عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاروق سلمان کاطع: شعرية التناقض وجماليات التشكيل السريالي

دراسة نقدية في الصورة الشعرية عند الشاعر سوران محمد

تتميز الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد بطابع حداثي وتكثيف دلالي عميق، حيث تنطلق من رؤية نقدية وفلسفية واعية لدور الصورة في القصيدة المعاصرة. ويرى الشاعر أن الصور المتجددة والإيقاع الداخلي هما الجوهر الحقيقي المانح لعالمية النص.

ويمكن تلخيص أبرز ملامح وطبيعة الصورة الشعرية في تجرِبته من خلال النقاط الآتية:

1. التناقض البنائي وتداخل الزمكان

تقوم الصورة عنده على خلخلة الأبعاد التقليدية للوقت والمكان ومزج المتناقضات.

تطالعنا صور مكثفة مشحونة بـ "تقلبات التضاد" ومحفوفة بالحيرة.

تداخل حاد بين أبعاد الذاكرة والواقع، كأن "تنقلب الأحلام على الواقع والواقع على الأحلام".

2. التشكيل السريالي والفانتازي

يجنح الشاعر نحو الخيال الثانوي والتركيب السريالي غير المألوف ليصدم ذائقة المتلقي.

يبني علاقات ومجاوزات غريبة بين الكائنات والأشياء، مثل صورة "إنشاء قفص للأحلام يغذي بدم الشعراء الغربان".

استخدام مفارقات مدهشة مثل "صرصر بلا رأس يمر بجانبك" أو "المشي الهوينى كأنما على بيض الحياة".

3. استدعاء الرموز الأسطورية والتاريخية

لا تقتصر صورته على البعد الحسي العابر، بل يدمج الرموز التاريخية الرافدينية والمحلية ليشحن الصورة بأبعاد فكرية وسياسية.

توظيف رمز "سنمار" وقبته وسراديبه للتعبير عن الخديعة أو التضحية الضائعة.

ربط عناصر الطبيعة العراقية كـ "جواميس ميزوبوتاميا" وشقوق شفتي "الفرات" و"دجلة" بالنزيف الإنساني والوجع الجماعي.

4. الاندماج بين الحسي والنفسي (أنسنة الطبيعة)

تتحول المظاهر الطبيعية والفيزيائية في لغته إلى مرآة تعكس أزمات الذات الداخلية.

تصبح الطبيعة شريكة في المعاناة، كصورة "رموش شواطئ الرؤية" التي تتجمد عليها الدموع، أو "أوراق القميص التي تتساقط كأغصان الخريف".

5. التكثيف والابتعاد عن التزيين البلاغي

تخلو صورته من الزخرفة اللفظية المجردة، فهي صور قائمة على الإيجاز والتوهج لخدمة المضمون الإنساني والوجودي.

يركز على اللقطات البصرية السريعة (المشهدية) التي تعكس أثر الحرب، والغياب، وتدمير البيوت، مثل وقوف "جدار الشباك" وحيداً بعد دمار المنزل.

لتصميم دراسة أكاديمية حديثة ومبتكرة تتمحور حول الصورة الشعرية عند الشاعر العراقي سوران محمد، يجب الابتعاد عن القوالب البلاغية التقليدية (التشبيه والاستعارة المجردة) والتركيز على المناهج النقدية المعاصرة. نظراً لتميز تجرِبته بالتكثيف، تداخل الزمكان، والنزوع نحو السريالية، سنناقش الموضوع من عدة جوانب:

تتأسس المرجعية الفكرية للشاعر والمترجم العراقي سوران محمد على تقاطع معرفي خصب يجمع بين ثقافة ما بعد الحداثة، الانفتاح الكوني عبر الترجمة، والارتباط الوجداني بالمرجعيات الرافدينية والواقع المعاصر. هذا المزيج الفكري هو ما يمنح صورته الشعرية بُعداً أعمق يتجاوز حدود الزخرفة البلاغية التقليدية.

ويمكن تقسيم مرجعياته الفكرية إلى الأبعاد الآتية لتضمينها في فصل الدراسة الأكاديمية:

1. مرجعية ما بعد الحداثة وقصيدة النثر

تحديث الأدوات التعبيرية: يتبنى الشاعر رؤية نقدية واعية ترى أن الإنسانية المعاصرة بحاجة إلى لغات تعبيرية جديدة تكسر القوالب الكلاسيكية الجاهزة.

تفكيك المفاهيم: تنطلق أفكاره من وعي حداثي يعتمد على "إخراج المفردة من سياقها التقليدي" وإدخالها في فضاءات تجريبية تبحث عن القلق الإنساني والاغتراب الوجودي.

2. مرجعية التثاقف والترجمة (العالمية)

تجاوز المحلية: بوصفه مترجماً وكاتباً منفتحاً على الثقافات العالمية (العربية والكردية والدولية)، يؤمن سوران محمد بأن الشعر يجب أن يمتلك "إيقاعاً داخلياً للمعنى" يؤهله للعالمية.

التأثر بالمدارس الغربية: ينعكس عمله في الترجمة على نصوصه من خلال استعارة آليات التشكيل السريالي والفانتازي الغربي، وتوظيف الفلسفات الوجودية التي تعنى بأسئلة الفناء، الموت، والغياب.

3. المرجعية التاريخية والأسطورية (الهوية الرافدينية)

الوعي الحضاري: على الرغم من حداثة أدواته، يظل فكر الشاعر متجذراً في بيئته العراقية. تظهر في وعيه الفكري رموز حضارة "ميزوبوتاميا" وجغرافية الفرات ودجلة، لا كديكور مكاني بل كمرجعية ثقافية وسياسية تُفسر انكسارات الواقع الحالي.

استدعاء الرمز التراثي: يظهر فكره النقدي في توظيف شخصيات تراثية (مثل المهندس "سنمار") ليعيد صياغتها فكرياً كرمز للتضحية المهدورة أو الخديعة السياسية والاجتماعية.

4. مرجعية الوعي بالواقع وقلق الإنسان المعاصر

النزعة الإنسانية: يتأثر فكر الشاعر بشكل مباشر بأزمات العصر: الحروب، الدمار، واغتراب الكائن البشري وسط التطور التكنولوجي والمادي.

جدلية الذات والموضوع: يرى الشاعر أن ذات الأديب ليست معزولة، بل هي مرآة تعكس الوجع الجماعي، وهو ما يفسر تحول صورته الشعرية إلى لقطات مشهدية صادمة تحاكي الواقع وتتنبأ بتحولاته.

أن الصور السريالية والتناقضات الزمكانية في شعره ليست عبثية، بل هي نتاج مباشر لوعيه الفلسفي الملتزم بقضايا الإنسان والحداثة.

أنها ليست ترفاً شكلياً أو عبثاً لغوياً، بل هي أدوات معرفية (Epistemological Tools) حتمية فرضها واقع مشوه ومعقد.

فبنية التشكيل الصوري عند الشاعر تتجلی في النقاط التالية:

1. السريالية كآلية لتعرية "الواقع غير المعقول"

عندما يلجأ سوران محمد إلى التشكيل السريالي (مثل صياغة علاقات متنافرة كـ أقفاص الأحلام التي تتغذى فيها بدم الشعراء الغربان أو الصرصر بلا رأس)، فهو لا يهرب من الواقع، بل يعيد إنتاجه بصورة موازية تعكس بشاعته.

الواقع العراقي والإنساني المعاصر مرّ بظروف وسياقات كارثية (الحروب، الدمار، الاغتراب الوجودي) تجاوزت بلامعقوليتها حدود المنطق العقلاني الكلاسيكي.

"إن السريالية عند سوران محمد هي استجابة جمالية لواقع مشوه؛ فالواقع الكارثي لا يمكن التعبير عنه بأدوات تعبيرية تقليدية وواقعية. لذا، تصبح الصورة السريالية هنا قناعاً فكرياً يهدف إلى صدم وعي المتلقي ليرى البشاعة الحقيقية للواقع عبر مرآة الفانتازيا المشوهة.

2. التناقض الزمكاني كوسيلة لتجسيد "قلق الاغتراب الحداثي"

تداخل الأزمنة وتصادم الأمكنة في شعره (مثل قلب الأحلام على الواقع، وجعل الماضي الرافديني ينزف في الحاضر) ليس تشظياً عشوائياً، بل هو محاكاة لبنية الفكر الإنساني المعاصر تحت وطأة صدمات العصر.

الإنسان المعاصر يعيش حالة "تشرذم زمني"؛ فالماضي يثقل كاهله بالخيبات، والمستقبل مهدد، والحاضر مأزوم.

"تتجلى التناقضات الزمكانية في نصوص الشاعر بوصفها معادلاً موضوعياً (Objective Correlative) لأزمة المغترب الحداثي. إن خلخلة البعدين الزماني والمكاني هي انعكاس لعدم استقرار الذات الشاعرة، وتعبير فلسفي عن رفض التاريخ الخطي المستقيم الذي لم يقد البشرية إلا نحو المزيد من الحروب والخراب.

3. "أنسنة الطبيعة" والالتزام بقضايا الإنسان

تحويل عناصر الطبيعة إلى كائنات مأزومة (مثل رموش شواطئ الرؤية المتجمدة أو شفتي الفرات المتشققتين) يثبت الالتزام الإنساني العميق. الشاعر لا يرى الطبيعة كديكور خارجي منفصل، بل كجزء من النسيج المعذب للكائن البشري.

الانزياح الفلسفي هنا يلغي المسافة بين (الذات) الإنسانية و(الموضوع) الطبيعي، جاعلاً الكون كله مسرحاً للمأساة الإنسانية.

يتحول الكون في جغرافية سوران محمد الشعرية إلى ذات واعية تتألم؛ فالفرات ودجلة لا يحضران كرموز جغرافية جامدة، بل ككائنات حية تتقاسم مع الإنسان العراقي نزيفه الوجودي. هذا الامتزاج ينفي عن الصورة صفة العبثية، ويؤكد التزامها الصارم بالدفاع عن كينونة الإنسان وهويته الحضارية المهددة.

4. البحث عن "عالمية النص" عبر الإيقاع الداخلي للمعنى

يرى سوران محمد (من منطلق وعيه كمترجم ومثاقف) أن التكثيف الصوري المبني على المفارقة والسريالية هو اللغة العابرة للقوميات والحدود.

الصورة البصرية المكثفة والفانتازية يسهل انتقالها وفهمها عبر الترجمة مقارنة بالبلاغة اللفظية القائمة على المحسنات البديعية المحلية.

تنبثق الصورة عند الشاعر من وعي فلسفي بـ 'عالمية النص'؛ حيث يعتمد 'شعرية الفكرة والمشهد الكوني' بدلاً من 'شعرية اللفظ والزخرفة'. إن السريالية هنا هي لغة إنسانية مشاعية، توظف الرمز المحلي (ميزوبوتاميا، سنمار) وتلبسه ثوباً حداثياً يفهمه الإنسان في كل مكان، محققة بذلك غائية الالتزام الإنساني الأوسع".

فلسفية الصورة: من عبثية التشكيل إلى حتمية الالتزام المعرفي (قصيدة طور أنوذجا)

1. السريالية بوصفها تفكيكاً لتشظي الجسد والوجود

يفتتح الشاعر قصيدته بصورة سريالية صادمة تنزاح عن العقلانية الكلاسيكية:

"طارَ من قفصِ صدرِهِ؟.. حلَّ الخريفُ على الأغصان.. لا تدَعْ أوراقَ قميصِكَ تتساقطْ"

التحليل الفلسفي: الشاعر هنا لا يستعير الخريف للزينة البلاغية. الجسد (الصدر) يتحول إلى قفص، والثياب (القميص) تتحول إلى أغصان تتساقط أوراقها.

هذا التشكيل ليس عبثاً، بل هو تعبير فلسفي حداثي عن عري الإنسان المعاصر وتآكله الوجودي أمام الفقد والزمن. الشاعر يدمج بين (الذاتي الإنساني) و(الموضوعي الطبيعي) ليعكس حالة الاغتراب، حيث يفقد الكائن البشري تماكسه الفيزيائي ويتحول إلى كائن هش "تتساقط أوراقه" بفعل صدمات الواقع.

2. التناقض الزمكاني وجدلية (المهد / القبر)

ينتقل الشاعر فجأة في حركة زمنية دائرية معاكسة للمنطق الخطي:

"ليسَ لدَيكَ ما تفعلهُ سوى النزولِ من السطحِ على سُلَّمِ الزمنِ.. إلى الأسفلِ حيثُ ترى مهداً ترقدُ فيهِ روحٌ"

التحليل الفلسفي: يستحضر الشاعر حركة فيزيائية مستحيلة؛ النزول على "سلم الزمن" للوراء للقاء "المهد"، في ذات الوقت الذي يتحدث فيه عن "نعش يتمايل" و"ظلال شواهد القبور".

كسر خطية الزمن (الماضي/الحاضر/المستقبل) هو نتاج وعي حداثي يرى الزمن بوصفه عبئاً ثقيلاً وليس تتابعاً منطقياً. إن التناقض هنا يخدم فكرة "العود الأبدي" وتساوي الحياة والموت في الواقع المأزوم؛ فالنزول نحو المهد هو رحلة بحث عن الطهارة الأولى المفقودة، وهو محاولة للخلاص من "أسوار المعرفة" والمنفى. الزمن هنا نفسي داخلي وليس فيزيائياً خارجياً.

3. الفانتازيا واللقطة المشهدية (أنسنة الكارثة)

يختتم الشاعر مقطعه ببناء مشهد يمزج الفانتازيا بالواقعية القاسية:

"ليلةٌ سقطتْ من بينِ أنيابِ ذئبةٍ عجوزٍ.. وقعتْ على رصيفِ شارعٍ خالٍ"

التحليل الفلسفي: تحويل "الليلة" إلى شيء مادي يُعض ويسقط من بين أنياب "ذئبة عجوز" ليتحول إلى رصيف بارد خاوٍ.

الصورة هنا شديدة الالتزام بقضايا الإنسان (الوحشة، الحرب، الخراب). الليلة ليست مجرد وقت، بل هي رمز للظلمة الكونية والسياسية التي تنهش الإنسان. إسناد الفعل للذئبة العجوز وسقوط الليلة على الرصيف الخالي هو تجسيد للمأساة الجماعية للإنسان المغترب الذي تُرِك وحيداً على رصيف الحياة بعد أن نهشته الحروب والتحولات السياسية القاسية.

تأسيسًا على ما تقدَّم في تحليل قصيدة 'طَور'، يتضحُ بجلاء أن الانزياحات السريالية والتلاعب بالبنى الزمكانية في منجز سوران محمد الشعري لا تُمثّل انفلاتاً عبثياً أو رغبة صِرفة في الغموض؛ بل هي 'حتمية أسلوبية' فرضها وعيه المعرفي الملتزم. فالشاعر، انطلاقاً من مرجعيته الحداثية، يرى الواقع الإنساني الراهن بوصفه واقعاً متشظياً وكارثياً لا يمكن الإحاطة به عبر اللغة التقريرية المباشرة. ومن ثمَّ، تصبح السريالية لديه هي الأداة الفلسفية الوحيدة القادرة على إعادة ترميم هذا التشظي وتعرية بشاعة العالم، ليتحول التناقض الزمني في نصوصه إلى معادل موضوعي لقلق الكائن المعاصر واغترابه الوجودي.

***

فاروق سلمان کاطع

في المثقف اليوم