عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الألفُ واللامُ بين التعريفِ والتوصيل

جدلُ البصريين والكوفيين في بنية الدلالة العربية

تُعَدُّ "أل" من أدقِّ الأدوات في العربية، لا لكونها علامةً تعريفية فحسب، بل لأنها تُجسِّدُ مفترقَ طرقٍ بين مدرستين نحويتين كبيرتين: مدرسةِ البصرةِ التي تُحكِمُ الصناعةَ بضوابط القياس، ومدرسةِ الكوفةِ التي تُوسِّعُ أفقَ السماع وتُجيزُ ما شهد له الاستعمال. ومن هذا المفترق تتولَّدُ قضايا لغوية دقيقة، تتعلّق بوظيفة "أل" ومعناها، وبعلاقتها بالمشتقات، وبموقع "الآن" في النظام الزمني، وبالوزن الصرفي بوصفه مِعْياراً عند الكوفيين يقابل الإعراب عند البصريين.

أولاً: "أل" بين التعريف والموصولية

يرى البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، أنّ "أل" حرفُ تعريفٍ محض، وظيفتُه إدخالُ الاسم في حيّز التعريف، لا غير. فهي عندهم أداةٌ دلالية تُكسِبُ الاسمَ خصوصيةً أو عهداً أو استغراقاً، لكنها لا تنهضُ مقامَ الأسماء الموصولة. ومن ثمّ لا يجيزون تفسير "أل" في نحو: الضاربُ زيدًا بمعنى "الذي ضرب زيدًا"، بل يعدّون "الضارب" اسمَ فاعلٍ مُعرَّفاُ بـ"أل" لا غير، وعلاقته بالفعل علاقة اشتقاق لا صلة موصول.

أما الكوفيون، ومنهم الفراء، فيرون أنّ "أل" قد تتجاوزُ التعريفَ إلى معنى الموصول، فتقوم مقام "الذي". وبذلك يفسّرون قولهم: مررتُ بالضاربِ زيداً على أنّ التقدير: "بالذي ضرب زيداً"، فجعلوا "أل" رابطةً بين المشتقّ وصلته، تُنشئُ بنيةً شبيهةً بالموصول الاسمي.

هذا الخلاف ليس شكلياً، بل يمسُّ جوهرَ النظر إلى اللغة:

فالبصريون يُحافظون على نقاء التقسيم بين الحروف والأسماء.

والكوفيون يوسّعون وظائف الأدوات وفق ما يتيحه الاستعمال.

ثانياً: "أل" الداخلة على المشتق: بين التمييز والتوصيل

يؤكّد المبرد، ممثّل الاتجاه البصري المتأخر، أنّ "أل" في المشتقات ليست إلا علامةَ تعريفٍ وتمييزٍ للاسم، تُخرجه من التنكير إلى التعيين، دون أن تُغيّر بنيته الاشتقاقية. فـ"الضارب" عنده اسمٌ باقٍ على اسميته، و"أل" لا تُنشئ فيه صلةً ولا تحتاج إلى عائد.

بينما يُصرّ الكوفيون على أنّ "أل" في هذا الموضع تُكسِب المشتقّ قوةَ الفعل، وتجعله أقرب إلى الجملة الفعلية المختزلة، حيث تتضمّن معنى الحدث والفاعل والمفعول، وهو ما يفسّر اتساعهم في إعمال اسم الفاعل والمعمولات.

ثالثاً: "أل" في "الآن": بين الزيادة والأصل

تُثير لفظة "الآن" إشكالاً دلالياً وصرفياً.

فالبصريون يميلون إلى اعتبار "أل" فيها زائدةً للتعريف، وأنّ أصل الكلمة "آن" بمعنى الوقت الحاضر، ثم أُدخلت عليها "أل" للتوكيد أو التعريف.

بينما يرى بعض الكوفيين أنّ "أل" فيها جزءٌ من بنيتها الدلالية، حتى كأنها تُثبّت اللحظة في الوجود، فتجعل "الآن" زمناً مُعيَّنًا لا يُتصوَّر انفكاكه عن الحضور.

ومن هنا يتجلّى الفرق بين المدرستين:

البصريون يُفسّرون بالبنية، والكوفيون يُفسّرون بالاستعمال.

رابعاً: الوزنُ عند الكوفيين والإعرابُ عند البصريين

من أعمق الفروق المنهجية أنّ الكوفيين يُعطون للوزن الصرفي منزلةً تقارب منزلة الإعراب عند البصريين. فالوزن عندهم ليس قالباً شكلياً فحسب، بل دليلٌ على المعنى والوظيفة. ومن هنا يتوسّعون في الاحتجاج بالشواهد الشعرية، كما في قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حُكومَتُهُ

حيث تُقرأ "الحَكَم" بوصفها على وزنٍ يُكسبها دلالةً مخصوصة، ويُفسَّر دخول "أل" فيها على ضوء هذا الوزن الذي يُحدّد طبيعة الكلمة ووظيفتها.

أما البصريون، فيُقدّمون الإعراب بوصفه الحاكم الأعلى في تحديد المعاني، ويرون أنّ تغيّر الحركات هو الذي يُنتج الفروق الدلالية، لا مجرد الوزن.

خامساً: بين القياس والسماع: فلسفةُ الخلاف

يتجاوز الخلافُ حدودَ "أل" إلى رؤيةٍ أعمق للغة:

فالبصريون يُقيمون نظاماً منطقياً صارماً، يجعل اللغة نسقاً قابلاً للضبط.

والكوفيون يرونها كائناً حياً، يتّسع لما قاله العرب، ولو خرج عن القياس.

ومن هنا نفهم قولهم إنّ "الوزن عند الكوفيين كالإعراب عند البصريين": فكلُّ مدرسةٍ تتّخذ معياراً تُقيم عليه فهمها للغة، وتبني عليه أحكامها.

خاتمة: "أل" بوصفها أفقاً دلالياً

ليست "أل" حرفاً جامداً، بل أفقٌ دلاليٌّ يتّسع بين التعريف والتوصيل، بين الثبات والتحوّل. وفي الجدل بين البصريين والكوفيين تتجلّى عبقرية العربية: لغةٌ تُمسك بالمعنى من جهتين، جهةِ القياس وجهةِ الاستعمال، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام التأويل.

وهكذا يغدو البحث في "أل" بحثاً في فلسفة اللغة ذاتها:

هل المعنى يُصاغ بالقواعد، أم يتخلّق في الاستعمال؟

وهل الحرف حدٌّ فاصل، أم جسرٌ بين الدلالات؟

ذلك سؤالٌ لم يُغلق منذ سيبويه حتى اليوم، وسيظلّ مفتوحاً ما بقيت العربية حيّةً تنبض بين نحوٍ يُقنّنها، وشعرٍ يُحرّرها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين