عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عدنان حسين أحمد: شعرية القصة القصيرة جدًا عند القاص الجزائري زين الدين بومرزوق

يعتقد بعض النقّاد أنَّ القصة القصيرة جدًا هي فن غربي بامتياز وحجتهم في ذلك أنّ القاص والروائي الأمريكي أرنست همنغوي هو أول مَن كتب قصة قصيرة جدًا عام 1924م تتألف من ست كلمات يقول فيها: (للبيع.. حذاءُ طفل لم يُلبس قط) وأنَّ الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيرسو كتب قصة (الديناصور) التي انتظمت في ست كلمات أيضًا جاء فيها (حينما استفاق، كان الديناصور، ما يزال هناك)، وثمة قصة ثالثة تقول: (الانتقامُ هو: أن أعيْش، مِنْ دونكَ) لجويس كارول. وهناك منْ يعتقد أنَّ ناتالي ساروت هي أول منْ كتبت الـ ق ق جدًا. أمّا النقاد العرب  فيعتقدون أنَّ الـ ق ق جدًا موجودة في الطرفة والحكاية والخبر والحديث والنكتة والأحجية واللغز والمقامة وما سواها من الفنون القولية. وقبل الخوض في تفاصيل الـ ق ق جدًا وتعريفاتها لا بدّ من إحاطة القارئ الكريم عِلمًا بـ (القصة اللمحة) والـ (ق ق جدًا) وضرورة التفريق بينهما. فالقصة اللمحة لا تقل عن ست أو سبع كلمات كما في الأمثلة الثلاثة أعلاه ولا تتجاوز العشرين كلمة. أمّا القصة القصيرة جدًا فهي أطول من ذلك بكثير وقد تصل إلى صفحة واحدة أو صفحتين. والذي يكتبه القاص الجزائري زين الدين بو مرزوق مَدار بحثنا ينتمي إلى (القصة اللمحة) في أفضل الأحوال لأنّ قصصه مُركزة ومُكثفة جدًا وتراهن على التقشف والاختزال كثيرًا ويمكن اعتبار الكثير منها ومضات شعرية ذات نهايات تنويرية.

الريادة العراقية

لا شكّ في أنَّ العراق هو مهد القصة القصيرة جدًا ويحتل موقع الريادة كما احتل موقع الريادة في شعر التفعيلة الذي بدأه السياب ونازك الملائكة وربما تكفي الإشارة إلى أنَّ نوئيل رسّام هو أول كاتب عراقي جنّس ما كتبه عام 1930 بالـ ق ق جدًا في قصص (اليتيم) و(الاخوان) و(شهيد الحُب) وقد آزره في هذا الجانب القاص الرائد عبدالمجيد لطفي ثم تبعتهُ كوكبة من القصاصين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، وابراهيم أحمد، وخالد حبيب الراوي، وبثينة الناصري، وصلاح زنگنة، وتحسين گرمياني، وجمال نوري وكاتب هذه السطور المتواضعة وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

تجدر الإشارة إلى أنَّ المغرب قد أنجز منذ عام 1994 وحتى عام 2013 مائة وأربع (104) مجموعات قصصية قصيرة جدًا واحتل بذلك الوفرة العددية التي سوف تخلّف نوعًا جيدًا من قصص (اللمحة) و(القصص القصيرة جدًا) مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ كُتّابًا من طراز جبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وزكريا تامر، ومحمد عزالدين التازي ومحمد زفزاف قد كتبوا الـ ق ق جدًا. وقد رافق كتابة هذه القصص القصيرة جدًا دراسات نقدية معمقة يمكن أن نشير إلى بعضها مثل (القصة القصيرة بين النظرية والتطبيق) للناقد الفلسطيني د. يوسف حطّيني و(القصة القصيرة جدًا) للناقد السوري د. أحمد جاسم الحسين، و(القصة القصيرة جدًا في العراق) للكاتب العراقي هيثم بهنام بردى و(شعرية القصة القصيرة جدًا) للباحث العراقي أيضًا جاسم خلف إلياس، و(شعرية الواقع في القصة القصيرة جدًا) للباحث التونسي عبدالدايم السلامي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الـ ق ق جدًا قد وجدت طريقها في مصر والسودان والجزائر وسورية وفلسطين ولبنان والكويت والمملكة العربية السعودية.

القصة اللمحة

لم يُتح لي الإطلاع على مجموعتيه القصصيتين القصيرتين جدًا وهما (شُيِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا) لذلك طلبت من القاص بومرزوق أن يبعث لي عبر الواتسآب قرابة 20 ق ق جدًا لكي أتمثّلها جيدًا وأكتب عنها بما تجود به قريحتي. يقول في قصة (إنفلونزا) (تعودت على حضنه وحنانه، وحرارة جسمه، ما إن غادر حتى أصيبت بنزلة برد). تعتمد هذه القصة اللمحة على عنصر المفارقة وليّ عُنُق الخاتمة إلى نهاية تنويرية تعلق بذاكرة السامع أو المتلقي.

نقرأ قصة (الراية) التي يقول فيها: (بعد أن هدّموا البيوت على رؤوس العِباد، وأحرقوا المساجد والكنائس نظروا إلى بعضهم يتساءلون: أين نرفع رايات النصر؟) تعتمد هذه الـقصة اللمحة على الجُمل الفعلية (هدّموا، أحرقوا، نظروا . .) لأن الجمل الأسمية وصفية بينما تحتاج(اللمحة) إلى جمل فعلية مُشذبة ومقتضبة تذهب إلى الصميم مباشرة وهي أقرب إلى قصيدة النثر المركز منها إلى الـ ق ق جدًا التي تعتمد إلى حدٍ ما على السرد أو الروي إن شئتم. أمّا النهاية التنويرية فتكمن في السؤال الذي اختتم به (اللمحة) حينما تساءل: (أين نرفع رايات النصر؟).

يراهن بعض قصص زين الدين بومرزوق على الموازنة بين شطريّ (اللمحة الشعرية) كما في قصة (كَرَم) التي يقول فيها (فتَح باب بيته في رمضان فأغلقت الديون متجرَ جاره) لأنّ هذه (اللمحة) تقوم على المفارقة الدرامية Dramatic Irony ويبدو أن الكرم الحاتمي هو الذي أفضى إلى هذه النتيجة المُفجعة لأن كل ما كان يشتريه كان بالآجل (أي بالدَين) وليس بالعاجل!

لا تختلف قصة (وفاء) عن سابقتها فهي تقوم على ثنائية التوازي بما تنطوي عليه من سبب ونتيجة حيث يقول: (نَسي أن يُطعم كلبهُ في تلك الليلة رنّت أجراس خزائنه).

التقشّف اللغوي

تميل هذه (اللمحات) برمتها الاختصار والاختزال والتقشف لكنها تعرف كيف تضرب على الوتر الحساس حينما يصل إلى النهاية المُرهفة التي تأخذ بتلابيب القارئ أو السامع. ولو تأملنا قصة (صيّاد) التي يقول فيها: (أحرقوا غابتي الأطفال وأشاروا إلى الشجرة التي تغطيها). لا شكّ في أن المفارقة الدرامية حاضرة رغم الاقتصاد اللغوي الذي يجعل من (اللمحة) لقطة مَشهدية واحدة لكنها تقول أشياءَ كثيرة.

الأمر نفسه يتكرر في قصة (نصيحة) التي يقول فيها الراوي: (قال لها سأكتب اسمكِ على الماء ردّت: تعلّم العوم أولًا). يبلغ التقشف والتكثيف ذروته في قصة (جزاء) وهي من قصص اللمحة التي لم تجتز الثلاث كلمات لأن الباء حرف هنا وليس كلمة قائمة بذاتها حيث يقول: (أفتى بشُربها أدمنتهُ).

يمكن أن نختم بالـ ق ق جدًا التي تحمل عنوان (المانغا) التي يقول فيها: (دخل المزرعة ليأخذ بعض الفاكهة. انتبه له صاحبها سألهُ: حاجتك؟ لم يتكلّم. أشار بيد للفاكهة. ظنّ أنه يريد أن يأكل منها. أخبرهُ أنها لم تنضج. حرّك رأسهُ بأنه يُدرك ذلك ثم استرسل: ابني حدّثوه في المدرسة عن فاكهة المانغا أردتُ أن أُريه إيّاها ليعرفها. سأله: لماذا لم تأتِ به ليرى بأم عينيه. ردّ والدمع في عينيه: هو في قبره. أُريد أن أضعَ شاهدًا على عوزه). تندرج هذه القصة تحت باب الـ ق ق جدًا وهي أطول من اللمحة لكنها تقوم على النهاية المباغتة أو المفاجئة فالطفل الذي كان يريد رؤية فاكهة المانغا ظنناه حيًا ولكنه كان راقدًا في قبره غير أنَّ والده المفجوع أراد أن (يضع شاهدًا على عوزه) فحرّك فينا، نحن القرّاء، كل مواجع الألم والحسرة على هذا الطفل البريء الذي غادر الحياة من دون أن يعرف المانغا أو غيرها من الفواكه.

قوة الرمز وبراعة التلميح

يستعمل زين الدين بو مرزوق الرمز والتلميح والإيحاء لوصف حالات إنسانية واجتماعية مأزومة ولا يلجأ إلى التقريرية والوصف المباشر الذي يجثم على صدر (القصة اللمحة) أو (الومضة) أو (الـ ق ق جدًا) الأمر الذي يُضاعف من تقنية التشويق التي يتوخاها القاص الحاذق الذي يغادر المناطق المألوفة ويبحث عن الدروب البكر التي لم يمّر بها عابر.

لقد دققتُ كثيرًا في هذه (اللمحات) و(الوَمَضات) و(الـ ق ق جدًا) لزين الدين فوجدتها مطابقة للاشتراطات الفنية التي يتوخاها هذا النمط الفني الذي تماهت فيه وحدة الموضوع بالزمكان بلقطة طيفية واحدة لا تعتمد على الإسهاب الذي يأخذ وقتًا أطولَ مما تحتاج إليه هذه الأنماط الفنية الجديدة التي تُحاذي الشعر وتنبثق عنه في كثير من الأحيان.

ينجح زين الدين بومرزوق في اجتراح عناوين (لمحاته) و(ق ق جدًا) مثلما نجح في سرده المُقتضب وخواتيمه المتوهجة التي تعْلق في الذاكرة لزمن طويل وربما تكون قصة (قلب مختل عقليًا) هي خير نموذج لما نذهب إليه.

النَفَس البرقي

مَن يُدقق في هذه النماذج القصصية القصيرة جدًا سيجد أنها أقرب إلى النَفَس البرقي الذي يحتشد بالشذرات، والالتماعات، والانزياحات التي تخلخل التراكيب والمعاني وتعيد صياغتها من جديد على وفق الرؤية التي يقترحها القاص المبدع زين الدين بومرزوق. كما أنه يفتح أفقًا جديدًا للتلقّي ولعل (لمحاته) تذكرنا بالقاص الأمريكي غرامي جيمس الذي يقول: (ثلاثة ذهبوا إلى العراق. واحد منهم عاد!). يشترك زين الدين مع غرامي جيمس بفتح آفاق جديدة للتلقّي ويثير أسئلة ما كان لها أن تُثار لولا قوة الأفكار الجديدة ورهافتها التي تُدهم مخيلتنا دفعة واحدة وتفعل فينا فعل الصدمة والدهشة والإبهار.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ الجزائر تحتضن العشرات من كُتاب الـ ق ق جدًا وكُتاب (اللمحات) و(الومضات) نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر أمثال السعيد موفقي، وحسين فيلالي، وعبدالكريم ينينه، وعبدالرزاق بوكبة، وخالد ساحلي، وعبدالرزاق بادي، وبشير ونيسي، ومحمد الكامل بن زيد، ورقيّة هجريس، ومريم بغيبغ، فيما نسب الدكتور الناقد عبدالملك مرتاض الريادة القصصية القصيرة جدًا لمصلحة محمد السعيد الزاهري. وعلى صعيد الأبحاث والدراسات النقدية يمكننا الإشارة إلى كتاب (القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي - الجزائر أنموذجًا) للباحث رابح خوية.

بقي أن نقول بأنّ القاص زين الدين بومرزوق قد أصدر سبع مجموعات قصصية وهي (ليلة أرق عزيزة)، (الحجر المقدّس)، (تشكيل في ذاكرة العين)، (معذرة يا بحر)، (50 درجة تحت الظل)، (أخيرًا انهار جبل الثلج)، (سيلفي مع أبي)، إضافة إلى محموعتين قصصيتين قصيرتين جدًا وهما (شُبِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا). وفي النقد لديه (مقاربة نقدية في القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة) و(فتنة السرد وذوق الكتابة).

***

عدنان حسين احمد2614 adnan

* بالتعاون مع نادي حبر أبيض البريطاني الذي يرأسه د. جمال نصّاري وبدعوة من مركز لندن للإبداع العربي الذي تُديره الشاعرة دلال جويّد تم استضافة القاص الجزائري زين الدين بومرزوق في ندوة ثقافية استمرت زهاء الساعتين حيث قدّمتُ السيرة الذاتية والإبداعية للقاص زين الدين بو مرزوق، ثم أتحتُ الفرصة للناقد د. جمال نصاري ليدلو بدلوه ثم جاء دوري للحديث عن فن الـ ق ق جدًا، وطلبتُ من القاص بو مرزوق أن يقرأ لنا نماذج من قصص (اللمحة) أو (الوَمضة). ثم عقّبت الشاعرة دلال جويّد وتحدثت عن مفاهيم عديدة من بينها الانزياح، ثم تناوبت الصديقتان الفنانة التشكيلية بان الحلي وسندس القيسي بإثارة العديد من الأسئلة. كما استمعنا إلى الفنان التشكيلي هاشم الشطري الذي قرأ لنا قصيدة من (أوراق العشب) للشاعر الأمريكي والت وايتمان، فيما أخذت على عاتقها الأستاذة إيمان فزّاني عملية تصوير الندوة والتقاط بعض الصور الفوتوغرافية التي وثّقت للأمسية على مدار الساعتين الجميلتين المُحتشدتين بالدفء والحميمة والمحبة الغامرة التي أسقطت الحواجز في رمشة عين.