قراءات نقدية
باقر صاحب" "زارع الريحان".. فنتازيا علميّة وإنسانيّة لتأهيل مرضى نفسيين
يمكن القول إن عنوان الرواية – موضوعة المقالة – للروائية العراقية المغتربة هاجر القحطاني، عنوان لافتٌ جداً يسهم في إيضاح حبكةٍ أرادت القحطاني تأكيدها، وهو أنَّ العراق ما زال تربةً خصبةً لبذار الأفكار المحليّة وإثمارها بالتسامح والعلاقات الإنسانية الصادقة، وبالتأنّي والصبر، على الرغم من الظروف الحالكة، إذ تجري أحداث الرواية، والعراق ما زال في جهادٍ متواصل مع التكفيريين «الدواعش».
تشويقٌ عاطفي
تتحدث الرواية عن قصّة تجربةٍ علميةٍ، لمعالجة عيناتٍ عراقيةٍ مختارة، عبر إعلانٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه العينات تعاني من حالاتٍ نفسيّة، مثل الاضطرابات السلوكية ـ والاكتئاب والقلق المُزمن. وبعد مقابلاتٍ أُجريت مع المتقدمين، تمّ اختيار عشرة ذكورٍ وثلاث إناث، يُسمّون في الرواية «المقيمين»، وليسوا مرضىً نفسيين، للتخفيف من ثقل التسمية الأخيرة عليهم. المتبنّي لهذه التجربة الدكتور حمزة، القادم من النمسا، بعد أن أمضى ثلاثين عاماً هناك، وهو يلعب كشخصيةٍ رئيسيةٍ في الرواية، ويرد ذكره بـ»هو»، حسب تصنيفات الراوي المشارك صفاء المراقب للتجربة والمدوّن لكلّ يوميّاتها، كما تلعب إحدى المقيمات واسمها «ريحان» كشخصيّةٍ أنثويّةٍ رئيسية، ويصنّفها الراوي صفاء بـ»هي»، لخلق نوعٍ من التناغم بين الشخصيتين «هو» و»هي» إذ يميل كلٌّ منهما للآخر. ثيمة العلاقة بينهما ستصبح من الثيمات الرئيسية في الرواية، ولا أخالُ أنّ القحطاني غاب عن بالها أهمية عنصر التشويق العاطفي في الرواية، التي وتدها الرئيس تجربةٌ علمية.
الراوي صفاء، هو ثالوث الشخصيات الرئيسية في الرواية، وهو يشترك مع الدكتور حمزة في الميل العاطفي إلى ريحان، ما يخلق حنقاً متزايداً على طول صفحات الرواية، من قبل صفاء تّجاه الدكتور حمزة، باعتبار الأخير خاطفاً لفرصةٍ ثمينةٍ اقتربت من صفاء، فضلاً عن شخصية «حامد» الذي تبنّى إنشاء المنتجع السياحي، في ريف محافظة واسط العراقية، وأخوه الحاج واثق، رجلٌ ثريٌّ موّل المشروع بكامله، ليضعه تحت إدارة أخيه حامد، والاثنان ابنا عم الدكتور حمزة.
التجربة التي يُراد لها أن تتمّ خلال ثلاثة أشهر، لم تستمرّ سوى خمسة أسابيع، والفترة الزمنية الباقية، تجري أحداثها خارج المنتجع، بين إسطنبول في تركيا والعاصمة بغداد.
المدوّن الميتاسردي
يمكن اعتبار تدوينات الراوي صفاء فعلاً ميتاسردياً، فهنا لدينا مرويّة صفاء في تضاعيف رواية القحطاني. كان يدوّن أن المشاركين في التجربة ـ ليس لهم إيمانٌ كاملٌ فيها، من حيث تعقيدات البرنامج ومفرداته الكثيرة، حتى إنّه وُزّعت عليهم استمارةٌ من سبعة عشر سؤالاً، لم يهتمّ بها أحدٌ من المقيمين، ولم يملؤوها. وإزاء عدم الإيمان الكامل للمقيمين بما سُمّي تجربةً علميةً وليس علاجاً نفسياً، رجّح صفاء ذلك بأنه يعود إلى عدم دقة الاختيار، فهم ليسوا بذلك التدهور النفسي الواضح «كمن يمشي متحدثاً مع نفسه في الشارع، أو ذاك الذي ينزل على الناس سباً وشتيمة دون سبب، أو تلك التي تنزوي في غرفتها طوال الليل والنهار»، أي أنّهم يبدون طبيعيين بالنسبة إليه، ذكوراً وإناثاً.
تحوّلات الشخصيّات
تلاحق الرواية تحوّلات الشخصيات، وأول المتحوّلين هو الراوي صفاء. مراقبة الآخرين، بكلّ حركة من تحرّكاتهم وسكناتهم، وتدوينه اليومي لما يحدث، بالإضافة إلى حبّه الجارف لريحان، كلُّ ذلك جعل منه شخصيّةً جديدة. فقد كان يتبرّم من وظيفته كمراقب، ويعدّ نفسه فاشلاً في ذلك، هو يريد أن يدوّن قصّته هو، كما للآخرين قصصهم. تخلّى عن حياديّته، حينما لاحظ أنّ غالبيتهم لم يلتزموا بها؛ لاحظ ذلك في الأطباء المساعدين الخمسة للدكتور حمزة، مثلما لاحظ ذلك في الأخير وهواه مع ريحان. درج صفاء، قبل التجربة وهو الصحافي المغمور، على أن يكون رجلاً عادياً، يرضى بالمُتاح، وبالمفتوح من الأبواب والمطروق منها. ما زال يترك الفرص تتسلّل بين يديه، لعلّه يقصد فرصته مع ريحان، التي ظلّت تعتبره صديقاً.
صفاء يضع رائد التجربة الدكتور حمزة تحت مجهر تأمّلاته فيراه مترفّعاً ومتكّبراً، ولم تتحوّل طينته تحت الظروف المختلفة، ويعرج الراوي دائماً على المحور العاطفي المقصود بريحان، وقبع في ذاكرته أنّ الدكتور حمزة يقاومها كلّ يوم، وهو أي صفاء يطلبها كلّ يوم، ويصرّح بذلك «لكنها قبلته وردتني».
بين العبثِ والالتزام
هناك مُحبطاتٌ أحاطت بالمشروع، لاسيّما بعد أن دهمت قوةٌ من الشرطة المكان، وحدث احتدامٌ بين حامد وقائد الشرطة، الذي نقل شكوك شيوخ العشائر المحيطة بالمنتجع، غير مصدّقين أنّ ما يحدث: تطبيق تجربةٍ علمية، كما نقل رغبتهم بضرورة وجود قوة شرطةٍ داخل المنتجع بشكل دائم. وفعلاً جرى انتشار تلك القوّة، فسرى انطباعٌ بأنّ المشروع بدأت تسوده الفوضى والعبثية، بعد ثلاثة أسابيع فقط من الالتزام والهدوء، ومن ثمّ الفشل والإغلاق جرّاء تطوّراتٍ متلاحقةٍ تمثّلت في اصطدامٍ بين إحدى الشرطيات وأحد المقيمين، ما أدّى إلى إسقاط جنينها وانهيار المقيم، ومن ثمّ انتحاره لاحقاً، وترتّبت على ذلك، تدخّلاتٌ عشائرية، وكان ما يُعتبر حدثاً تراجيدياً فرصةً للعشائر المحيطة بالمنتجع للسعي إلى إغلاقه، بسبب عدم مراعاة أجوائه للأعراف والتقاليد، مثلاً حوض السباحة.
رواية تساؤلات
وهنا نتساءل إلامَ يرمز اختيار هاجر القحطاني لتجربةٍ علميةٍ فانتازيةٍ كبؤرةٍ أساسيّة في روايتها، هل يرمز إلى رغبة الكفاءات العلمية المقيمة في الخارج، في العودة إلى البلاد، والمساهمة في تحقيق الازدهار في العراق، هل يعني فشل التجربة نسبياً، وعدم إكمالها للنهاية إلى العوائق التي تقف بوجه التقدم العلمي في العراق، ممثّلة بتدخّلات العشائر والجهات التي تريد للمنتجع الطراز الفريد ذاته من استثماره في أغراضٍ تجاريّة. ونتساءل أيضاً، إذا كان الدكتور حمزة يمثّل المواطن العراقي الصالح، الذي يحاول إنجاح تجربةٍ علمية، من الممكن أن تعمّم في علاج مئات الآلاف من العراقيين، الذي يعانون، مثل ما تعاني منه العيّنات المختارة للعلاج، من اضطراباتٍ سلوكيةٍ واكتئابٍ وقلقٍ مزمن، جرّاء الأوضاع الاستثنائيّة للعراقيين، فماذا ترمز ريحان، بنشأتها اليتيمة، هل ترمز إلى العراق، الذي يحتاج إلى حبّ مواطنيه وحرصهم عليه، فضلاً عن مساعيهم المخلصة إلى العمل على تحقيق ازدهاره.
الحبّ الضّار
وإن مضينا قدماً في ترميز شخصيات الرواية، للحدّ الذي نشعر فيه بعدم الوجود الاعتباطي لأيٍّ من الشخصيات، فإنّ شخصية البستاني سعد وحكمته في التعاطي مع الأمور، وتوثّق علاقته الإنسانية مع ريحان، ونصحه للراوي المشارك صفاء بعدم التهوّر في تعامله مع ريحان، بما سماه» الحب الضّار»، كل ذلك يمنح شخصيّته بعداً رمزياً، بوصفه مهتمّاً بالزراعة المحلية، والعنوان يشي بذلك «زارع الريحان»، ويحمل البستاني هذا نزعةً إنسانيةً في علاقاته بعيداً عن المصالح، هل هذا يعني أنّه ليس بالضرورة أن تكون معايير التجارب المستوردة ناجحةً لدينا دائماً؟
نهاياتٌ غير سعيدة
لماذا عمدت القحطاني إلى النهاية الكارثية بعد إغلاق المنتجع، حيث تسلّم زمام قيادة الحافلة الأولى «الستاركس» في القافلة، شابٌّ عشرينيٌّ متهورٌ يقود بسرعةٍ جنونية، ما أدّى إلى تصادم مع شاحنةٍ على الطريق، وسبّب تصادماتٍ متعدّدةٍ لبقية الحافلات، تسبّبت في موت الدكتور حمزة، وكذلك زوجة حامد، التي جاءت مع ابنتيها لرؤية المنتجع الذي بناه زوجها قبل أن يُغلق، كما تسبّب بإصابة صفاء بكسور، وسفره مع زوجته إلى إسطنبول في تركيا للنقاهة. هل تريد القحطاني أن تقول.. هذا هو حال العراق، كوارث في كلّ مكان، فبعد فشل التجربة داخلياً، وأسهمت في فشلها المعايير العلمية المفروضة بصرامة، وانتقامٌ شخصيٌّ من قبل الراوي صفاء بإرسال صورٍ حميمةٍ من داخل المنتجع إلى شيخ العشيرة التي تسيطر على المنطقة، التي بُني فيها المنتجع، مع ضعف المسؤولين الإداريين في المنطقة من حماية المنتجع. فشلٌ في داخل المنتجع وموتٌ خارجه. والحكمة هي في بناء العراق بالعلاقات الإنسانية القائمة على التسامح، وعدم فرض الأمر الواقع بالإكراه والانتقام. لكنَّ تلك القيم الإيجابية لم تتفعّل، فنهايات الرواية بأحداثها الحاسمة تشي بذلك، فموت زوجة حامد كان مفتاحاً لزواج ريحان منه، فأفلس صفاء، الذي يرى ريحان فردوسه المفقود بدلاً عن زوجته ابنة خالته، التي لا يطيق الاستمرار معها. لكنّ الأخيرة أثبتت جدارتها باعتراف صفاء بأنها لبوةٌ شرسةٌ في الحفاظ على بيتها وزوجها، بل تقول له ما معناه اذهب أينما شئت، ستعود إليّ حتماً. نهاية الرواية حسب عبارتها الأخيرة نهايةٌ مواربة، حيث يعود صفاء إلى النوم في سرير الزوجية، بدلاً عن أنّه كان ينام على أريكةٍ في الصالة، لكنّه كمقاتلٍ عنيد، حسب تحولاته، يتمنّى الموت، حين يقول «جاءت وغطّتني بدثار خفيف، تسرب خدرٌ موجعٌ إلى روحي، واشتهيت النوم إلى الابد».
***
باقر صاحب - كاتب عراقي
.....................
* صدرت الرواية عن دار الرافدين- بغداد – العراق عام 2024






