قراءات نقدية
جبَّار ماجد البهادليّ: شِعرِيَّةُ الأَنَا وَالآخرُ المَنظورُ في مُدَوَّنَةِ "أحدُ الظِّلَّينِ.. أَنَا"
مِهَادُ التَّقديمِ: إنَّ أهمَّ ما يُميِّز قصيدة العمود الخليليَّة جماليَّاً وشكليَّاً مَنبريتُهَا الإيقاعيَّةُ في موسيقاها الخارجيَّة، وإنّ ما يلفت النظر فنيَّاً وإبداعيَّاً في قصيدةُ التَّفعيلةِ الحُرَّةُ شكليتها التعدُّدية وزناً وقافيةً وإيقاعاً. ومع هذا ذاك فإنَّ قصيدة النثر الشِّعريَّة التي هي إحدى نتاجات أجناس الحداثة الشعريَّة، وما بعدَ الحداثة شكلاً ومضموناً تمثِّل انتقالةً تجديديَّة مُهمَّة في مسار الشعر العربي عامَّةً والعراقيّ خاصَّةً.
فهيَ على الرُّغم من كونها تتحرَّر كليَّاً من تبعية الوزن والقافية، وتحتفظ قليلاً ببعض القوافي الترنميَّة التي تشكلُ تزويقاً لفظيَّاً وإيقاعيَّاً في نهايات أسطُرِها الشعريَّة، وبرغم التَّهويمَات والهَذرِ والهذيان اللُّغوي الذي أصابها، والإسهال اللَّفظي والجعجعة الصوتيَّة الجَوفاء التي طالت بِنيةَ جُملِها التركيبيَّة، وخاصةً عند الكثير من الشباب شعراءِ الغُموض اللَّا فنِّي والتعقيد اللَّفظي والمعنوي مِمَّن لا يُجيدون بِنيةَ الإيقاع الوزنيَّة، ولا يُدركونَ كُنهَهَا الحقيقيَ الإبداعيَ، وفنَّها الإمتاعي الجديد.
فإنَّها في الحقيقة تعتمد بالدرجة الأولى على عناصر فنيَّةٍ واشتراطاتٍ، وآليَّاتٍ إبداعيَّةٍ عديدةٍ ومهمَّةٍ مثل، (التَّكثيفُ الشِّعري اللُّغوي، والتركيز المَعنوي، والإشراقِ الضوئي، والإيقاع الداخلي)، كَالتَّكرَار الصَّوتي المُتجدِّد في الحُروف والكلمات والجُمل والمقاطع الشعريَّة التي تُضفي عليهاألقاً.
والحقُّ يقالُ إنِّ قصيدة النثر الشعريَّة الحداثويّة على الرُّغم من كونها تُعدُّ من أصعب الأجناس الشعريَّة الثلاثة المعروفة، وتَفتقدُ بنيتُها اللُّغويَّةُ إلى الموسيقى الخارجيَّة (وزنَاً وقافيَةً) في تأثيث شكلِ بِنيتِها الخارجيَّة، فإنَّها تَشترك مع أجناس الشعر الأُخرى في كثير من عناصره المُهمَّة، فتأخذ من الشعر العربي قديمه وحديثه -عدا (الوزنِ والقافيةِ)- خاصيةَ (التَّركيز المَعنوي، والإيجاز أو الاقتصاد اللُّغوي، والوحدة العضويَّة والموضوعيَّة المُغايرة، والإبداع الشِّعري، وثَراء المُوحيات الدلاليَّة والرمزيَّة والغُموض الفنَّي). وهذا التَّحرُّر الشكلي من النظام الوزني الخليلي قد قَربَ المسافة البَينيةَ والنفسيَّة الكبيرة بين الخِطابينِ الشِّعري والنثري في القصيدة كما ذهبَ لذلكَ أدونيس.
هذه المقدِّمة التي تصدَّرت مِهادَ الدِّراسة الشعرية، والَّتي سِقتُها حَولَ آليَّات واشتراطات كتابة قصيدة النثر الشعريَّة الحديثة تَنطبق تماماً في كثير من أنساقها الإبداعيَّة ورؤاها الفلسفيَّة والجماليَّة على تجربة الشاعر العراقي الجَنوبي المَيساني المُثابر الشَّاب رَحيم زَاير الغَانم في مجموعته الشعريَّة الموسومة، (أحدُ الظلَّينِ ..أنَا)، والصادرة بطبعتها الأولى عام2024م عن منشورات الاتَّحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، وبحجم كتابي متوسِّط القطع بلغ نحوَ سبعينَ صفحةً.
وهي المجموعة الشعرية الخامسة في سجِّل نتاجات ومدوَّنات الشاعر الغانم الإبداعية، وتمثِّل خلاصة ما وصلت إليه تجربته الشعرية من نضوج فنِّيٍ في تجريب إنساني ذاتي ومَعرفي جَمعي عَمَّا في قصيدة النثر من مخبُوءاتٍ جَماليَّة وقُدراتٍ إبداعيِّة فِي التعبيرعن تصاميم لوحاته الشعريَّة المُتعدِّدة الصور والدلالات والإيحاءات التي رسمها في مقارباته الذاتيَّة مع ظلِّه الآخر المنظور.
وقبلَ أنْ نُجيلَ النظر معرفيَّاً في البحث عن فتوحات الشاعر الغانم وتتبعِ أثرِ حُفريَّاته وَلُقَاهِ الشعريَّة في هذه المجموعة، ومن ثمَّ تقفِّي آثارها الموضوعية، والكشف عن وقعِ مُعمياتها الفنيَّة والجماليَّة والإشراقيّة -هذه المُدوَّنة- الِّتي تضمَّنت أربعاً وثلاثينَ نصَّاً من قصائد النثر القصيرة الطول ذاتَ الكثافة التعبيريَّة والاختيارات الموضوعيَّة المُلتقطة عيِّنَاتُ صُورِها الفنيَّة، ومُوحياتُها الرمزيَّة والدِّلاليَّة العَميقة بِعنايةٍ فائقةٍ وإدراكٍ ووعي كبيرمن مَنابت عَقابيل الواقع الجمعي المَّعيش ورهانته الوجوديَّة المُشتركة التي تُلامسُ طبيعةَ وحياةَ الإنسان ابن البيئة التَّحوُّلات العَصريَّة.
لا بُدَّ وأنْ نفككَ شفرات عتبة العنوان اللُغويَّة الرئيسة لِمجموعة الغانم (أحدُ الظلَّين.. أنا)، ونستجلي جمرات معانيها الجمالية المُتَّقدة، ونُسلطُ الضوءَ على أهمِّ مُوحيات مُوضوعاتِها المعنويَّة والدلاليِّة القريبةِ والبعيدةِ. هذه العنونة التي هي إحدى عتبات النصِّ المَوازي (الرسالة) المُهمَّة التي ارتكز عليها معجم الشاعر في بناء خطابه الشعري وهندسة عُمارة رسالته الشعريَّة الإنسانية حين قدَّم عَتبةَ النَّصَّ الجُزئي الداخلي الفرعيَّة (أحدُ الظلَّينِ ..أنا) على الكلِّ؛ لتكونَ لافتةَ العُنوان كُلَّاً موضوعيَّاً مُوحداً كَثُرَيَّا سامقةٍ مِنْ (ثُريَّات النِّصِّ) الضوئيَّةِ. والتي هي أيضاً بوابة الدخول الإبلاغيَّة المائزة التي تؤدِّي إلى مَدينة الشعر الفاضلة ومثاباتِ الشَّاعر ومحطَّاته الشعريَّة المُتشاطئة جَماليّاً.
فالمعنى الدَّلالي القريب لمُوحيات جملة العنوان الاسميَّة (أحدُ الظلِّينِ ..أنا)، تشي بأنَّ أحد ركني هذين الظلِّين، هو الشاعر ذاته، أو ما يُسمَّى في النقديَّة بـ (الذاتِ الشعريَّة)، ولا بدَّ أنْ يكون الشاعر رُكنها الأول اليَمين. وهو بالتالي يعدُّ إقراراً واعترافاً مباشراً عن سرِّ الذِّات الأنويَّة الشَّاعريَّة التي تقنَّعتْ بقناع الرُّكنية وتلبَّستْ به، وأُكَّدَتْ بضمير الشَّاعريَّة (أنَا) الرافع لنفسه خبرَاً. وهو بالتأكيد المعنى الدلالي الظاهر لنسق الشعريَّة الثقافي الذي لا يحتاج إلى تجلٍّ أكثر من هذا الأثر الأنوي.
أمَّا المعنى الدلالي البعيد، وهو النسق الثقافي الخفي لهذه الشعريَّة الثنائيَّة، فَتُشيرُ مُوحياته النسقيَّة بوضوحٍ وجلاءٍ إلى الذات الآخريَّة، سَواءٌ أكانت هذه الذات فرديةً أم جمعيَّةً مُشتركةً. وقد تكون هذه الذات التي رَمَزَ بِها إلى هُوِيَّة الآخرِ مَاديةً أو معنويةً، كأنْ تكونَ حَبيبةً أو وطناً أو مجتمعاً أو طبيعةً أو رمزاً مَعنويَّاً ما. فالمُعادل الموضوعي القائم بين معنى الدالتين (الظليَّة)، هو الهمُّ الجمعي المشترك، والخروج من حدود الذاتية الأنويَّة الضيِّقة إلى مرافئ وشطآن الأنوية الموضوعيَّة الجمعية المُشتركة التي تؤلِّفُ هرمَ الجامعة الإنسانية. وكأنَّ لسانَ حال الشاعر الغانم في تآلفه مع هُوِيَّة الآخر يُردِّدُ تلكَ العبارة الوجوديَّة الهَاملتيَّة الشَّهيرة (أكونُ أو لا أكونُ) إلَّا مع الآخر وإلَّا فَلَا.
وهذا يعني إجمالاً أنَّ الشاعر رحيم زاير الغانم في جميع مقارباته الصوريَّة وتدفقاته الشعريَّة وتناصاته اللُّغويَّة الرُّوحيَّة والدينيَّة، وتمثُّلاته الانزياحيَّة، وإيقاع جَمال بلاغته الأُسلوبية الجديدة، ومضمراته الشعريَّة الدافقة التي كانت أشدَّ ظهوراً وتأثيراً نفسيَّاً وصوتيَّاً واضحاً في تعبيراته التكثيفية. كانَ الغانمُ -بِحقٍّ- عاشقاً مُحبَّاً لِهُوِيَّةِ ظلِّ الآخر المُؤثِّر، بل كان في أعلى درجات الهُيَام به، لا مَعشوقاً من قبل الآخر. كونهُ الصَّوتَ الشِّعريَ المَحكيَ، والآخر هوَ الصَّدى الراجعُ عنهُ. فلا صَوتٌ من غير صدىً، ولا وجودٌ حقيقيّ من غَيرِ عَدمٍ، ولَا وَطنٌ من غيرِ أثرٍ لِمنفىً في الحياة. وقد نوَّهَ الشَّاعر لهذه الخاصية التأكيديَّة حينَ وظَّفها في عتبة الإهداء التي سبقت عتبات المُدَوَّنة.
"إلَى مَنْ يَعِي: إنَّ الأوطانَ فَضاءُ الحُرِّيَّة الرَّحِبُ، لَا مَرافِئَ لِلمَنفَى" (أحدُ الظلِّينِ.. أنَا، ص 5)
إنَّ فضيلةَ العنوان وجمالياتهِ اللُّغويَّةَ والدلاليَّةَ تُحيلَنا إلى التساؤل الفكري التالي الذي يلقي بنفسه على يقظة المتلقِّي الواعي، ويُثيرُ حفيظة القارئ النابه بحثاً عن إجاباتٍ شافيةٍ مُفيدةٍ ونافعةٍ للنفس: إذا كان الشاعر ذاتهُ أحدَ الظلِّين، وهو اعتراف مُباشر ظاهرٌ وإقرارٌ ذاتيّ بَائنٌ ومُعلنٌ لا خفاءَ لهُ سوى التجلَّي، فَيَا تُرَى مَا ذلكَ الظلُّ المُستترُ والمُضمرُ الآخرُ الذي يبحث عنه رحيم زاير الغانم في طيَّات نصوصه الشعريَّة المُحتشدة بالأفكار، ووحداته الموضوعيَّة المُكتنزةِ بِالتعدُّديَّة والتداخل المعرفي الواقعي والمخيالي الأسطوري الماتع.
-أربع وثلاثونَ قَصيدةً نَثريَّةً، كُلُّ نَصِّ من نصوصها النثريَّة يَطرحُ ظِلِاً شِعريَّاً مُستتراً آخر من ظلال الغانم الثقافيَّة والنَّسقية الجَوهريَّة المُضمرةِ الِّتي تَتطلَّب مِنَ القارئ الألمعي النابه تحليلاً موضوعيَّاً خاصَّاً في فَهم عَلاقتها التأصيليَّة المُتوحدنة مع تلابيب وجسد الوحدة العضويَّة لِهرمِ هذه المُدوَّنة الشعريَّة ونسيجها التكويني المُترابط شكلاً ومضموناً ولُغةً وأسلوباً شعريَّاً ومُعجميَّاً شاعريَّاً.
إنَّ أُوْلَى ظلالِ مرافئهِ الشعريَّة المُستترة، هيَ البَوحُ بعدالةِ الآخرِ، وثَاني ظلالهِ الجميلة، تلكَ القصيدة الداخلية التي تصدَّرت لَوحةَ الغلاف الأولى لهذه المجموعة، فكانت إلمامةً ذاتيةً جميلةً في البحث عن تمثُّلات الحُريَّة التي تجسَّدت في طائرين مُقيدينِ، جناحاهما أحد الظلِّين، فإمَّا حَياةٌ أو مماتٌ لا ثالثَ لَهما. فَلْنقرأ ما يقوله الغانم من تَهجُّدَاتٍ بحقِّ ظلِّه الآخر الذي التقاهُ بَعدَ ظلامٍ حَالكٍ:
قَالَ: أَحدُنَا لِأحدِنَا لِنَفتَرِقَ
عَلَّ وَاحدَاً مِنَّا يَنجُو،
غِرنَا فِي ظَلامٍ حَالكٍ
وَغَارتْ مَعنَا الأُمنيَاتُ
وَمَا التقينَا إلَّا بِانقشَاعِ غُبَارِ الخَوْفِ
ظِلَينِ مُرتعدِينِ فِي لَيلةٍ مُقمرَةٍ (أحدُ الظلَينِ.. أنَا، ص 9)
ثمَّ تتوالى ظلال الغانم الشعرية بتساوقٍ، فيأتي موضوع البحث عن التِّيهِ والشتات هروباً من قساوة الواقع اللَّاهب آخرَ الكي الذاتي، وتأتي مُتضادة (الكرِّ والفرِّ)، وجدليَّة (الغيابُ والحُضورُ) لتكشفَ عن بعضِ تَمظهرات هذه الظلَّيَّة الواثبة. وَعَلى الرُّغم من ذلك التَّشظي فلا بُدَّ من اللَّقاء، وإنْ كان ذلك حاصلٌ أمام بَراكينَ الأوطان الحَقيقيَّة. وقد يَكونُ اغتيالُ الجَسدِ الظِلِّي وبقاءُ الرُّوحِ موضوعاً روحيَّاً وفكريَّاً من تجليَّات تلكَ الظِّلالِ التَعدُدية التي تلوح في أفق الشاعر فتُعذِّب روحه الثائرة وتؤنِّب وجع ضميره المستتر خلف قضبان الروح السميكة.
ويَنزاحُ الغانمَ رَحيمٌ في أُسلوبيته الشعريَّة كثيراً، فيتساءل مُستنكراً سَاخراً، لمن تُغرِّدُ البلابل؟ كنايةً عن تلك الخسارات المتوالية التي تتعرَّضُ له أقبيةُ الذَّات المَأزومة. فتأتي مواسم العمر الكسيح الضائعة استكمالاً لمسار ذلك النشيد التغريدي المستهجن. ويتحدَّث الشاعر الغانم في نسغ تراتيله الظلِّية المتراتبة عن وقع الأيام البالية، وتأثيراتها النفسيَّة والرُّوحيَّة المُوجعة الأليمة.
وقد يَتبدَّد ذلك الشُّعور الضافي بالحسرات حِينَمَا يكون الحبُّ مَخصوصاً بِحُبِّ العراق الذي يُشكِّلُ وَلَهَ الشَّاعرِ الأثيرَ وَمكمنَ نجواهُ. وبَالرُّغم من ذلك الحُبِّ وقداسته الوطنية، فإنَّ نكبات الشاعر وخيباته تتكرَّر باستمرار، فتكونُ جَمراتُ الهَزيمة وَقَعَاً مُؤلمَاً من وقائعه الذاتية المُعلنة. وعلى الرُّغم من هذه المناورة الظلِّية وتلك فإنَّ الشاعر يَبحثُ عن وطنٍ صغيرٍ أو مَلاذٍ آمنٍ يأويه اسمه البلدة الصغيرة لتكونَ مثابةً لاحتواء الذات التي لا تُعمرُ أو تَخضرُّ إلَّا بانتظار الحَبيب المَوعودِ:
صَبَاحُ الخَيرِ يَا وِجْهَ أُمِّي
قِبْلَةٌ أُوْلَى عَلَى أعتَابِ الرُّوحِ
سَمَاءٌ مِنْ سُحَابِ اللهِ
تَفُوحُ نَدَىً وَطِيبَاً،
حُلمٌ بِربيعٍ تُخَلِّدهُ كَركرَةُ الصِّغِارِ
ظَلَالُ جَدائلِ الحَبيبَةِ
قَلبٌ يَفرُّ مِنْ عِنَاقٍ وَشَوقٍ (أحدُ الظلِّينِ أنَّا، ص 47)
وإذا كان الضياع عنوناً لإحدى مفردات الشاعر في خريف ظلاله الخفيَّة المتساقطة، فإنَّ النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله من حطبٍ، وتأخذ ما تُريده، هِيَ ضالتهُ الحِكَمِيَّةُ أمام الواقع الذي لا مناصَ من الإفلات منه. أمَّا موضوعاته الأخرى التي تصوُّر الغوص في المجهول واتِّساع رقعة البُؤس والشُّعور بالوحدة والاغتراب المكاني، فَهيَ لاشكِّ موضوعاته الأنويَّة مع هُوِيَّة الآخر. وهذا الآخر الذي تَظهر تمثُّلاتهُ في أصغر حبَّاتِ الكَرزِ، أو في حَبيبٍ لَذيذٍ يُشبِهُ قِطعَ حَبَّاتِ البَرَدِ.
وقد تتَّخذ تلكَ الهُوِيَّةُ الشعريَّةُ ظلالاً ومثاباتٍ ضوئيَّةً أخرى، فتأتي على شكل متوالياتٍ شعريةٍ تنتظم جملها الشعرية بعنواناتٍ صغيرةٍ مُبهرةٍ عَنْ مرادفة (الثورةِ والثَّائرِ)، وعنْ وجعَ الوَطنِ الجريحِ النَازفِ، وعن قيمِ الشَّهادةِ والتَّضحيةِ، وعنْ تَعَدُّدِ الهَجْرِ وأسبابه، وعن بَوحِ الشاعريَّة أمام لُغةِ الصَّمت، وعن الخَطيئةِ التي لا تُغتفرُ، وعنْ لِحظاتِ شهادةِ اغتيالِ الوَطن المُفاجِئ، وعن خَيَاراتِ المُصادفةِ التي لم تكُنْ خَياراً إراديَّاً مَطروحاً أمام تجلِّيات الواقع لمواجهة الحقيقة الناصعة.
