عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الأدب المُسندي وعلاقته بالأدب العربي وفقه اللغة والنحو

يُعَدُّ الأدب المُسندي أحد أقدم الشواهد الحضارية واللغوية في جزيرة العرب، وهو الأدب الذي دوّنته الممالك العربية الجنوبية القديمة؛ كسبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير، بخطِّ المسند الذي ازدهر قرابة ألف عام قبل الإسلام واستمر استعماله حتى القرون الميلادية الأولى. ولا تقتصر أهمية هذا الأدب على قيمته التاريخية والحضارية، بل تمتد إلى كونه مصدراً أصيلاً لفهم الجذور العميقة للغة العربية، والكشف عن تطور بنياتها النحوية والدلالية والصوتية، مما جعله مادةً لا غنى عنها لفقه اللغة العربية والدراسات المقارنة.

الأدب المسندي: ذاكرة العرب الجنوبية

الأدب المسندي هو مجموع النصوص التي وصلتنا منقوشة على الأحجار والمعادن والأخشاب، وتشمل نصوصاً ملكية ودينية وتشريعية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن نصوص ذات طابع بلاغي وأدبي. وقد كُتبت هذه النصوص بلغات عربية جنوبية قديمة تنتمي إلى الأسرة السامية، أبرزها السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية.

وعلى الرغم من أن أغلب ما وصل إلينا ليس شعراً موزوناً بالمعنى المعروف في الأدب العربي اللاحق، فإن تلك النقوش تكشف عن نزعة أدبية واضحة تتمثل في حسن السبك، والإيجاز المكثف، والتوازي التركيبي، والعبارات الاحتفالية ذات الإيقاع اللفظي المتميز.

الأدب المسندي وفقه اللغة العربية

يُعنى فقه اللغة بدراسة اللغة في تاريخها وتطورها وعلاقاتها وأصول ألفاظها، ومن هنا تأتي القيمة الكبرى للأدب المسندي.

فقد أثبتت النقوش المسندية أن العربية الفصحى لم تظهر فجأة، وإنما سبقتها مراحل لغوية متعددة داخل البيئة العربية نفسها. وقد ساعدت النصوص المسندية الباحثين على فهم أصول كثير من المفردات العربية، والكشف عن تطورها الدلالي عبر العصور. ومن أبرز الجوانب التي أسهم فيها الأدب المسندي:

أولاً: دراسة الجذور اللغوية

تكشف النقوش عن جذور لغوية ما تزال حية في العربية الفصحى، مثل جذور تدل على الملك والزراعة والتجارة والحرب والعبادة، مما يؤكد وحدة الأصل الحضاري واللغوي بين عرب الجنوب وعرب الشمال.

ثانياً: تطور المعنى

تُظهر النصوص المسندية كيف انتقلت بعض الألفاظ من معانٍ مادية محددة إلى معانٍ مجردة أوسع، وهو ما يساعد على فهم المسار التاريخي للمعجم العربي.

ثالثاً: الظواهر الصوتية

أتاحت دراسة اللغات المسندية فهماً أعمق لظواهر الإبدال والإعلال والتقارب الصوتي بين اللهجات العربية القديمة، مما أسهم في تفسير كثير من الظواهر التي عالجها علماء العربية لاحقاً.

الأدب المسندي والنحو العربي

لم يكن النحو العربي الذي دوّنه علماء البصرة والكوفة معزولاً عن التاريخ اللغوي السابق، بل جاء ثمرةً لتراكم طويل من الاستعمالات اللغوية العربية.

وتكشف النصوص المسندية عن عدد من الظواهر النحوية المهمة:

أدوات التعريف

من أشهر خصائص بعض اللغات المسندية استعمال النون أو الهاء والنون في التعريف، بدلاً من (أل) المعروفة في العربية الفصحى. وتُعد هذه الظاهرة من أهم الشواهد على تطور أدوات التعريف في اللغات العربية القديمة.

الضمائر

قدمت النقوش نماذج متعددة للضمائر المتصلة والمنفصلة، تساعد في تتبع تطور النظام الضميري العربي عبر العصور.

الإضافة

أظهرت النصوص أن نظام الإضافة كان مستقراً منذ أزمنة مبكرة، وهو ما يعكس قِدَم هذا البناء النحوي في العربية.

ترتيب الجملة

تدل النقوش على وجود أنماط متنوعة من الجمل الاسمية والفعلية، بما يقارب كثيراً من التراكيب المعروفة في العربية الفصحى.

الأدب المسندي والأدب العربي

تمثل العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي علاقة جذورٍ وامتداد، لا علاقة انفصال أو قطيعة. فالمناخ الثقافي الذي أنتج النقوش المسندية هو جزء من البيئة العربية الكبرى التي ازدهر فيها الشعر الجاهلي ثم الأدب الإسلامي.

وقد ورث الأدب العربي اللاحق كثيراً من السمات التي عرفتها الحضارات الجنوبية القديمة، ومنها:

الفخر الحضاري

يتجلى الاعتزاز بالملك والعمران والبطولات في النقوش المسندية، ثم يظهر بصورة أكثر نضجاً في الشعر الجاهلي وشعر الفخر الإسلامي.

وصف الطبيعة

عرفت النقوش اليمنية القديمة أوصافاً للجبال والوديان والسدود والكروم والحقول، وهي موضوعات وجدت طريقها إلى الشعر العربي في مختلف عصوره.

النزعة البلاغية

يظهر في النقوش استعمال التكرار والتوازي والتوكيد، وهي وسائل بلاغية أصبحت فيما بعد من أبرز أدوات التعبير في الأدب العربي.

الأدب المسندي والشعر العربي اللاحق

رغم ضياع معظم الشعر المدوَّن بالمسند، فإن تأثير البيئة الثقافية الجنوبية ظل واضحاً في شعر كثير من الأدباء اليمنيين والعرب، ولا سيما في أشعار الفخر بالأنساب والحديث عن سبأ وحمير والتبابعة.

وقد حافظ شعراء اليمن عبر العصور على شعور عميق بالانتماء إلى الإرث السبئي والحميري، فظل هذا الميراث حاضراً في أشعارهم التاريخية والقومية واللغوية.

كما أن الاهتمام بالنسب واللغة وأصول العرب، الذي نجده عند علماء اليمن وأدبائها، يُعَدُّ امتداداً فكرياً لذلك التراث القديم الذي حفظته النقوش المسندية.

قيمة الأدب المسندي في الدراسات الحديثة

لقد أصبح الأدب المسندي اليوم أحد أهم المفاتيح لفهم تاريخ العربية. فكل نقش جديد يُكتشف يضيف لبنةً جديدة إلى صرح المعرفة اللغوية، ويساعد الباحثين على إعادة رسم خريطة تطور العربية قبل الإسلام.

ولذلك فإن دراسة الأدب المسندي لم تعد شأناً تاريخياً محضاً، بل أصبحت جزءاً من علوم اللغة والنحو واللسانيات المقارنة، ومن أهم الوسائل لفهم البنية العميقة للعربية وأصولها الحضارية.

خاتمة

إن الأدب المسندي ليس تراثاً محلياً يخص جنوب الجزيرة العربية وحده، بل هو فصلٌ مبكر من السيرة الكبرى للغة العربية. ففي نصوصه تتجلى الجذور الأولى لكثير من الظواهر اللغوية والنحوية والبلاغية التي ازدهرت لاحقاً في العربية الفصحى. ومن ثم فإن العلاقة بين الأدب المسندي والأدب العربي هي علاقة الأصل بالامتداد، والجذر بالغصن، والماضي بالحاضر؛ إذ أسهمت نقوش المسند في حفظ جزء مهم من الذاكرة اللغوية للعرب، وأمدّت فقه اللغة والنحو العربي بمادة علمية ثمينة لا تزال تكشف عن أسرارها يوماً بعد يوم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم