنتاج الذات واللغة؟

تأطير النص: أفق القراءة وإشكالية النص

يندرج هذا النص ضمن أفق الكتابة الحداثية/ما بعد الحداثية التي تعيد بناء التجربة الوجودية داخل بنى لغوية متوترة حيث يتقاطع الذاتي بالكوني ويتحول "الفراغ " من حالة نفسية إلى بنية دلالية منظمة لإنتاج المعنى.

ويؤدي العنوان "حسرة الفراغ" وظيفة تأطيرية مركزية إذ يؤسس لتوتر دلالي بين:

الحسرة بوصفها كثافة وجدانية

الفراغ بوصفه تمثلاً للعدم

غير أن هذا التوتر لا يختزل في تعالق ثنائي، بل يتخذ شكل مفارقة وجودية تسهم في توجيه دينامية المعنى داخل النص من خلال إعادة توزيع العلاقة بين التجربة الشعورية وبنيتها اللغوية.

ويمكن في هذا السياق استحضار التصور التأويلي عند بول ريكور الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة تنتج معناها عبر تعدد مستويات القراءة، لا عبر الإحالة المباشرة على التجربة.

وانطلاقاً من هذا التأطير يغدو تحليل البنية الدلالية للنص مدخلاً إجرائياً للكشف عن الكيفية التي تعاد بها صياغة مفهومي الحسرة والفراغ داخل نسق لغوي متشظ...

البنية الدلالية: الحقول المعجمية والأنساق الرمزية

انطلاقاً من التأطير السابق الذي أبرز مركزية ثنائية الحسرة/الفراغ بوصفها نواة دلالية للنص يمكن الانتقال إلى تحليل البنية الدلالية التي تتأسس عليها هذه المفارقة من خلال تفكيك الحقول المعجمية والأنساق الرمزية المهيمنة.

يتأسس النص على شبكة متداخلة من الحقول الدلالية، أبرزها:

حقل الموت/العدم: (المقبرة، الآخرة، الجحيم، صمت الأموات، الخراب)

حقل الألم/الندم: (حسرة، دمع، الحزن، ملح الأحلام اليابسة)

حقل الكتابة/القول: (الشعر، البوح، زجاج الكلام، يكتب بمسماره الصدئ)

ولا تعمل هذه الحقول في استقلال، بل تتقاطع داخل بنية دلالية واحدة تنتج ما يمكن تسميته بـنسق التهشيم الوجودي ويقصد به إجرائياً تفكك العلاقات الدلالية التقليدية بما يعكس اختلال العلاقة بين الذات والعالم.

ضمن هذا النسق، لا تعود اللغة أداة تمثيل للواقع بل تتحول إلى آلية لتفكيكه وإعادة تشكيله. ويتجلى ذلك في عبارة "زجاج كلام متشظي" التي لا تحيل إلى صورة بلاغية فحسب بل تكشف عن انكسار البنية اللغوية ذاتها، بما يعكس اختلال العلاقة بين الدال والمدلول وفق تصور سيميائي يجعل اللغة فضاءً لإنتاج التوتر الدلالي لا لاستقراره...

الصورة الشعرية

وانطلاقاً من هذا المستوى الدلالي، يمكن الانتقال إلى تحليل الصورة الشعرية وآليات الانزياح والتكثيف.

تقوم الصورة الشعرية على انزياح حاد (Deviation) عن المألوف، وهو ما يقربها من الشعرية السريالية، يتجلى في بناء علاقات غير متوقعة بين العناصر، مثل:

"يمسح عن جفن المقبرة دمع العائدين"

"جسد من نار يصعد في السواد"

"يكتب بمسماره الصدأ الحزن على رخام الروح"

لا تفهم هذه الصور ضمن منطق مرجعي مباشر بل باعتبارها بنى دلالية مكثفة تنتج المعنى عبر الصدمة والانقطاع. وعليه، فالصورة ليست عنصراً زخرفياً بل جهازاً معرفياً يكشف عن عالم مفكك...

الذات الشعرية: تشظي الهوية وتفكك الكينونة

في ضوء المقاربة الوجودية المعتمدة، يمكن تحليل تمثلات الذات داخل النص بوصفها بنية غير مستقرة تتحدد عبر التشظي والانمحاء بدل التماسك. ويتجلى ذلك في مؤشرات نصية صريحة من قبيل: "لا يتذكر من هو" و"يستعيد ما تبقى من وجهه المدمر" حيث يتم تفكيك الهوية إلى شذرات لغوية تعكس فقدان المرجعية الذاتية.

ولا تفهم هذه الحالة بوصفها تعبيراً نفسياً مباشراً بل باعتبارها تمثيلاً دلالياً لانهيار وحدة الكينونة داخل الخطاب الشعري. وعليه، تتحول الذات إلى أثر لغوي، لا إلى مركز دلالي ثابت.

ويتقاطع هذا التمثل مع الأطروحة الوجودية عند جان بول سارتر، القائلة بأن "الوجود يسبق الماهية" بما يفيد أن الكائن لا يمتلك هوية جاهزة، بل يتحدد داخل وضعية وجودية مفتوحة ومأزومة. وضمن هذا الأفق، يعكس تشظي الذات في النص انخراطها في عالم يفتقر إلى المعنى المسبق، مما يفسر حضور مفردات التلاشي والبقايا بوصفها مؤشرات على تفكك الكينونة...

الزمن الشعري: تفكك البنية الزمنية

انطلاقاً من تحليل البنية النصية، يتضح أن الزمن في القصيدة لا يخضع لتنظيم خطي بل يتشكل وفق بنية مفككة تعكس اضطراب التجربة الوجودية. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط زمنية متداخلة:

زمن استرجاعي: (يتذكر بكثير من الحسرة)

زمن معلق: (يجلس خارج الفراغ)

زمن انهياري: (يعيد للاممكن قصفه المنسي)

لا تفهم هذه الأنماط بوصفها تعاقباً زمنياً بل كتمثلات دلالية لحالة اختلال الإحساس بالزمن حيث يفقد التسلسل الزمني وظيفته التنظيمية لصالح زمن داخلي متشظٍ.

وفي هذا السياق، يمكن ربط هذا التفكك الزمني بتمثلات الوعي المأزوم، حيث يتحول الزمن من إطار خارجي إلى تجربة ذاتية مضطربة تعكس انكسار العلاقة بين الذات والعالم. وعليه، يغدو الزمن في النص عنصراً بنيوياً يوازي تشظي الذات ويسهم في تعميق البعد الوجودي للخطاب الشعري...

اللغة والأسلوب: نحو شعرية التفكيك

في امتداد لتحليل البنيات الدلالية وتمثلات الذات والزمن تبرز اللغة الشعرية بوصفها مستوى إجرائياً حاسماً في إنتاج المعنى، حيث تتحدد عبر جملة من الخصائص الأسلوبية التي تعكس طبيعة التجربة المطروحة.

تتسم اللغة في النص بـ:

التكثيف الدلالي: من خلال اقتصاد لغوي مشحون يراكم المعنى داخل وحدات تركيبية مقتضبة.

التشظي التركيبي: عبر تفكيك البنية النحوية التقليدية، بما يخلخل انتظام الجملة.

الانزياح الدلالي: من خلال خرق العلاقات المألوفة بين الدوال

ولا تفهم هذه السمات بوصفها خصائص شكلية معزولة، بل باعتبارها آليات اشتغال تنتج ما يمكن تسميته بـبنية فوضوية منظمة ويقصد بها إجرائياً نظام لغوي يقوم على إعادة توزيع العلاقات الدلالية خارج منطق الاتساق التقليدي. وعليه، تتحول الفوضى من خلل بنيوي إلى مبدأ منظم يسهم في توليد الدلالة داخل النص.

ويمكن، في هذا السياق، تسجيل تقاطع أسلوبي مع بعض ملامح الكتابة الشعرية الحديثة كما عند أدونيس خاصة في ما يتعلق بشعرية الانزياح وتفكيك البنية اللغوية. غير أن هذا التقاطع يظل جزئياً، إذ يحتفظ النص بخصوصيته التعبيرية داخل أفقه الدلالي الخاص....

البعد الميتا شعري: الكتابة كفعل وجودي

وانطلاقاً من هذا الوعي بطبيعة اللغة، يتخذ النص بعداً ميتا شعرياً صريحاً يتجلى في التصريح: "لم يتبق سوى الشعر" حيث تحال الكتابة إلى موضوع للقول ذاته.

يشير هذا التمفصل إلى وعي نصي يجعل من الكتابة:

أداة لمقاومة العدم

وآلية لإعادة بناء الذات داخل اللغة

وفي هذا السياق، لا تفهم الكتابة بوصفها انعكاساً مرجعياً للواقع بل كممارسة إنتاجية للمعنى، تتأسس على إعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم عبر وسيط لغوي متشظٍ. وهو ما يتقاطع مع التصور الحديث للكتابة عند رولان بارت، الذي ينظر إلى النص باعتباره فضاءً تعاد داخله صياغة الهوية...

القراءة التأويلية: نحو فلسفة الفراغ

في ضوء المستويات السابقة، يمكن الانتقال إلى تركيب قراءة تأويلية تستهدف استجلاء الأفق الفلسفي الذي يؤطر النص. حيث يتبدى أن الخطاب الشعري يتأسس على حركة دلالية تتوزع بين ثلاثة أقطاب:

العدم (الفراغ) بوصفه أفقاً وجودياً.

الذاكرة (الحسرة) بوصفها بعداً استرجاعياً.

اللغة (الشعر) بوصفها وسيطاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم "الفراغ " في هذا السياق باعتباره غياباً صرفاً بل كفضاء دلالي يعاد من خلاله تشكيل الكينونة داخل اللغة. وعليه، يغدو النص ممارسة تأويلية لذاته حيث تتداخل التجربة الوجودية بالبنية اللغوية في إنتاج دلالة مفتوحة...

الإسناد النقدي

في ضوء ما سبق من تحليل، يمكن تأطير هذا التصور ضمن الأفق النقدي الحديث الذي ينظر إلى الكتابة بوصفها فضاءً لإعادة تشكيل الهوية. وفي هذا السياق، يتقاطع النص مع ما يذهب إليه رولان بارت في قوله:

"الكتابة هي ذلك المكان المحايد الذي تضيع فيه كل الهويات."

تسهم هذه المقولة في إضاءة الكيفية التي تتلاشى بها ذات المتكلم داخل بنية لغوية متشظية، حيث لا تعود الذات مركزاً ثابتاً للمعنى، بل تتحول إلى أثر نصي يعاد إنتاجه داخل اللغة. وعليه، تغدو الكتابة في النص بديلاً عن الهوية، لا تعبيراً عنها وهو ما ينسجم مع الطابع التفكيكي الذي يحكم بنيته الدلالية والأسلوبية....

القيمة الجمالية والمعرفية

استناداً إلى المستويات التحليلية السابقة، يتبين أن النص يحقق قيمة جمالية ومعرفية معتبرة، من خلال:

توظيف انزياحات لغوية تسهم في خلخلة البنية الدلالية التقليدية.

بناء تجربة وجودية تتأسس على تمثيل القلق والعدم.

وعي ميتا شعري يجعل من الكتابة فعلاً لإعادة إنتاج المعنى

ولا يفهم ما قد يبدو من غموض أو تفكك بوصفه قصوراً تعبيرياً، بل باعتباره استراتيجية جمالية واعية تنبثق من طبيعة التجربة الحداثية التي تعيد النظر في علاقة اللغة بالواقع وفي حدود التمثيل الشعري ذاته...

يمكن في ضوء هذه القراءة، اعتبار "حسرة الفراغ" نصاً شعرياً يشتغل على تخوم اللغة والوجود، حيث تتداخل البنية الدلالية بالتجربة الوجودية في إنتاج خطاب يقوم على التفكيك وإعادة التركيب. فالكتابة لا تحيل هنا إلى العالم بوصفه معطى جاهزاً بل تسهم في إعادة بنائه داخل نسق لغوي متوتر يكشف عن وعي حاد بهشاشة الكينونة وتصدعها.

وعليه، يغدو النص ممارسة شعرية تعيد مساءلة مفاهيم الهوية والمعنى والوجود ضمن أفق تأويلي مفتوح يجعل من اللغة أفقاً لإعادة التفكير في الذات والعالم معاً...

***

دراسة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

..................

حسرة الفراغ

حزين هذا الصغير

وهو يمسح عن جفن المقبرة

دمع العائدين

من منافي الاخرة.

*

يجلس خارج الفراغ

جسد من نار،

يصعد في السواد

الى اعلى،

ينشد بلغة جديدة

زجاج كلام متشظي

خارج المألوف.

*

يتذكر بكثير من الحسرة

كيف كان يمضغ

ملح احلامه اليابسة،

بكثير من الحسرة

يحسب منحدرات الحجيم

وفي كفيه يحمل

توبة الهذيان.

*

لم يتبق سوى الشعر

يغير لون البوح

في صمت هذا الخراب،

وردة الروح

جديرة بالحياة الابدية.

*

وحيدا

جريئا

يقطف ماتبقى من الحلم

تفاصيل الضياع والحياة

يكتب بمسماره الصدء

الحزن

على رخام الروح.

*

لا يتذكر من هو

يقترب من صمت الاموات

يمحو بانفاسه

المرتجلة الهزيلة

عصف اللاشيء.

*

يعيد للاممكن قصفه المنسي

يعبر كطوفان

همس المحتجزين

في عتبات الصراخ،

تهرب منه الكلمات

يواخد وقته

الطاعن في الفوضى

يرتجل حسرة الفراغ

وهو

يستعيد ماتبقى من وجهه

المدمر فوق البياض.

*

كنت لتكون هاهنا

ملل كثيف

يتبخر في تفاصيل الكتابة،

كنت لتكون بين الاسطر

صداع

لمذبحة الكلمات.

*

حزين

مثل هواء حار

يحصد القهقات الذابلة،

مفعم بالتحدي

يقتل موته

بنذبة الحياة

خارج المعنى.

***

الشاعر: يحيى موطوال