ويأتي بابُ الحُريَّةِ الحمراءِ الَّتي تُؤخذ ولا تُوهبُ مَوضوعاً مصيريَّاً من أناشيد هذه المجموعة الذاتيِّة المَكَمّلة لِظلِّ الآخر؛ فتكونُ شَاهداً شعريَّاً على وقائع التاريخ الراهنِ. وَيَختتمُ الشَّاعرُ الغانمُ ظلالهُ الباطنيَّة المُتوارية خلفَ أنساقِها الثقافيَّة الجَوهريَّة في مدونته الشعريَّة (أحدُ الظلّينِ ..أنَا) بلوحةٍ شٍعريةٍ تًجريبيةٍ أطلقَ عليها اسمَ (أُحجِيَةً)، وَرَاحَ يُسائِلُها ذاتيَّاً عن الغدِ الآتي المُنتظر الذي يُفِّقسُ من بيوض طائر اسمه (الفَاختةُ)، ليكونَ رَمزاً لِحُلِمِه الآخر عَنِ النهرِ وغُصنِ الزيتون، وعنِ الفِردوسِ المُتواري خلف تلال الحياةَ الرُّوحيَّة البعيدةِ.فلنقفْ قليلاً أمامَ تساؤلاتِ الشَّاعر وتَكرَارَاتهِ:
أيتُّها الفَاختَةُ،
مَتَى يُفَقِّسُ مِنْ تَحتِكِ الغَدْ؟
مَتَى يُداهِمُ عَشَكِ الزَغَبْ؟
مَتَى يَدورُ الحَديثُ عَنْ طائِرِ الأحلام؟
عَنِ النَّهرِ وَغُصنِ الزَّيتُونِ
عَنِ الفِردوسِ المُتوارِي وَراءَ التَّلِّ
عَنْ صِبيَةٍ تَتْرُعُ فِي مَلكُوتِ اللهِ الأمنِ، (أحدٌ الظلِّينِ.. أنَا، ص 64)
على وفق هذه الشاكلة الفنية الدافقة شعراً، رَسمَ الغانم رَحيمُ خطوطَ لوحاته الشِّعرية الظاهرة والمُضمرة، إيماناً منه أنَّ الجواهر الخفيَّة ليس كالأعَراض الجَليَّة المَكشوفة للعيان، ولوَّنَ فَضاءَ مِساحاتِ لوحاته التجريبيَّة بألوان مختلفة شتّى من رؤاه الفلسفيَّة وصوره الفكريَّة المُتخيَّلة عن الآخر، وأسبغ عليها نسغاً من خزائن ثَراء تَجربته الشعرية المُتراكمة، وسعةِ قُدرتهِ الثقافيَّة المُكتسبةِ.
وكلُّ مُعطيات الشَّاعر وفتوحاته الشعريَّة النثرية في تلافيف قصائد مدوَّنته الشعرية هذه تُشيرُ بإنصافٍ وموضوعية إلى أنَّ رحيمَ الغَانمَ لا يَقولُ الشِّعرَ بطراً للآخرَ كيْ يَستمتعَ رُوحيَّاً ويُمتِّعَ ذائقتَهُ النفسيَّةَ بجمالياتهِ الشِّعريَّةِ الرَّائقةِ، وإنَّما كان يرى الشِّعر والتقاطاته الموضوعيَّة في عُيُون الآخرَ صُوراً تمرديَّةً وتحريضيَّةً تتابع مشاهدُها الحَدثيَّةُ تترى كي يُفكِّرَ بِها، وَيَستأثرَ بوقعهاالآسرِ؛ فينتقض على أعقاب الواقع التالف، وهذا هو الهدفُ والغاية والمَقصدُ الأهمّ من الجَوهر لا المظهر.
فالبيتُ أو السَّطر الشِّعري الذي لا يُصيبُ بِمعناهِ الشِّعري سِهامَ الحَقيقةَ ونبضَها يَخيبُ بَمبنَاهِ التَّركيبي ويَفشل في مواجهة الرَّاهن، والقصيدة النثريَّة التي لا تُخلِّد نفسَها وتَنهضُ بنفسها لا تُخلِّد شأنَ شاعرِها الرمز. والشَّاعر الألمعي الفحل الذي لا يَمتلك اللُّغة الحيَّة والإحساس العالي والثقافة الحقَّة لا يكونُ شَاعراً بِالمَعنى الإبداعي والجمالي، ولا يُمكنُ أنْ يكونَ صاحبَ مَشروعٍ فِكريٍّ وثقافيٍّ واثبٍ. وكلُّ هذا يشي بأنَّ قصيدة النثر الشعريَّة ليس من السهل أن ترفع من مَقام شَاعرهَا الهُمامِ مَا لَم يَمتلكْ أدواتهِ ويَتغلَّب على جميع عناصرها الأساسيَّة فَيسدُّ مَسدَّ هنَّاتِها بإمتاعٍ وابتداعٍ.
***
د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ







