عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: دراسة في رواية "سنة موت ريكاردو ريس" لجوزيه ساراماغو

أزدواجية الفاعل الذاتي واغتراب الهوية الذاتية.. الفصل الرابع ــ المبحث (2)

توطئة: تشتغل دلالات ابنية رواية (سنة موت ريكاردو ريس) كما أسلفنا في مباحث سالفة بضروب خاصة من (أزدواجية الفاعل الذاتي) إلحاقا لها بذلك المؤشر الدلالي الذي وجدناه متمحورا حول (أغترابية الهوية الذاتية) مرورا بأشكال كيفية من تجربة الشخصية عبر جملة استعادات ماضوية وحاضرية من هوية قرينة الاتصالي فرناندو بيسوا. ورغم أن ذلك الأخير ميتا منذ عدة شهور، فنراه يلعب دورا حافلا بالقلق والمتابعة لحياة ريكاردو ريس. أقول أن فرناندو بيسوا يتراوح دوره بين الحلم والغشاوة واللامعقول تناسبا واستجابة مع حالات ومواقف ومؤشرات الشخصية ريكاردو ريس، الذي غدا لنا في بعض الفقرات وكأنه الواصلة الكاملة التي تحكي حياة فرناندو بيسوا وعبر اجزاءها التي أصبحت مفقودة بعد وفاته. يمكن للقارئ أن يثق من ناحية نسبية في كون فرناندو بيسوا هو الوجه الآخر لريكاردو ريس عبر مراحل معينة من وحدات السرد. ولكن الغريب في الأمر أن جوزيه ساراماغو لا يمنح اليقين الملموس لقارئه في كون الشخصيتين عبارة عن لعبة مراوية انتجتها فضاءات التمويه والاستجابة لدى الشخصية ريكاردو. عموما الرواية تشكل في ذاتها ذلك المستوى المتمحور في هوية الشخصية الواحدة ضمن ذلك الاتصال الاغترابي بذلك الشبح لشخصية فرناندو بيسوا الذي يطل عبر فقرات النص وكأنه المواجهة الضمنية في جسده الآخر من شخصية ريكاردو ريس.

ــ إشكالات الشخصية الخلاصية المحتومة

تعرض لنا الرواية مجددا علاقة ريكاردو ريس بتلك الفتاة مرساندا بصحبة والدها الدكتور سامبايو، حيث تحيلنا علاقة ريكاردو بتك العائلة، علاقة خاصة من التوتر والاضطراب والاعجاب بشخص الانسة مرساندا التي كانت تحضر كل فترة من الزمن مع والدها لمراجعة ذلك الطبيب الذي يعاين حالة يدها المعاقة، وعندما كان الأمر من الديمومة الزمنية المتتابعة، حاول ريكاردو التقرب إلى تلك العائلة ومحاولة السؤال حول أسباب هذا الشلل المفاجئ لذراع الانسة مرساندا: (لأن مرساندا قالت ببساطة، سأضع كل هذا في غرفتي، وسأعود إلى النزول لأتحدث إليك قليلا. / ص131الرواية) يحتاج القارئ لرواية (سنة موت ريكاردو ريس) إلى مساحة توقفية خاصة تعلنها بذلك مراحل حدوث الأسئلة والردود في ذات ريكاردو حول مسألة لقاءه بالفتاة ومدى ردود أفعال خدم الفندق حول رؤية جلوس الانسة وريكاردو على طاولة واحدة. وفي كل هذا يمكننا رؤية الظروف التي تخلقها عملية اللقاء في داخل الشخصية ريكاردو: (لن تتأخر مرساندا في النزول.. وقد أعادت تمشيط شعرها وزينت شفتيها، حركتان أصبحتا من الآليات ــ من الانحناءات في المرآة.. نهض ريكاردو ريس لاستقبالها، قادها إلى الأريكة في موضع يشكل زاوية قائمة مع أريكته. / ص132 الرواية) فالموقع هنا النقطة التي يتم منها رصد العالم الروائي بكافة تكويناته وتفاصيله، ولربما أن هذه النقطة قد تتغير من تموقع الأخر على مدار الحكي السردي حسبما يقتضيه سياق السرد وتنامي مجريات الأحداث: (وضعت مرساندا الفنجان على الطبق، ووضعت يدها اليمنى على اليسرى، وكلتاهما باردتان، وبينهما هذه المسافة التي تميز ما يعيش عما هو بلا حركة. / ص 132 ــ ص133 الرواية) لعل إمكانية الجهة والمسافة هما من الأمران اللذان يعاين من خلالهما السارد الأبعاد المختلفة، فالجهات التي يمكن السارد التموقع فيها متعددة، لذا فالطبيعة الحوارية في المجال المكاني، تركز على مصدر ما تريده الشخصية الاعراب عنه، ذلك فيما يتعلق وموضوع ذراعها اليمنى وكيفية طرحها ضمن حدود مسافة تستشرف مستقبل الحكي في النص: (نعم حول هذه الذراع غير القادرة على التحرك وحدها، حول هذه اليد المسكينة. / ص133 الرواية) السارد بدا عبر هذه المواضعة ممسرحا يقوم بتقديم الأحداث من الخارج، وهنا يكون مشاركا في صناعة خصوصية الرؤية ــ البؤرة، عبر تموقع دال المتغير قصدا، لذا فطبيعة الحدث في هذا السياق أحد أهم مكونات الخطاب السردي ودلالاته المنظورة.

ــ الفاعل السردي مؤلفا أم راويا أم شخصية

يتمثل الفاعل الذاتي باعتباره فاعلا ثانيا تزاوج على طول خط السرد ــ بين خلفية المؤلف والسارد والشخصية، لذا عادة ما نلاحظ في وحدات الرواية أننا أمام مبأر عام وخاص وعادة ما يكون هو الفضاء النوعي للمكان وللزمن، كما سنلاحظ أن أغلب الأفضية المبأرة هي أفضية قطعية (لأني لست مختصا ــ لأني لا أعرف سوابقك ــ يسرني أن تعتبرني صديقك) وفي كل هذا يمكننا معاينة أن الطبيب ريكاردو كان يتهرب من عملية معاينة ذراع مرساندا المشلولة وذلك لكونه ليس طبيبا في الاختصاص، وصولا إلى إنه كان يسعى ليشد من أزر الفتاة المعنوي، فقام بفحصها بطريقة استعراضية مملة: (يدها اليمنى مازالت تمسك باليسرى / وضعت هذه الأخيرة بين يديه، كما لو كان الأمر يدور حول عصفور مريض. / ص133 الرواية) يمكن القول أن وحدات السرد عموما تحمل في طياتها دلالات موغلة في الأسباب والأوجه الرمزية. فالفتاة مرساندا تشكو إعاقة ولادية في يدها اليمنى، وهذا الأمر ما ينحسب على عالم شخصية ريكاردو وكونه شخصية تعاني عدة أزمات نفسية وعاطفية، لذا بدت حياته إزاء هذه الفتاة استكمالا لما يشعر به من إعاقة روحية فاعلة في مواطن حياته كشخصية تتمحور جل بواعثها حول ثيمات سياسية وعاطفية وفنية وجنسية. الأمر الذي ينحسب على علاقته بالخادمة ليديا وكيفية مجريات علاقتهما التعاشرية في تفاصيل خالية من الحب وتشعباته القصية. إذن الأمر هو ذاته ما واجهنا في علاقة الشخصية ريكاردو بالشاعر بيسوا، علاقة تماثلية أي لا يمكننا فصل ريكاردو عن أن يكون هو فرناندو ذاته، خصوصا وأن السرد في الوحدات يضع حدود علاقة الأثنان داخل حركة ظلية واحدة.

ــ العجوزان ودلالات الزمنية الفاصلة

سيحاول تحليلنا الذي سنقوم به في هذا المبحث الفرعي فرز الحدود الدقيقة بين حياة ريكاردو وتواجد موقع ذينك العجوزان على ضفة الشاطئ حيث يتابعان مرور السفن الحربية ويقرأن بنهم صحيفة اليوم التي عادة ما يمنحها إياهم ريكاردو ريس. حين نتعامل مع موصوف العجوزان من خلال وضعهما عبر جلستهما الروتينية حيث لا جديد في مسار حياتهما سوى ترقب ماء الشاطئ ومرور السفن الحربية، ما يشكل بدوره عنصرا متماثلا وحيوات ريكاردو الزمنية، إي أن العجوزان حالة تأشير وتوازن زمني معطل قياسا لمسار حياة الشخصية ريكاردو: (استفاق مذعورا، كان الباب يقرع، ربما كانت ليديا التي استطاعت أن تفلت من الفندق وأتت لتمضي الليلة معي ــ هذا أنا ليس شبحا، بل فرناندو بيسوا، لقد أحسن أختيار يومه، فتح الباب، كان هو حقا./ ص241 الرواية) بيد أن هناك مشكلة حول حضور فرناندو بيسوا إلى عالم الحياة رغم أنه متوفي قبل عدة شهور. الرواية تعلمنا بأن ريكاردو هو أيضا يكتب القصيدة، خلافا لفرناندو بيسوا الذي جعله الموت شبحا أميا لا يجيد القراءة والكتابة، ولكن ما ضرورة حضور هذه الشخصية بسلوكها ونعتها الذي يشير إلى فرناندو بيسوا أن لم يكن هو الشاعر نفسه ؟ لعل الخطاب الدلالي في النص أراد أن يخلق علاقة استكمالية بين (ريكاردو + فرناندو بيسوا) أو أن الاثنان هما الشخصية الواحدة رغم أن الأخير ــ ريكاردو ــ يمارس حياته بشكلها المطرد، ولكن مواقف الرواية تزودنا بمحمولات تعكس حقيقة أن فرناندو هو ذاته ريكاردو، وحتى علامة العنونة المركزية للرواية (سنة موت ريكاردو ريس) لعلها تعكس حقيقة كون زمنية الموت هنا لا تؤشر إلى تواريخ محددة من موت ريكاردو أو فرناندو نفسه.

ــ تعليق القراءة:

غدت الرواية لدى عوالم (جوزيه ساراماغو) شكلا استطراديا تبعثها موضوعة اغترابية بوسائل وسائطية أقرب ما تكون إلى الفنتازيا إلى زمنية تصب في تقلبات المكان والذات والمساحات مفترضة من صوت وتدخلات السارد العليم فرواية (سنة موت ريكاردو ريس) جملة تموضعات تجتهد إلى خلق ذلك الانموذج المتكرر أو هو الذات المنعكسة في مرآة الآخر، فتنتج رؤية طوعية للماضي عبر صور فوضوية قد تبدو متجانسة أحيانا وغير ذلك في سياقات عديدة. عموما تبقى روايات جوزيه ساراماغو بمثابة السرد الطليق الذي يبث الفوارق بين الاسبقيات التقليدية والمفترضة وعبر أشكال مفصلية تغلبها فاعلية الميتافكشن في توظيف التمثيلات والاختلافات السردية الشيقة.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم