قراءات نقدية
عبد الجليل مرتاض: أنّات وحنين في "إلياذة" عبد العزيز شبّين
كيف غَريتُ بالموضوع؟
هو ذا شاعرنا الدكتور عبد العزيز شبّين يغمرني بلطف منه مَرْجُوٍّ محتواه بغير قليل من الصدق والحماس ملتمسًا مني أن أسهم في تحبير إسهام، ولو قصيرًا لينضاف إلى الإسهامات التي سبقتني من أساتيذ ضليعين معطائين من مختلف المشارب العلمية والثقافية والفكرية والإبداعية وحتى الدينية، الأمر الذي جعلني أحجم إحجامًا أكثر منه إقدامًا، من جراء ما خامرني أني لا أجد مساحة يمكن أن تفيد إفادة نوعية لافتة إلى ما تقدمها من إسهامات تحليلية لعلماء جلَّة يندر أن يجود بهم الزمن أكثر من مرتين، وفي فترة واحدة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه سبق لي أن دَلوْت دُليّي حول ذات الموضوع بدراسة ــــ أحسبها ــــ مُسْتفيضَةٍ، إن لم يصَبها وابل فطَل، وهذا الأمران كانا كفيليْن وملجمين لي بالتردد واستثقال الخوض قيما خاض فيه علماء جزائريون وعرب قد يُعَدُّ ما يخاض بعدهم صَغارًا وقلة إجلال.
غير أن ما أثلج صدري طمأنةً وجعلني ألاّ أتضايق من أي حرج أمران لعل كليهما أحْلى من صنوه، فمن جهة أن نصًّا إبداعيًا لا ينغلق بقراءة إلا لينفتح على مصاريعه أمام قراءات لاحقة، ومن زاوية أخرى أنَّ إسهامي لا يقوم مقام ما تقدّمه ولا حتى ما يمكن أن يعقبه بقدر ما هو تفاعل مع هذه الملحمة الكبرى، ولا شأن لتفاعلها بما قيل أو سوف يقال هنا وهناك، ومن هذا وذاك، حول ملحمة الجزائر الكبرى للشاعر عبد العزيز شبّين إلى درجة تصوُّر أن من قال شيئًا حول نص، ومن لم يَنْبِسْ نُبْسة حوله سيَّان، ولا سيما بالنسبة إلى من ينكرون وجود كائن اسمه " نصّ"، لأن كل متلقٍ تالٍ يجب أن يتفرّس النص المُقْدَم عليه تفرّسًا له، وهو في درجة الصفر، وإلا كان القول الأول حوله أفضل من أي قول سابق، هذا إذا اعتبرنا في لحظة من لحظات وعينا أن التلقيات المتتالية شكل من أشكال الإبداع، لا اجترار وتكرار مصداقًا لقول من تقدمنا:
عوجَا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حِزامِ
أو قول الثاني:
ما أرانا نقول إلا معـــارا
أو معادًا من قولنا مكـرورا
أو قول ثالثهما:
هل غادر الشعراء من مُتَــرّدَّمٍ
أمْ هل عَرَفْتُ الدار بعد توهّـــَمِ؟
غٍراءات أخرى؟
وثمت إغراءٌ آخر قد يكون ابتلاني بإدلاء دلوي وَسْط هذه الكوكبة أن ما سبق لي أن خضته في ذات المدونة لم يشمل غير تمهيدها الخلفي المؤلّف من ثمانية وعشرين مقطعًا إرهاصيًا لما سيعقبها، وأصدق المتلقي أن دراستي لتمهيد هذه الملحمة أشقّ على الدارس من سائر مقاطعها المائة والثلاثة والستين (وهو الكم الثاني من الملحمة).
ذلك أن مقاطع التمهيد خميلة متداخلة من المعلومات التاريخية والحضارية والفنية والجيولوجية والجغرافية... وأسماء لشخصيات وقادة وطنيين وأجانب مرّوا من هنا مرور شرور،... معلومات معقدّة معظمها لا يخلو من لُبْسة وتلبيس من أقلام ومصادر جلّها مغرض وموجّه توجيهًا من وراء البحار لطمس الوقائع التاريخية وختمها بخاتم الريبة، اعتور أدوارها أجناس غربيّة وفدت وفودًا غير مرحّب به يمتلك ماضيها السحيق والقريب سجلاً ثقافيًا قائمًا تنفُسُه حصريًا على البغي والقوة والعدوان، وهي ظواهر تتناقض مع غرائز الجزائريين والإنسانية كلها جمعاء إلا من طغا و شذّ وأبى.
ولعل ما أغراني على قراءة المقاطع التمهيدية وفطمها عن أمها (ملحمة الجزائر الكبرى) يعود لأمرين: أحدهما خلفي، ويتعلق باهتمامي المبكر، وأنا ما زلت طالبًا جامعيًا، بكل ما يخص تاريخ الجزائر القديم وتأثري الشديد بقادة عسكريين وملوك أمازيغ بحيث كانت بواكيري الأولى لافتة لفتًا متواضعًا مثل " الشخصية الجزائرية في حياة التاريخ "[i]، و" كتاب الروابط اللغوية المغاربية القديمة "[1][ii]. وهذه الروافد الخلفية الجاهزة منذ عقود (منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو مخطوط) أُغْرِيتُ بها لأتّخذها عضُدًا، وأما آخرها فمنهجي إجرائي صِرْف، ولذلك فلا يزال في أمنيتي شيء من هذه الملحمة إنْ سنأ الله في أجل ـــــ هو أعلمُ به ـــــ مُدْرَهِمٍّ.
تعريفات ملحمية:
-1-III ما هو شائع
إن التعريفات الشائعة لدى الدارسين المحدثين للملحمة في كونها محكيًا أو قصصيًا شعريًا يتغنّى بأفعال باهرة لأبطال يضطلعون بمغامرات بطولية عادة ما يسودها أخيلة ميتافيزيقية رَونقية جذابة لمرسلين إليهم يستلذونها استلذاذًا ما ورئيًا، وينبهرون بها انبهارًا على قدر عنفوان ما يوظف فيها الشاعر الملحمي من عناصر ينقلها من أشياء أو كائنات جامدة إلى عناصر حية متحركة.
-2-III تعريف ثانٍ
وبتعريف مرادف آخر، فإن الملحمة l’épopée (ذات الأصل الإغريقي) شعر طويل أو محكي récit ذو أسلوب رفيع حيث الأسطورة تمتزج بالتاريخ احتفاءً ببطل أو واقعة عظمى.
-3-III تعريف ثالث
وبتعريف ثالث، فإن الملحمة جنس أبدي قديم جدًا لا تكاد أمة ذات مجد أثيل تخلو ثقافتها التاريخية منه، والغالب عليه أنه جنس شعري يمجّد أحداثًا تاريخية ذات طابع ملحمي بطولي Héroïque وأسلوبي جزل، تتغنى به الأمة خلفًا عن سلف حتى ولو كان محض أساطير، كما وصلنا، وهذا من حسن نصيب الإنسانية كلها جمعاء، في أقدم وأعرق ملحمة جلجميشGilgamesh فيما بين النهرين (بين دجلة والفرات) Mésopotamien إلى الإلياذة المعزوة بقوة إلى هوميروس Humer وكذا الأدوسية، ليعقبه هسيودوس بقصيدة " الأعمال والأيام "، حتى وإن كانت هذه الأخيرة دون روعتي هوميروس للشعر الحماسي في الآداب العالمية قاطبة، وحتى الآن فإلى الإنيد l’Énéide للشاعر الروماني فيرجيل Virgile، فإلى المهابراتا Mahabharata وهي ملحمة سنسكريتية Sanskrite معزوة لمؤلف واحد، وقد تعد من أطول الملاحم القديمة إن لم تكن أطولها،... وما أشرنا إليه يعد أشهر الملاحم العالمية القديمة شهرة)[iii].
الألفية براءة اختراع بابلي
وبوقوفنا قصدًا أو عرضًا على إحدى الملاحم البابلية المسماة " ملحمة الخلق البابلية " أو " رقم الخليقة السبعة " المؤلفة من ألف بيت في سبع لوحات، لتخجلنا إذا كنا نظن ظنًا قطعياّ أن مصطلح " الإلياذات " الألفية من ابتكار المحدثين، بينما براءة اختراع فني بابلي بامتياز، ولعل المؤلف" المجهول " لقصة " ألف ليلة وليلة " كان أكثر ذكاء سواء كان على علم بذلك الموروث البابلي الفني أم لم يكن كذلك[iv].
ومن أجل ذلك، فإني أكبر ملحمة الشاعر عبد العزيز شبّين الذي عدل عن المألوف الألفي التقليدي، بما في ذلك متوننا اللسانية بوجه أخص أقدمهم العالم اللساني الجزائري الزواوي ابن معطي...
لِم أَعدَمَ الفنّ الملحميُّ عند العرب؟
لماذا جفّ شعرنا العربي القديم من جنس ملحمي؟ حتى لو كانت الانطباعات التي تَسِمُ النفسية العربية تتجه إلى إمكان وجود شعر ملحمي كسائر معظم الشعوب آسيويًا وأوروبيًا وشرقيًا، إلا أن شيئًا من ذلك لم يبزغ لديهم، والعوامل متعددة، منها ماهو داخلي ومنها ما هو خارجي، فالعرب كانوا يفتقرون إلى سلطة مركزية وشعور قومي خارج الشعور القبلي المتقوقع في فضاء ضيّق تبعًا لكل قبيلة، لأن الملحمة قصة سردية لإعادة بناء ما سبق أن قُصَّ هنا وهناك على مستوى أفضية شاسعة وأزمنة غابرة متتالية مرصَّعة بأحداث وعجائبيات توارثها أجيال متلاحقة، ومتى وجدت شاعرًا مُفلقًا وثقها توثيقًا سرديًا وفنيًا بحنكة إبداعية لما قيل لا لما سيقال.
فمعلقة عنترة قد تنبئنا بعناصر جزئية دالة، ولو سطحيًا، على شيء من الطابع الملحمي، حتى إنها لتكاد تفوق معلقة عمرو بن كلتوم، لكن كلتيهما أبعد من أن تكون ذات نية ملحمية، نيةٍ مغيَّبة أصلاً من شعرنا العربي القديم.... وما شمله ذلك الشعر من صيحات حماسية تعدّ أحد المعالم الأساس في بنية أية ملحمة شعرية، لا يكفي دليلاً من أدلة أي بناء ملحمي، مما هو معهود فيما وصلنا من ملاحم لشعوب عريقة... وذلك فضلاً عن كون الشعر الجاهلي شعرًا موسومًا بالصدق والواقعية بما في ذلك أخيلته وتشابيهُهُ... الخ.
ومن المفارقات اللطيفة أن مصطلح " الملحمة " تبوأ قصائد عربية، كالمجاميع السبعة في" جمهرة أشعار العرب " لأبي زيد القرشي (170هـ) كما أن معاجمنا، وحتى الآن تخلو من بسط تحديدي لفن " الملحمة " بقواعدها وأركانها الفنية...
هل للعمودية ذنب في افتقار فن ملحمي؟
لا أحسب أن العمودية التاريخية للشعر العربي القديم كانت حجر عثرة حالت دون بزوغ الفن الملحمي لدن العرب، بدليل نظم أبان بن عبد الحميد اللاّحقي (200هـ/815م)، الذي عدّه الجاحظ أوْلى الشعراء المولَّدين طبعًا ــــ بعد بشارــــ كَليلَةَ ودِمْنةَ في نحو أربعة عشر ألف بيت رجزي، فضلا عن قصيدته المسماة " ذات الحُلل" التي قد تُعزى خطأ إلى أبي العتاهية، حتى وإن لم يبق منها إلا سبعون بيتًا بفضل " أوراق " الصولي، وممَّن نظمها من المحدثين الشاعر الفلسطيني محمد الشريم في نحو (3568 بيتا) من الشعر العمودي على بحور شعرية مختلفة، وحروف روي متعددة، لتستمر القصائد العمودية في مواكبة الأحداث الكبرى دون عوائق فنية...
العرب والفنون الأدبية؟
ومما يؤسَف له، ولو بأثر رجعي لا يجدي نفعًا أن العرب لو فصلوا بين (الدين الإسلامي الذي هو دين توحيد، وتلك الآداب الأجنبية مركّزين على جوانبها الفنية الإيجابية ضاربين صفحًا عن مظاهرها الوثنية لما تأخرت فنوننا الأدبية العربية قرونًا عن الآداب الغربية، ولتبوأت أجناس العرب الأدبية قديمًا وحديثًا مُتبَوأ ريادة لافتة خالدة، ومن الضلالة بمكان أن يشكّ شاكّ، بأن العرب لم يكونوا على دراية بفنون الإغريق الأدبية الخالدة التي لا تكاد تتضاهى بما كان لهم(العرب)، بما في ذلك أعمال الثلاثي المسرحية (أيسخولوس وسوفوكليس ويوريبدس)، ولا أدل على ما نقول أن العرب وأعني النبهاء منهم ـــــ ترجموا، ولو في عهد متأخر نسبيًا، مفهومي الكوميديا والتراجيديا بمصطلحي الهجاء، والمديح تواليًا، الأمر الذي أضفى ضررًا والتباسًا على المعنى الحقيقي لهذين الجنسين، وكأنهم ليسوا في حاجة إليها، وأعتقد أن للفلاسفة العرب، بوجه أخصّ، مسؤولية أكبر في هذه الإشكالية الفنية التي لم يكن للعرب قبلٌ بها، بل حتى ابن سينا والفارابي اللذان كانا يستعملان "طراغوديا " أي Tragédie (وهي قصيدة شعرية تمثيلية تصوِّب صراعها عَبْر ممثلين نحو قَدَرٍ خاص)، وقوموذيا Comédie،... وكلاهما تعريب جيد (وهو أفضل من الترجمة) لم يُدركا كامل الإدراك المغزى الدقيق لتلك القصص المسرحية، لانغلاق البعد المعرفي عليها بالتمثيل (ولعدم ترجمة أي قصة تمثيلية يونانية إلى العربية)[v] ولذلك فلا تعجب إذا ألفيتهم يقولون: فكل شعر، وكل قول شعري فهو: " إما هجاء، وإما مديح "[vi] بدلا من: إما تراجيديا، وإما كوميديا، أو حتى: إما مأساة، وإما هَزْلية).
ومضات ذرية فنية في "إلياذتنا"
وما لنا ولهؤلاء ممن أُلْمع إليهم، ولسواهم ممن يُؤمأ إليهم، وهم ـــــ ما شاء الله ـــــ كثير؟، ودليلنا الذي لا يُمارى مِراءً، ولم يُجارَ حتى الآن جِراءً، ولا أحسب انه سيُجارى قريبًا، الشاعر المقلق عبد العزيز شبّين الذي لا تُعَد " إلياذته " براءة اختراع من جانبها الإبداعي وحَسْبُ، بما أن نصًا أيّ نصّ لا يقوم مقامه وقَوامه نصانِ في آن، ولو من صاحب النص نفسه، بل أيضًا لِتَسَلْسُلها الكرونولوجي تاريخيًا وزمنيًا ووقائع وأحداثُا، بَلْهَ نَفَسَها الدال على مبدع صبور لم تعقه المجاهل الخلفية ولا المعالم الأمامية، ولا العوائق الفنية من عروض وقافية ؟
وهذه " الإلياذة " الكبرى بكل المقاييس الفنية والمعايير الشعرية، نظمت على وزن عروضي واحد، حتى ألفية ابن معطي لم تفعل هذا، وقافية واحدة، وأية قافية ؟ إنها الهمزة، يا سادةُ، الصوت الذي فرَّق بين ناطقين عرب أقحاح فصحاء سليقيين، وأربك الخليل بن أحمد في معجمه (العين)، والصوتيين العرب المحدثين، بل أربكت اللسانيين الغربيين في دقة وصفها وتعيين مجال تحقيقها... لكن شاعرنا ركب مركبها المحفوف بندرة موادها المعجمية قياسًا بصوت " الباء " مثلاً، ولذلك لم تَسْلم إلياذته من تكرار غير قليل مما يسمَّى عروضيًا " الإيطاء "، حتى وإن كان العروضيون يجيزون إعادة نفس الكلمة بعد كل سبعة أبيات، علاوة على أن المعرفة مع النكرة ليست إيطاء أي عيبًا عروضيًا، وما من شك، في أن شاعرنا احتاط ما أمكن لهذه الظاهرة الفنية فيما هو عمودي، ومن يتقَفَّ الإلياذة، فلن يلحظ تكرارًا إلا فيما قل وندر، علمًا بأن شعراء سليقيين كانوا لا يتورعون فيما غدا بعد تقنين العروض يسمى عيبًا، منهم " ملك " الشعراء (امرؤ القيس)، والنابغة الذبياني ومجنون ليلى، وغيرهم[vii].
إن هذه الإلياذة للشاعر عبد العزيز شبّين لا تعدّ في نظرنا مجرد إضافة لنظيرتَيْها السابقتين لكل من شاعر الثورة مفدي زكرياء بِحَثّ وإغراء وتشجيع من الأديب المفكر الموسوعي المرحوم مولود قاسم، والأخ العزيز الشاعر إبراهيم قارة علي الذي وافاني بألفيته مشكورًا، لكونها تنحو منحى يكاد يكون جامعًا ـــــ غير مانع ــــ لما تحرك وسكن على هذه الأرض الطيبة، وأسعدني كثيرًا التفاتة الأكاديمي علي ملاحي إلى ألفية الشاعر إبراهيم قارة على، تلك الالتفاتة التي غبطته عليها بدقة الموضوع الذي شمل ما ورد فيها من تناصات بطرائق مقتدرة وبيّنة شكلاً ومضمونًا، ولم لا القيام بنفس الشيء إزاء ملحمة الجزائر الكبرى، لكن ليس بمجرد بحث قصير؟.
كل مدونة تستوفي شروطَ أنْ تكون ملحمة بصرف النظر عن البنيات الجزئية الدقيقة الجدلية التي تؤهل مدونة شعرية أن تكون كذلك، ما هي إلا بنية سردية، والبنية السردية لا يضطلع بأعبائها سارد واحد مجسّد " الأنا " وليكن بعد ذلك الطوفان، لكن شاعرنا عبد العزيز، ومن خلال إهدائه إلى والديه الكريمين ـــ أطال الله عمرهما ـــ الذي حبّره بقوله " إلى عظماء وشرفاء وشهداء هذه الأمة عبر عصورها المتعاقبة " لم يدع مجالاً لشك أو تساؤل متلقّ من المتلقين، بأن هذه الملحمة لا تتعلق بمعركة ساحقة، أو فتح مدينة، أو إعادة جزء كبيرٍ أو كلّي لأرض سبق أن اغْتُصبَت عنوة من عدوّ خارجي، بل تتغنّى:
شهداءُ الخلود فيكِ بـــــلادي
علّمونا كيف الفداءُ يكــــون
فمضينا صحوًا هواكِ نغنّي
ومن ثمّ، فإن البنية السردية بضمير المتكلم قد يشار بها إلى سلطة سردية أبوية قد تكون مهيمنة قاهرة، إن لم يكن السارد الأبوي حاذقًا في تعامله مع شخوصه، وسواه من الساردين رئيسيين وثانوييّن مجرد عبيد رقيق، لكن شاعرنا الملحمي لم ينطل
عليه هذا الوضع الفني، حيث استطاع أن يسْتخفي من حيث أراد أن يبرز، ويتموقع من حيث أراد أن يأفل أو يتوارى أن يأفل كليًا أو يتوارى جزئيًا:
حَجر الصَّوانِ اللّظى فالضّيــاءُ
حُمَّ فَجْرٌ به ولاحَ ابتـــذاءُ
*
ذلك الإنسان الذي صنع الرَّغْـ
ـــبَةَ ثم استوى بها الإنشـاءُ
*
يا أشوليُّ ذاتَ منشـأةٍ
أولى ابْتدَتْ منها الصَّنعة الصَّماَّءُ
*
ذاتُ وجْهين من صوانِ رماحُ
نَصْلُها مَثْنَى شكْلُه اسْتِثناءُ
*
أدوات تَعْدو الطبيعة صُنْعًا
ولَهَا من رُؤى الورى إيحاءُ
*
عاتر قد حَلَتْ ببِئرٍ مياهٌ
مِنْ عَلى ماحِل العراءِ ظِماءُ
من المتكلم؟ لا أثر لضمير المتكلم، وهو قائد مُسْتَخفٍ، وكأنما العملية السردية هذه تمتْ من سارد مجهول لا ينتمي إلى أي ضمير من الضمائر الثلاثة الأقطاب (أنا، أنت، هو):
أنا - أنت
↓
هو
وبَعْد ثلاثة عشر بيتاً من أول مقطع افتتاحي لهذه الملحمة يبرز السارد الغريب عن الحكي في نقلة فنية حِيادية، كأن لا احد يتكلم، فإلى بروز بضمير جمع المتكلم، أي من " الأنا " المستخفى تمامًا إلى البروز تعبيرًا سلطويا (نحن)، لأن الشاعر الذي لا يملك يدًا طولى في بني مجتمعه لا يجد نفسه مخولاً ليكون صوته صوت قومه، كصوت عمرو بن كلثوم في معلقته، بخلاف صوت عنترة بن شداد، وشاعرنا لم يجد حرجًا ليلج الموضوع منذ البيت الرابع عشر من هذه الملحمة الطويلة، وهو يخاطب " أَشُولَ " بالضمير الأول جمعًا:
قد سألنا الزمان عنك فألقى
بالجواب المكنونُ والإيماءُ
*
حجر كان من يديه حيـة
ومماة عليه شُدَّ اتكـاءُ
*
يا بلادي إلى حماميك شـاكٍ
كيف صَحْوْا تَلينُ لي الورقاءُ؟.
فالشاعر اعتور خطابه في نهاية المقطع الأول الضمائر الثلاثة الأقطاب:
نحن (وظيفة تعبيرية) - أنتِ (وظيفة ندائية)
↓
همْ (وظيفة مرجعية)
ويستمر الشاعر في هذا السرد القصصي بارزا بروزًا، لكن بصورة استخفاء اقتضته البنية السردية التعاقبية المُقْتدَّة من واقع تاريخي معيش أكثر مما هي مُقْتدة من ضرب خيال أو عَوانٍ بينهما شدًّا دون جذب آبيًا أن يسلّم مشعل التناوب السردي مع أي من عشرات أو مئات السكنات والحركات من شجر وحجر وأفضية، وعصور، وقرون، وقادة ومقودين، وأعداء مناوئين أو أعوان مناصرين، أو كائنات ميتافيزيقية، Personnages allégorique، أو عجائبيات،... فالسارد الأبوي الموسوم " العالم بكل شيء " L’omniscient، هو الآمر، هو الناهي، هو الكل في الكل، ومما ذلّل مهمته هذه أنه متاح له أن يتصرف وفق ــــ أو ضد رغبات شخوص آخرين لا حول لهم ولا قوة، وهذه العملية على هذا المنوال السردي يُشْفَق فيها على السارد السلطوي الوحيد في أي عمل فني أكثر مما يُجسد عليها ولا حتى يَغبطه فيها أوّلون ولا آخرون.
وسواء أكان هذا الأمر أم ذاك، فإن ما أثير أعلاه ليس إلا ذرة رماد في بحر طام وإلا فإن ملحمتنا هذه أطول من أن يحاط بها بمقالة عَجْلى لو خصَّت ــــ خاصة ــــ نواحيها الفنية التي أجد إحساسًا بداخلي يناجيني: " هَيْسِ هَيْسِ " ! ولكن العين بصيرة إلى حدّ ما، و اليد قصيرة إلى حد كبير.
عيّنات مداليلية
-1-IX لا عينة تعلو على صِنْوتها
ذلك أن ملحمتنا تشمل مائة و واحداً وتسعين مقطعًا بحيث كل مقطع يمكن أن يُتَّخَذ مدونة قائمة بذاتها، ولذلك ألفيتني أن ألتزم ما أمكن حدًا عادلاً من التوازن بشأن الحديث عن هذه الملحمة، وأعني بهذا الجوانب " المداليلية" التي تعج بها ملحمتنا، ولو بإيجاز شديد حتى لا يطغى عنصر على عنصر آخر من هذه الكلمة، ودفعًا لئلا يكون تناوُلنا أقرب إلى تناول يُلقى على عواهنه منه إلى تناول ملموس، فقد ارتأينا أن نستشفّ مداليل ملحمتنا عَبْر عينات مستلة منها، رغم شعورنا بفراغ " مداليلي " تبرّره غاية ــــ هنا ــــ أزيد مما تَدْعَمه اقتضاءات أخرى قد تُخِلَّ بما في ذهن متلقٍّ آخر من رُؤىً وآراءٍ أخرى، وهذه العينات انْتُقِيَتْ انتقاءً عَرَضِيًا لا قصديًا، لأنك لو فليت الملحمة فليًا وسبرتها سبرًا لمَا ألفيت مقطعًا منها يعلو صنوه علوًا أكثر لفتًا وإغراء لك مما تقدم عليه أو تأخر عنه من صاحبه.
ولعل المتلقي الحصيف لا يأخذه عجب عُجاب، وهو يرى أوَّل مستلَّة مما اسْتُهِلت به الملحمة، إذا ما قُيِّض له أن يعاين أن شاعرنا عبد العزيز شبّين قد كفى متلقيه عناءً، وقد بذل جهدًا جهيدًا في تعتيب كل المقاطع التمهيدية الثمانية والعشرين بكلمات مفتاحية ذات مداليل جاهزة تكاد تلجم مزيدًا من قول كل خطيب.
-2-IXالعينة الأولى
-1-2-IX مشاعرٌ شاعريةٌ إزاء الإلياذة
لقد سبق لي أن أبديت شعوري إزاء هذا المقطع (29) الذي فتَنَني إعجاباً وأسَرني إليه أسرًا، فقلت، ودون أن تكون لي فكرة قريبة لأتناوله بصورة أو بأخرى: (وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإني أشعر بحيف من القصور داخل قرارة نفسي، إذا ما وازنت بين المقاطع التمهيدية التي اتخذتها مدونة لهذا العمل وسائر مقاطع الملحمة ابتداء من المقطع التاسع والعشرين، فأنت تكتشف نفسك متلقيًا آخر غير ذلك المتلقي السابق وهو يَنحِتُ من بعض ما تيسِّر له أن يَنحَتَ من المقاطع التمهيدية، وليس هذا فحسب، فأنت تكتشف شاعرًا ملحميًا آخر بدءاً من هذا المقطع (29)، شاعرًا، ورب الكعبة، لقد بلغ سدرة المنتهى في شاعريته، وهو يتغنى بالجزائر وعظمتها ومجدها وجمالها ومعمارها وناسها وطبيعتها، ولو رُزقت حظًّا من الإدراك لما تمالكت نفسها لتقبل عليه راكعة حبوًا، وتقول له: (يا عبد العزيز، لا فُظَّ فوك فهل من مزيد!)[viii].
ولذلك أجدني سعيدًا بذلك الاستشراف الذي لم يكن في الحسبان، وقد استفزني استنفارًا حميميًا أكثر منه حماسيًا لأعود فعلاً إلى هذا المقطع الشعري الذي يصدّر به الشاعر الملحمي عبد العزيز شبّين ملحمته (بعد المقاطع التمهيدية) صادحٌا متغنيًا غناء شَغَفٍ وعبيرٍ وانتشاءٍ، وكلِّ صَمْتٍ صامت مما حبا الله هذا البلد الشاسع الملوَّن بمظاهر الكرة الأرضية كلها تراه أخرس أبكم بيد أن ما جعل لله فيه من نماذج مما يُرى، وممّا لا يُرى:
مُكاؤها غَرِدٌ يُجيـــــــــــــــ ـــب الصوت من وِرْشانِها
إنها الجزائر بَلْدٌ ليست كأي بلد، مُسْتدلٌّ بها وعليها كأنها سِفْر علوانه دليلُ خلود حروفهُ المعَتَّبة به توقيعات اعتور عليها رجالات ظلوا يتوارثونها توارثَ خلف عن سلف صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولما يُبَدّلوا تبديلاَ.
إنها الجزائر التي احتار في وصفها خطباء " سَحْبانيُّون " وهم مصاقع، وْأُرْتِجَ عليه الشعراء والأدباء إرتاج عذر لا إرتاج تقصير، وهم بلغاء مُفْلِقون.
ليست الجزائر مجرد قرى ومداشر ومدن وجبال وأودية وغابات... بل علامة من علامات المجد والسؤدد، فهي مَنْزِلة بعد مَنْزلة مَقْطوع وموصول بعضُها عن بعض قرونًا وأجيالاً... و" 'لالة' قسنطينة أقدم مدينة في الغرب الإسلامي أسطع بيانٍ".
-2-2-IX إلياذة وطن ومواطنة
وهكذا يستهل الشاعر عبد العزيز شبين ملحمته الكبرى التي لم يوت قبلها مثلُها من لدن شعراء عرب محدثين ولا قدماء ومع ذلك، فإنها غير مدرجة حتى الآن في المواقِع التي تتحدث عن " الملاحم " العربية شعبية كانت (مؤلفوها مجهولون) أم خاصة معتزاة لشعراء بأعيانهم،...
وَلْنَتْرُك المتلقي يتصفَّح سائر الأبيات المنتقاة من هذا المقطع الملحمي:
شغفُ العُودِ يعْتَريه انتشاءُ
منْ بِلادٍ عَبيرُ فيها الغِناءُ
*
كلُّ وحي للصَّمْتِ يَتْلو كَلاما
عَبْقَريًا تَرُشُّه الأنداءُ
*
يا بلادًا تَلوحُ في السِّفْرِ عنوا
نَ خُلودٍ حُروفُه طُغْراءُ
*
هي هذي الجزائِرُ السِّحْرُ قدْ حا
ر اعْتذارًا في وَصْفِها الشُّعراءُ
*
سُوَرٌ مِنْ آياتها صُوَرٌ فيـــــــــ
ــــها تَبَدَّى لكُلِّ عَيْنٍ بَهـــــــــــاءُ
*
فَظهورُ الحُسْنِ اسْتنارَ به الكَوْ
نُ بَديعًا ومِنْهُ بانَ الخفاءُ
*
مُسْتحيلٌ إذا رأتْها عُيونٌ
أنْ تَشِحَّ الأنْوارُ والأنواءُ
*
كيفَ يَرْبو ظلامُها واشْتِعالٌ
بَيْنَ عَينَيْها؟ يَسْتحيلُ انْطِفاءُ
*
فطيورُ الجهاتِ مِنْكِ لها شِرْ
بٌ فأَنْتِ الرَّوا ونَحنُ الظِّماءُ
*
العصافيرُ من بني أمازيغَ غَنَّتْ
وتُغَنِّي كما يَكونُ الغِناءُ
*
مِهْرجانُ المَلاحِم الحُمْرِ لَمْ يَعْــــ
ــــــفُ صَداهُ ولا يزالُ البلاءُ
ويلتفت شاعرنا التفات مواطنة وحب وحنين إلى تموشنت التي تكاد تكون مهملة في سردياتنا الأدبية والفنية قديمها وحتى حديثها، بل وحتى التاريخية بالرغم من أكبر حدث وطني تاريخي اضطر الجنرال الفرنسي بيجو إلى عقد اتفاقية" تافنة " بينه وبين القائد الرمز الأمير عبد القادر، ليردف شاعرنا بها مدنًا غربية جزائرية عاصمة المملكة الزيانية (تلمسان) ودفين عُبادها الولي الصوفي الصالح سيدي بومدين، ورياضها ومياهها وهواها وهوائها، وكم كان بودنا لو أومأ، ولو عرضًا، إلى أبرز علمائها وشعرائها (كابن خميس)، ولا سيما ابن خلدون الذي عاد أدراجه من مغارة في فرندة ليستقر به المقام في " عبّادها " حيث أنهى " مقدمته " (قلنا هذا كسبق قلم، بما أن الشاعر سوف يذكر في المقطع (115) جوانب كثيرة من تلمسان العميقة)، ثم يعوج إلى وهران ليُحيِّيَها ويُحَيي أهاليها، وهران موطن الوهراني، ومعقل أول شهيد يعدم بالمقصلة (أحمد زبانة)، شهيد مشى يخطو ملاكا نحو مصيره، وهو يتبسم ضاحكًا، وكأنه وافد من رحم الجزائر كلها لا آفل عنها:
أتِموشنتُ عَيْنُكِ الصَّفْراءُ نَحْوَكِ
اسْتغْشى خَطوتي اسْتحياءُ
*
فسَلامُ الرُّبى تِلِمْسانُ أنْدى
أَدَبًا مِنْكِ تُنْعِشُ الأنْداءُ
*
ذاكَ وَهْرانُ قُرْبَكِ ازِدانَ زَهْوًا
وحواليها مبعَثٌ وازْدِهاءُ
*
الوَريطُ المَفْتوحُ شَلاَّلُهُ لِلْ
قَلْبِ صَحْوا يَروقُ فيهِ الهواءُ
*
كَرْزُ مَلْيانةٍ ثِمارُ ملوكٍ
هُوعَبْدٌ وللعَبيدِ احْتفاءُ
*
فأبو مَدْيَنَ اٍستهامَ فتًى فاشْـــــــــــ
ــــتَدَّ في مَعْبَدِ الغَرامِ البنــــــــــــاءُ
العينة الثانية
-1-X دراسة مسكوت عنها؟
وإذا ما سرنا مسارات أمامية تعذُّرًا لمسْح مطَّرد، واستنطاقًا للمقطع (114) تيمنًا بعدد سور القرآن الكريم، فإن ما شمله هذا المقطع لَيوشِك أن يوصد عليك تملّصك تخلّصًا منه، ويضيّق سبيلك حتى لا تكاد تلفي لك عنه مندوحة من أمرك.
وليس هذا المقطع من نفس الملحمة بدعًا من سائر ما تقدمه وما سيلحقه من مقاطع أخرى بشأن غزارة ورود أسماء أعلام، وأسماء أمكنة جزائرية في صلب الملحمة، وهي أسماء محلية وقديمة، ولعل بعضها صار أخص منه أعمٌ بين كل الجزائريين عبر مساحة ـــــ ما شاء الله ــــ شبه قارة، وهي دراسة لا تبرح مسكوتًا عنها كليًا ـــــ تقريبًا ــــ الا ماقل وندر من اجتهادات فردية أو التفاتة جميلة من هيئة لغوية، وهي دراسة عويصة وخطيرة في نفس الوقت، دراسة لا ينبغي أن يستهان بها، ولن تكون ذات فائدة جامعة مانعة إذا لم يضطلع بها علماء جزائريون لهم حضور علمي بارز في مختلف الاختصاصات، واعتقد أنها أولى بـــ " مجمع لغوي " منها بأية هيئة سواه لأنها إنجاز معجمي في قمة الأكاديمية يعالج علاجًا موسوعيًا جامعًا مانعًا هذه الموقعيات الاسمية من أمكنة وأعلام في إطار ما يعرف لسانيًا TOPONYMIE (مَوْقِعيَة) على أن يُضَمَّن أيضًا داخل القواميس المدرسية والجامعية الجزائرية في صلب المواد اللغوية تبعًا للترتيب الألفبائي الميسَّر، على أن يكون نطق هذه " المَوقعيَّات " LES TOPONYMIES وفق نطوقات محلية دون فضول من إملاءات خارجية على أي مستوى، وقد كان للدولة الجزائرية تجربة قبل بضعة عقود آلت إلى فشل ذريع لتعود النطوقات القديمة المعتادة في الوثائق الرسمية بما في ذلك معالم الطرقات.
ألمحت إلى ما ألمحت إليه أعلاه، ولو عرضًا، لأني وجدت صعوبة في الوقوف على بعض الأعلام القديمة جزائريةً كانت أم أجنبية، مُرْدفةٍ بضياع وقت كاد يوازي العمل نفسه، كلما تعلق الأمر بغير قليل من أسماء الأمكنة التي تزدحم بها هذه الملحمة إزدحامًا وما رافقها من أعلام قديمة، ولا سيما ما كان مغمورًا أو مُهملاً منها إهمالاً منذ الأزل.
وما أُلْمِع إليه بخصوص أسماء الأمكنة والأعلام يُعْنى به بوجه أخصّ، المقاطع التمهيدية جملة وتفصيلاً، وإلا فإن المقطع الذي أمامنا (114) لا يشبه المقاطع التي سبقته طلْسَمةً فأسماء أمكنتها معلومة (ندرومة، المغرب، مراكش، تونس، وطن الزيتون، الأندلس، زلاقة) ومثلها الأعلام (علناس، عبد المومن المرسكيون، بربر، الشريف (لعله مؤسس المملكة الحجازية) يوسف بن تاشفين، ابن حمديس).... ويظهر أن الملحمة كلما تطورت سرديتها نحو الأمام، إلا وصحبها وضوح أكثر أريحية في أسماء أعْلامِها وأمكنتها:
ثارُ عَلناسَ لم يُخِفْهُ العَداءُ
لَيْلُهُ إذْ غَسَالَهُ اسْتِعداءُ
*
وَلِنَدْرومةَ الكَبيرُ بِها جا
مِعُها الفَرْدُ شَادَهُ الحُنفاءَ
*
يُمْنُ بُشْرى يَوَحَّدُ المَغْرِبَ الأَسْـــــ
ـــنى وَباليُسْرى يَسْتَبينُ الْخَفــــــاءُ
*
بِيَدَيْ عَبدِ المُؤْمِنِ السَّمْحِ قَدْ طَـــا
لَتْ قِلاَعٌ وَجُمِّعَ الفُرَقاءَ
*
فَتعالَتْ جَزائِرُ الْكِبْر تيهًا
وَبَدَا من عَلْيا الْخَصيبِ رِفاءُ
*
إذْ رأتْها مَراكُشٌ فاقْتَفَتْها
رَشَدًا في الصَّوابِ صَحَّ اقْتِفاءُ
*
حَبْلُ وَدٍّ جَزائرَ العهْدِ يُرْخي الـــــــــــ
ــــوَصْلَ شَدَّتْهُ تونُسُ الهَيْفــــــــــــاءُ
*
مَع إثباتِ العِشْقِ في وَطَنِ الزَّيْــــ
ــــتونِ لا يَسْتَوي عَلَيْهِ انْتِفـــــــــــاءُ
*
وَإليْكِ النُّزوحُ أنْدَلُسِيًّا
كانَ، يَبْقى عَلى المُضيفِ الوَفاءُ
*
هُمْ مُرِسْكِيُّونَ اسْتَلَذُّوا المَنافي
وَرَماهُمْ عَبْرَ اللّجوء العَفاءُ
*
بَرْبَرٌ حُضْنٌ لِلَّذي عَضَّهُ البَرْ
دُ طَريدًا وَمِنْهُمُ الأَدْفاءُ
*
وشُحَّتْ للشَّريفِ أُولى مَواويــــــــــــ
ـــــــــلِ غِنا عِنْدَ يُوسُفَ الإيفــــــــاءُ
*
لابنِ حَمديسَ وَصْفُ زَلاَّقَــــــةَ ازدا
نَتْ وُضوحًا بِصِدْقِها الأنْبــــــــــــاءُ
العينة الثالثة
-1-XI وقفة طوبونيمية وهرانية؟
من المقاطع الغنائية التسلسلية من هذه الملحمة الكبرى بدءًا بوهران، لكنا لا ندري ماذا يعني الشاعر بـــ " برحى وهران "؟ فــ "وهران " معناها اللغوي " الأسدان "، وهما التمثالان في ساحة بلديتها، أي مُثَنَّى كلمة " وَهْر " (الأسد) العربية، أو " إهران " الأمازيغية، وهذا مستبعد، لأن تبديل الهمزة واوًا أو العكس كلام عربي شائع، وهو تبديل صوتي، والأمر لا يتعلق بعلاقة تفاضلية ما دام التبديل الصوتي لا يدلّ على تباين دلالي، ومثل هذا " وسادة " و " إسادة " و" آسَيْتُه " و"واسيته "،... وعلى الأشهر أنها لغة يمنية[ix].
وأما الاحتمال الثالث ف " وَهْر " ليست بمعنى الأسَد، بل بمعنى " الوَعْر "، وهو المكان الحَزْنُ ذو الوعورة، أو المكان الصّلب، أو الموضع المُخيف الوحْش،... وهي كلها معانٍ تنطبق على وهران العتيقة المعَلَّقة في " سيد الهواري " ولا عجب في هذا فالصوتان حلقيان متبادلان بين الكلمتين...
غير أننا لا ندري ربط استهلال " وهران " ب " الرحى" ؟، والأشهر بين العامة والخاصة شيوعًا أنها تعرف بوصف " الباهية " نظرًا لجمالها الفتان، لكن هذه التسمية، فيما يبدو، تسمية حديثة، وقد تسمّى بأسماءٍ أخرى غير الذي أشرنا إليه كـ " إفْري" وتعني " الكهف" بالأمازيغية مراعاةً لوجود كهوف عديدة تحيط بوهران القديمة.
غير أنه لا يعزب عن ذهننا أن " الرحى" موظفة توظيفيًا مجازيًا مستهل هذا المقطع (115)، لأنها قد تستعار مرادًا بها حَوْمةُ الحرب وشدَّتُها حبوبها المرحية بشر وهي صورة بيانية شائعة في كلام العرب.
وأما تاشفين المشار إليه فلعله أبو تاشفين الأول (1318 ــــ 1337م) أحد سلاطين بني عبد الواد (ابن أبي حمو موسى) لأن وهران كانت تابعة سياسيًا في هذه الفترة لدولة بني زيان (تلمسان)، وهذا ليس يوسُفَ بنَ تاشفينَ ذا الأصل الموريطاني مؤسس دولة المرابطين مردفًا ابن أبي حمو موسى بـــ " يغمراسن " مع أن هذا الأخير (1206ــــ1283م) هو المؤسس الحقيقي للدولة الزيانية (بني عبد الواد)... وأما الخميس اللُّهام، فلعله إشارة إلى ما يُعرف بـــ" بابْ لخميس"، والخميس هو الجيش سُمِّي كذاك لأنه خمس فرق(مقدمة قلب، ميمنة، مسيرة، ساقة)، واللُّهام ما دلّ على عَرَمْرمة من الجيش،...
ويستمر الشاعر في حشد أسماء ملوك وقادة وممالك وبعض العلماء، وحتى بعض المؤلّفات المحلية مثل " بغية الرواد" ليحيى بن خلدون شقيق عبد الرحمان صاحب "المقدمة" و" العبر..." صليبةً، ومن العلماء التلمسانيين العالم الميكانيكي أو" التقنولوجي" صاحب براءة اختراع أشكال من الساعات، وأعني به ابن الفحام الزياني، وهذا لا علاقة له بابن الفحام الصقلي، فهذا عالم قراءة ونحو، والأول عالم هندسي ميكانيكي...
ولْندع المتلقي يكتشف ما بقي من موقعيات وأحداث وجماليات شعرية وبيانية وإبداعية في هذا المقطع الشعري الشاعري الغنائي لعبد العزيز شبّين.
بِرَحى وهرانَ اسْتُثير الهَباءُ
حَظُّ تشْفينَ منْ دُجاهُ العَفاءُ
*
لِتِلِمسانَ ساحُها ملأَتْها الــــــــــــــــ
ــــــطَّيْرُ قد جئْنَها وَهُنَّ ظِمــــــــاءُ
*
وَيَغَمْراسَنُ الهِزَبْرُ ضُحى أَعْـــــــــــ
ــــــــلَى ذُراهُ فَشَعَّ مِنْها الــــــــــوَلاءُ
*
الخَميسَ اللُّهامَ جَرَّ اصْطِباراً
بأبيِ حَفْصٍ في العَوانِ قَضاءُ
*
وَتَغَشَّى بَني مَرينَ بِريحٍ
صَرْصَرٍ مارَ في مَداها الهَباءُ
*
لِبَني زيَّانَ اسْتَتّبَّتْ دِعامُ الْـــــــــــــ
ــــــعِزِّ واسْتَقْوى بالدَّهاءِ الإبــــاءُ
*
وبَنو تُوجينَ اسْتَدارتْ عَلَيْهِمْ
مِنْ لَظَى الحَرْبِ اللَّيْلَةُ اللَّيْلاءُ
*
وَلعَبْدِ الوادِ الثَّرى رجَّ خَيْلاً
خَيْرُ ما كانَ مِنهُمْ الإلْغاءُ
*
لَمْ يَجِدْ في الْمُوَحِّدينَ خَلاصا
وَجَدَ السَّيْفَ حَيْثُ نادى الجَلاءُ
*
حُكْمُ خَمْسينَ مِنْ ظِلالِ الْمَغاني
وَالمَغازي، والأمْرُ فيها ابْتِلاءُ
*
خَطَّ يَحْيى في بُغْيَةٍ مُبْتَغاهَا
سَكِرَ الحَرْفُ وانتَخَتْ عَذْراءُ
*
وابْنُ فَحَّامَ نَبَّهَ الدَّهْرَ بِالمَنْـــــــــــــ
ــــجانَةِ العُظْمى راقَ مِنْهُ الأَداءُ
*
بَرْبَرُ العزْمِ اسْتَوْقَدوا نارَ ثارٍ
لُهمُ مِنْ داءِ الخُصومِ شِفاءُ
*
بَرْبَرٌ فِتْيَةُ الأعاصيرِ شُمٌّ
بِهِمُ تَبْقى الذُرْوةُ العَرْفاءُ
*
بَرْبَرٌ ثائِرونَ وَقْدُ هَواهُمْ
كَوْكَبٌ في ولائِهمْ حُلفاءُ
*
بَرْبَرٌ شُدُّو بِالجبالِ شُموخا
كلُّ نَسْجٍ مِنْ وَصْلِهِمْ حَلْفاءُ
عينة رابعة
ها نحن أولاءِ نحط بثقل أو خفة نيتنا وقوفًا على مقطع آخر(139) نعانقه عناقًا سريعًا حتى لا نكون ذوي ظل ثقيل على من يُخَوَّلُ له أن يَقُصَّنا في هذه العينة المشار بها من الشاعر إلى مجازر الثامن مايو سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف، تلك المجازر التي عادت بالوبال على مرتكبيها لتكون بزوغ شمس ساطعة لثورة نوفمبر المظفرة رغم ما هُريق فيها من دماء زكية طاهرة من عدّو قضى على نفسه بالجلاء وقبر
أحلامه في البقاء أكثر مما بقي في هذا الوطن الأبيّ العصيّ، وما ذا كان يضيره أمام شعاره الثلاثي المزيّف لو ترك الجماهير تعبّر عن مطالبها التي كان مفترضًا أن تكون ردة فعل جميل لِلآلاف المؤَلفة من المقاتلين الجزائريين الذين جُنِّدوا قسْرًا وعنوة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ثم كان جزاؤُهم جزاء سنمار، وهذا ما يصدح به شاعرنا في هذا المقطع مبيّنًا بدموع شعرية تلك السلوكات الاستعمارية الفرنسية الخبيثة بأسلحتها الفتاكة التي لم تُجْدها نفعًا أمام من غزوها في عقر دارها لولا معركة لينينقراد الحاسمة لكانت في خبر كان من التاريخ !.
وهذه العيّنة الدامعة من ملحمتنا تظهر تلاحم الشعب الجزائري من أدناه إلى أقصاه رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، لعل المستجير بهم بالأمس القريب يستجيب لهم مُشفِّعًا فيهم قتلى فلذات أكبادهم، ولكن أوَّاه ﴿إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ﴾ (الأنعام: 36).
أرْبَعين اخْتَرنا وخَمْسًا لِتِذْكا
رِ مآسينا إذْ رمَنا البَلاءُ
*
وَبِنا مادَتِ النَّوايا طَويلاً
زَخْرَفَتْها بِالغَفْلةِ الأنْباءُ
*
ذَبَحَتْنا خَناجِرُ الغَدْرِ مِنَّا
* قَدْ بَراهَا عِنْدَ الطِّعانِ مَضاءُ
*
وَشَحَذْناها مِنْ ضُلوعِ بَنينا
نَحْنُ قَتْلاهَا في الْوَغى وبراءُ
*
ذَكَّرَتْني الأيَّامُ سُودَ سِنينٍ
دَكَّ فيها البيضَ الحِسانَ اعْتِداءُ
*
عَنْكِ عَمُّوشةُ النَّهارُ تَنَحَّى
وَمِنَ اللَّيْلِ للنُّجومِ اخْتباءُ
*
إِذْ تَغَشَّى بَني عَزيزَ سَحابٌ
دَمَوِيٌّ يُصَبُّ مِنْهُ الفنَاءُ
*
وَأُوارٌ أرْدى بقالِمَةٍ كــــــــ
ــــلَّ عَزيزٍ، وَلِلْحَقير اجْتــــراءُ
*
فبنُو الشَّرْقِ في السعيرِ ثَكالَى
وبَنُو الغَرْبِ في العَسيرِ سَواءُ
عينة خامسة
-1-XIII أهمية المكان في العمل الإبداعي
إن ما لفتني إلى هذا المقطع (157) ما سبق أن جرى بيني وبين الصديق المرحوم الروائي مرزاق بقطاش ذات يوم في حديث عرضي حول الإبداع والمبدعين في بلدنا لافتًا إياي إلى ضرورة الالتفات إلى أهمية المكان في عمليتنا الإبداعية، وأن جل الأعمال التي تلفت نفوس أو فضول الناس إليها تلك الأعمال التي تولي أهمية ملحة إلى المكان، بمعنى أن المكان في العملية الإبداعية من قصة، ورواية، ومسرح، وشعر قصصي أو غنائي... قد يُعد معيارًا لِما ينْماز به عمل من نفس جنسه، ولِما يَفْضُل بعضُه بعضًا.
وها هو الشاعر عبد العزيز شبّين يلتفت مشكورًا إلى مسقط رأسه ومن كان يموج فيه من أجداد وجدات وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، وبني عشيرته من آل شبّين، وآل قمَّار، وشخصيات تاريخية لا شخوص ورقية لا تُؤْمر من سارد إلا لِتُنْهى، ولا تُنْهى منه إلا لِتُؤْمر من جديد.
-2-XIII إشادة بشاعرنا شبِّين
وبناء على ما أُلْمِع إليه أعلاه، فإني أهيب بذكر شاعرنا لأصوله الموقعية، حتى وإن كان اسم " شبّين " غير مُمَوْقع تحديدًا في معاجمنا الجغرافية المتاحة، فصاحب القاموس يذكر عرضًا " أُشبونة" بأنها بلد في المغرب (الكلي بالمفهوم القديم)، لكن قواميسنا المتاحة لا تذكر صيغة " فَعيل "، وكل الجزائريين يعرفون الإعلامي المتألق " مراد شبّين "، ولكن لا توجد قبيلة أو عرش لافت يحمل هذا الاسم (شبّين)، وكان من أوجب الواجبات على عاتق شاعرنا أن يلتفت إلى مسقط رأسه موقعيًا.
ولكن " آل بقار" عائلة قديمة عريقة في الجزائر، ولعل شهرتهم في تلمسان أكثر شيوعًا من أي مكان آخر، لاشتهارهم بالتجارة الصحراوية خلال العهد العثماني، لكن خبتتْ هيمنتهم بمجيء المستعمر الفرنسي... لكن هذا الاسم من الناحية " الطوبونيميّة " Sur le plan toponymique منتشر انتشارًا واسعًا بين عائلات جزائرية من تلمسان غربًا إلى باتنة شرقًا، بل إلى المشرق العربي،... كما لا يتورع الشاعر في الإشارة إلى مجاهدين وفدائيين أبطال بأسمائهم الخالدة،... وهذه ميزة يُغْبَط عليها عبد العزيز شبيّن لتخليد الذاكرة الوطنية وإشهار من هُمْ مغمورون ممن بذلوا كل نفْس ونفيس لتحرير هذا الوطن من براثن الفرنسيين النَّتنة، وهو ما لا يمكن للتاريخ الوطني أن يلتفت إليه عادة، مما يستوجب شَرْعَنة " تاريخ شعبي " ووصْله ثقافيًا وتثقيفًا لأجيال الجزائر حاضرًا ومستقبلاً.
آلُ شّبّينَ قدْ نَمَتْهُمْ أصُولٌ
وَزَكا مِنْهُم في الفُروعِ انتماءُ
*
الفِدائيُّ مِنْهمُ العَربيُّ ال
بَرُّ أصلاً إلى الفِدى عَدّاءُ
*
خالدُ المُختارُ الفَتى هَبَّ كِبْرًا
لَوْ ذَعِيًّا تؤمُّه الْخُيلاءُ
*
فَلَنا فَوْقَ مَذْبَحِ العِزِّ خالٌ
وَبَنو عَمٍّ فِتْيَةٌ شُهداءُ!
*
آلَ قَمَّار والمنايا ضِمادٌ
عِشتُمُ بالجراحِ وَهْيَ ظِماءُ
*
إذْ تعالى عَبْدُ الحَميدِ مَسيحًا
عَنْهُ لمْ تُسْمعْ غُرْبةً أنْباءُ
*
هلْ أتى مُوريسُ الدِّماءَ الَّتي فَـــــ
ـــــجَّرَها مِنْ وِرْدِ الضُّلوعِ الْمضاءُ؟
أنّات وحنين إزاء إلياذة شبين
على كثرة توالي هذه المقاطع التي ترصِّع ملحمة عبد العزيز شبّين، فإنك كلما ساورتك نفسك بالرَّغب عن مقطع منها انتقاءً لِصِنْوٍ آخر، ألْفيتَها لا يقرّ لها قرار حاسم، لتزيّن لك ارتغابًا منها في سواهما، لتقف متردّدا تردُّد سادر ضائع ولج حقلاً من الذرى ولوجًا بعيدًا، ليتحول ذلك الحقل العَدْنني من تمتّع وتنزّه إلى جنّة مُضِلّة، لئن عاد أدراجه بعد لأي وقلق إلى مأمنه من حيث دخل، لتنفس صُعداءه، وحدَّث نفسه أنْ لن يكرّر مغامرته تلك أبدًا.
بأي حق يسوّغ امرؤ لنفسه أن ينتقل انتقالاً جزافيًا من مقطع شعري على حساب مقاطع أخرى، والملحمة بهذه البنية السردية الأفقية لا تجاريك، بل تتمرد عليك حماية لتسلسلها الكرونولوجي التعاقبي المجذوب لاحقه جذبًا بسابقه إلى وَتَدٍ مُوتَدٍ في أرض صخرية صماء؟ ولكن حدث ما حدث، علاوة على أن الانطباع الذي سادني منذ مباشرة هذه الورقة أن العمل إما أن يكون بهذه الطريقة أو لا يكون، ولو على حساب اختلال قد يكون زلزاليًا بالنسبة إلى هذه الملحمة التي تستعصي عليك إذا هممت بمجرد تفكير عارض بتلخيصها كما يتهيأ لك أن تلخص أية مدونة شعرية، علمًا بأن تلخيص جنس شعري، وبهذا الحجم كميًا ونوعيًا، يختلف اختلافًا جوهريًا، كما لو كان الأمر يتعلق بأجناس نثرية لا تتخلّلها أبيات شعرية عمودية، وأقول " عمودية " لأن ما عدا هذا من فنون شعرية مختلفة (غير شعبية لكونها سليقية) ممكن تلخيصه كما يلخَّص جنس نثري.
أيًا كان هذا الأمر أو ذاك، من هذه الوجهة أو تلك فـ " يدانا أوْكتا، وَفونا نفَخ!"، لكن ما لنا لا نتأسَّى بقول ابن المقفع: " العلم كثير، ولكن أخْذُ البعض خَيْر من ترك الكل " غير عابئين بما أنكره الأصمعي عليه إنكارًا شديدًا؟
عينة سادسة مفتوحة
ماذا أريد أن أقول؟ الإحاطة بمداليل هذه الملحمة الطويلة المتداخلة أحداثها المتلاحم بعضها في بعض، المتلاحقة سرودها أفقيًا من بدايتها إلى نهايتها، المكتظة بقادة وأعلام، فضلاً عما تزخر به ازدحامًا من أزمنة وأفضية، وظواهر طوبونيمية وهي في حدّ ذاتها حريّ بها أن تكون دراسة مستقلة،... لَشُقَّةٌ شاقّة على أي امرئ يدَّعي أنه يحيط بملحمتنا هذه إحاطة السوار بالمعصم، وكلّ ما نرومه من مُخرج هذه الكلمة الوجيزة أن نهدي المتلقيِّ الشغوف مقطعها الغنائي الأخير كاملاً عسى أن يشفع لنا عنده فيما أخْلَلنا برغبته قصورًا أو تقصيرًا، وعسى أن يحمد لنا شاعرنا الكبير عبد العزيز شبّين ما ارتآه حسنا، ويتغاضى عما لا يرقى رقيًا رفيعًا إلى ذوقه الشاعري إذا ما كان لا يروقه روقانا.
أعلى الدَّوْحِ تَنْدُبُ الخَنْساءُ
لَيْسَ يُجْدي غَداةَ خَطْبٍ رِثاءُ
*
أسْوَدَ الْجُرْحِ خَضَّبَ الحُزْنُ تيزي
فيه آذارُ دَوَحَةٌ عَضْباءُ
*
العَصافيرُ السُّودُ نادَتْ وأشْجَتْ
تَكْفَرِيناسُ قَدْ عراهُ البُكاءُ
*
أبَدًا لا تَنْسى الحَمائمَ تُدْمى
وَعَلَيْها تعرَّشَتْ كِبْرِياءُ
*
افَسَحوا للطُّيورِ حتَّى تغنِّي
لِلِسانٍ بهِ بيوحُ الوَلاءُ
*
أفَهَلْ يُعْدَمُ الأصيلُ ثراهُ
ثمَّ يُقْصى عَنِ القُلوبِ الهَواءُ؟
*
أنا ذا البَرْبريُّ أَوْفَيْتُ أرضي
عِشْقَها أنْتِ لِلعَشيقِ احْتماءُ
*
دَمَنا الحُبُّ يَرْتَوي لِقًرونٍ
ما وَنَى يَوْمًا إذْ تَوانى العَياءُ
*
أنت نَيْسانُ يَومَ أطْعَمْتَ لي الرَّمـــ
ـــــلَ فأدناني للحياةِ النَّماءُ
*
لِلأَمازيغِ أغْصُنٌ خَضِلاتٌ
ما ثناهَا عَنِ الخُلودِ الفَناءُ
*
إنَّنا ها هُنا مُقيمونَ مَاقا
متْ وَزالٌ وَرُكِّزَتْ صهْلاءُ
*
وَوُعِدْنا حتَّى نكونَ جِبالاً
لا يهدُّ الجِبالَ فينا الثُّغاءُ
*
يا حُزَيْرانُ والعواصفُ هُـــــ
وجٌ كَمْ رَبيعٍ قد خاصَمَتهُ الشِّتاءُ
*
وأبابيلُ لمْ تُغادرْ فضاءً
وكأنَّ الكَهْفَ الكَبيرَ فضاءُ
*
وَتَذكَّرنا للزهُورِ شَبابًا
وَنَسينَا ما تَصْنعُ الغُلواءُ
*
انتظرنا الغِناءَ منْ ألفِ عامٍ
لَمْ نُقَدِّرْ كيفَ اسْتطالَ الزُّهاءُ
*
شُهداءُ الخُلودِ فيكِ بِـــلادي
عَلَّمونا كَيْفَ الفِداءُ يكونُ؟
*
فمَضيْنا صَحْوًا هْواكِ نُغَنِّـي
***
ا. د. عبد الجليل مرتاض
............................
إحالات مرجعية
ملحمة الجزائر الكبرى، الشاعر عبد العزيز شبين (مطبعة تين وزيتون)
جزائريات، ص: 5 – عبد الجليل مرتاض، ط 1/ 2013. دار هومة (الجزائر)
الروابط اللغوية المغاربية القديمة، عبد الجليل مرتاض، ط 1/ 2018، دار هومة (الجزائر)
مقاربات أدبية لسانية في ضوء الإلياذة الشبينية، ص: 01. عبد الجليل مرتاض (قيد الطبع)
نفسه، ص: 5[x]
تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، ص: 56 ه: 2. تح: د. محمد سليم سالم. مطابع الأهرام التجارية (القاهرة) 1971
نفسه، ص: 53
انظر: تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب، ص: 111- 114. محمد بن أبي شنب. دار فليتس (الجزائر) ط: 2009.
مقاربات أدبية لسانية في ضوء الإلياذة الشبينية، ص: 121.
المصباح المنير، ص: 14-15. الفيومي. المكتبة العلمية. بيروت.
إحـــالات
[i] (جزائريات، ص:5-28)
[ii] لاحقًا فضلاُ عن بحث في شكل كتيّب موسوم " أرض الساميين الأولى"
[iii]. (مقاربات أدبية لسانية في ضوء الإلياذة الشبينية، ص:01
[iv] (نفسه،ص"5)
[v] (تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ص:56هـ:2)
[vi] (نفسه، ص:53)
[vii] (انظر تحفة الأدب في ميزان أشعار العرب، ص:111ـــــ114)
[viii] (مقاربات أدبية لسانية في ضوء الإلياذة الشبينية،ص:121)
[ix] (المصباح،ص:14-15)






