قراءات نقدية
جمعة عبد الله: الدلالة الرمزية لرواية "وثامنهم كلبهم" للكاتب داود سلمان الشويلي
الحدث الروائي يعتمد على منصات رمزية وفكرية متنوعة التعبير، وتكوين الصياغة التعبيرية بشكل بليغ في المعنى والمغزى، وكذلك على أنواع مختلفة من التناص، في براعة الابتكار في الصياغة الحديثة في سياق الحدث وتكوينه، براعة في الانزياح من عمق التاريخ القديم، وجره الى متطلبات المرحلة الحالية، وواقع الحياة الفعلي، اي انها براعة في خلق صياغة التناص ونسجه بصياغة حديثة في التعبير، والرؤية الفكرية الناضجة والمدركة لواقع الحال، من سورة أهل الكهف، الى الموروثات التاريخية والشعبية والفنية، لتصب هذه المكونات أو المنصات في الحدث الفكري الدال على احداث واقعنا ومجرياته الحالية، اي اننا ازاء سيميائية (علم الدلالة والاشارة) بشكل واسع الأفق والتعبير، رغم ان الحدث الروائي وشخصياته تتحدث عن العصر العباسي، ولكن دلالته تدل على الواقع الحديث في زمانه ومكانه، هي بغداد المدورة ومحافظة ذي قار، التي شهدت أحداث عاصفة من درامية الصراع الدموي في الفترة الاخيرة، التي اتخذت شكل العنف الدموي والقتل الموت الطائش والمجاني، في المواجهة الحادة بين شباب مثقف وواعي يدرك حقوقية متطلباته المشروعة، في العيش الكريم وحياة آمنة ومستقرة، في ظل تحقيق العدالة الاجتماعية، وحياة بلا عنف وإرهاب، نجد آلة القتل والموت باسلحة حديثة وفتاكة ومتطورة حديثاً، وليس اسلحة العصر العباسي، السيوف والرماح والنبال، وتناص اهل الكهف ليس في صيغته الدينية المذكورة، ولكن بصيغة حديثة، نفسية وسيكولوجية، اي الخروج عن صومعة الصمت والتقوقع الى النهوض والمطالبة والرفض، وحالة التذمر من البطش والتنكيل ضد الناس الابرياء، لا تستند الى قانون ونظام وشريعة، بل تنتمي الى العنف المفرط من اجهزة النظام الطاغي، الذي يعتمد على القوة القمعية من الشرطة أو العسس، في مواجهة الغليان الشعبي في مطالبه العادلة، في مواجهة الشباب المتمرد، الذي يصر على مواصلة مطالبه المشروعة، رغم الارهاب والبطش، الحدث الروائي يعتمد على حكايات يرويها الحكواتي، يسردها في المجالس والمقاهي، تقول، بأن هناك شبان سبعة بدو مع كلبهم الثامن، يخرجون من صومعة الكهف ويواجهون القتل من قبل العسس، واحداً تلو الآخر حتى كلبهم الوفي والحارس الامين، لم يسلم من القتل والموت، هؤلاء الشبان السبعة، هم طلبة العلم والفكر والدراسة، مسالمين لا يحملون إلا الخير والفكر الحر، واسمائهم هي عنوان الجمال في البشر والطبيعة، بما اكمل الله من خلق من جمال، الذي يفيد البلد والناس بالخير، في خصب ثمارهم الجميلة، وتبدأ اسماء الشبان السبعة حسب ترتيب خلق الكون والبشر في رقم سبعة، واسمائهم (جميل. حلو. نور. ضياء. نهار. قداح. ريحان وكلبهم الثامن الجميل ذو الشعر الابيض). هؤلاء الشبان السبعة، كل يوم يخرج واحد منهم من الكهف الى الخارج الى السوق والمدينة (بغداد المدورة) لطلب الخبز والماء، يصحب الكلب الوفي معه، لكنه يتعرض للقتل والموت من قبل الشرطة أو العسس، وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبراً، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة ربما تعود لشاب بدوي، والشرطة تجري تحقيقات لمعرفة أسباب القتل، ولكي تعرف على البيانات الكاملة، هذه الصيغة ذكر الحدث المأساوي، تتكرر مع كل شاب من هؤلاء الشبان السبعة، يواجه مطاردة الشرطة او العسس حتى تتمكن من قتله أو قطع رأسه، و تتنصل من جريمة القتل والاتهام، البعد الرمزي والفكري في خروج الشبان السبعة من الكهف، الى طلب الطعام والماء، يعني مطالبة الباب بالعيش الكريم وحياة مستقرة وآمنة بدون عنف وارهاب، تعني هذه الدلالة الرمزية، بأن الصراع بين الخير والشر هو ازلي منذ العصور القديمة الى عصرنا الحاضر، الصراع بين الجمال والقبح مستمر ويدور ويتشكل بأوجه وصفات مختلفة ومتنوعة، الصراع بين الفكر الحر النبيل، وعقلية الإرهاب والقتل تظل حية وقائمة وتشتد اكثر عنفاً في كل زمن، مثلما نجده في واقعنا الحاضر، قوائم وركائز الصراع القائم حالياً بين العدل والباطل، الأول يملك العقل والوعي والإدراك والمحاججة والحوار، والثاني يملك لغة السلاح الفتاك، ولكن عندما يوجد ظلم وحرمان توجد ردة فعل بالرفض والتمرد والمقاومة بشكل طبيعي، وعلمتنا تجارب التاريخ، بأن اصحاب العلم والفكر التنويري والحر، هم ضحية الانظمة الطاغية، وعلمنا التاريخ والقديم، الكثير من شهداء الحق والكلمة الحرة، فهم مطاردون نصيبهم الاعتقال والسجن والموت من الشرطة المغولية (خرجت مفرزة العسس من بناية المكتبة المركزية يتقدمهم آمرهم المقدم، فيما هم يكبلون ايدي الشبان السبعة ويغطون رؤسهم بأكياس قماشية سوداء، لا يرى منها شيئاً، وقد وضع كل عسس يده الاخرى على رأس شاب من الشبان السبعة فأحناه، واحنى ظهره، واركبوهم العربة الخشبية وسارت بهم نحو مركز بغداد المدورة) ص35، هذا مغزى الصراع من اجل الحرية المفقودة الطريق، ليس سهلاً، بل معبداً بالدماء والشهداء، التضيحية من اجل الوطن والمثل والمبادئ العليا، تتطلب جهداً وكفاحاً متواصلاً، بجمع صفوف الشعب في كتلة موحدة في الصمود والمقاومة، لذا فأن هؤلاء الشبان السبعة يمثلون كل اطياف الوطن ونسيجه ولحمته الوطنية الجامعة، يمثلون صورة البلد المشرقة والمضيئة، امام الظلام الطغاة، هؤلاء الشبان يمثلون القيم السامية، وصادقون في جهادهم البطولي، بأقدام وثبات، رغم البطش والتنكيل، تضحية الشباب من اجل قضية نبيلة جامعة، هي اروع صور الفداء والتضحية للبلاد.
- كيف تم قتل الشبان السبعة؟؟
1- الشاب نور: يخرج من الكهف وينزل الى سوق المدينة، برفقة الكلب الوفي، لشراء الحاجات الاساسية، الطعام والماء، كأنه يطالب بحقوقه الاساسية في العيش الكريم، الخبز والحرية والسلام، وينزل الى شوارع بغداد المدورة، بغداد الحديثة من الاسمنت والشوارع المبلطة، وحركة السيارات والمارة، لكنه يواجه العسس في منع شراء رغباته، وتطارده في سياراتهم، حتى دهسته وارتدته قتيلاً، وفي اليوم التالي: تنشر الجريدة المحلية خبراً، مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة لشاب بدوي في احد الشوارع، وتجري التحريات والتحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الموت، ومعرفة البيانات الكاملة.
2 - الشاب جميل: يتذمر من حالة الناس في محاصرة الحياة وخنقها، ويحزن مع رفاقه بخسارة صديقهم نور، في دهسه في سيارة العسس، رغم انه شاب مسالم طالب العلم والدراسة، لقد غادر (جميل) المكتبة المركزية الى المدينة، كأنه غادرها الى المجهول ولن يعود.. بقية الشبان يحذرون (جميل) من العسس، أن يكون حذراً، لان اجراءات الارهاب صارمة بالقتل والعنف، وجعلوا المدينة في حالة خوف ورعب، وتساءل مع نفسه (هل هناك أزمة بين الناس والشرطة؟ أم أن كلمة أزمة كبيرة على هذه العلاقة؟ أم أنها كانت ملائمة لتوصيف هذه العلاقة؟ ربما كانت هي كذلك) ص73، واوقفه المارة في اخباره عن مصير صاحبه، فقالوا (اذا كنت تبحث عن صاحبك فقد دهسته سيارة، ومات، وجثته في مركز البلدة) ص74. وفجأة سمع لغطاً مدوياً كأنه كالرعد القاصف، وفجأة توقف كل شيء، برصاصة طائشة اخترقت ملابسه وجلده واستقرت في قلبه، ليسقط قتيلاً يسبح في دمائه، وهو يلفظ انفاسه الاخيرة، هكذا بكل بساطة قتل الشاب (نور) بسلاح الشرطة المسدس، وليس بسلاح السيف والرمح والنبال، وفي اليوم التالي: نشرت جريدة المحلية خبراً، بأن (الشرطة عثرت على جثة شاب متوفى، يعتقد بأنه شاب بدوي، والتحقيقات مستمرة لمعرفة البيانات الكاملة) ص80.
3 - الشاب حلو: يخرج من الكهف الى مكتبة المدينة، وهو في حالة حزن عن فقدان أصحابه (نور وجميل) بالموت المجاني، رغم أنهما كرس حياتهما للعلم والدراسة والفكر ولكل شيء جميل في البشر والطبيعة، في صفاتهم الصدق والنزاهة، وقول الحقيقة والحق، لكن الحياة تطارد كلمن يحمل في قلبه جميل، وكل منْ يطالب بالحق والحقيقة ويقولبحسرة (- أهكذا كتب عليناان ننهي حياتنا، ونحن نودع بعضنا البعض؟) ص80.، أهكذا تكون الحياة رخيصة بلا ثمن، كأن لا قيمة لحياة.، وجد نفسه محاصراً من قوات العسس، تراجع الى الوراء، حاول التخلص من محاصرتهم، لكن طاردوه حتى فتكوا به بقطع رأسه أمام عيون الناس، سقط على الأرض يسبح في بركة من الدماء، وسط احتجاج الناس لهذه الوحشية الدموية (- الله أكبر، لقد قتل حلو، هذا الذي احلى من عسل نحل البرسيم الصافي وكان ذكياً في درس الفلسفة، فكيف يموت؟ ولماذا يموت؟ وعلى أي شيءٍ يموت؟) ص88.. وفي اليوم التالي كالعادة، نشرت الجريدة المحلية، خبراً مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة شاب يعتقد انه بدوي مقطوع الرأس، وان التحقيقات جارية على قدم وساق لمعرفة الأسباب والبيانات الكاملة.
هكذا تدور نوائب الموت تخطف الشبان السبعة بالموت المجاني، حتى لم يسلم كلبهم من الموت، كأنها عملية مسح آثار الجرائم التي ارتكبتها قوات العسس و والتنصل منها، بالتلفيق الكاذب والمتعمد، بهذا الصراع الدموي العنيف، امتلئت ثلاجة الطب العدلي بجثث الشبان (كانت جثث الشباب المتوفين مكدسة في ثلاجة الموتى كوديعة) ص109. ولكن رغم العنف الدموي، فأن الشباب يواصلون التحدي والمقاومة، لأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة، هي قضية الناس والبلاد، وهتافهم المركزي (بالروح بالدم نفديك يا عراق) ص117. وان يكون العراق للعراقيين وليس لغيرهم، وان الحرية المفقودة طريقها صعباً (لم يكن طريق الحرية سهلاً يسيراً) ص134. ولكن الحياة تتجدد وتحيا من رمادها.
***
جمعة عبد الله







